لم يكن الصمت يوماً دليلاً على الحكمة، ولا السكوت علامة على الوقار، فكم من صامتٍ حسبناه متعففاً عن الخصومة، مترفعاً عن السجال، فإذا به يضمر في صدره من الغل ما لا تحمله الجبال، وهكذا هم حتى الصامتون منهم بان غلهم، خصوصاً أولئك الذين آثروا أن يلوذوا بجدار الصمت، ويراقبون من بعيد، ويبتسمون ابتسامة باردة، كأن الأمر لا يعنيهم، فإذا بالحقيقة تصفعنا: بأنهم ليسوا محايدين، بل هم في قلب المعركة.

يا للعجب! لقد ظنوا أن الصمت سترة، وأن عدم الظهور نجاة، فنسوا أن القلوب إذا امتلأت غلاً فاضت الألسن، وإن لم تنطق، فاضت العيون، وفضحته المواقف.

حتى الصامتون منهم، لم يكن صمتهم حياداً، بل كان ترقباً للانقضاض. بان غلهم اليوم، وانكشف سمهم، فإذا بنا نكتشف أننا لم نكن نعيش بين بشر مختلفين معنا فحسب، بل كنا نعيش وسط جحور ملأى بالأفاعي، تتلون بتلون المواقف، وتبتسم وهي تخفي الناب.

لقد أحاطوا بنا من كل جانب، بثوا سمومهم في مجالسنا، ونفثوا حقدهم في طرقاتنا، حتى صار المرء منا لا يدري من أين تأتيه اللدغة.

هم الأفاعي التي تلبس ثوب البشر، تتكلم بلغتنا، وتأكل من خيرنا، ثم تلتف حول رقابنا إذا سنحت الفرصة.

نعم، نحن المحاصرون اليوم، بصمتهم المريب، وغلهم الدفين، وابتسامتهم الصفراء التي تخفي وراءها ألف خنجر.

ولكن.. ما علينا من حصارهم، فإن الأفاعي وإن كثرت، لا بد أن يأتيها يوم تنكشف فيه، وتقطع رؤوسها.

والمهم أنهم انفضحوا.

انفضح صمتهم، وانكشف غلهم، وعرفنا أخيراً أن العدو لم يكن بعيداً، بل كان بيننا، يسكن معنا، ويأكل على موائدنا.

لقد سقط القناع، وبانت الأنياب، فمن كان يظنهم صامتين حكمة، اكتشف أنهم صامتون حقداً، ينتظرون لحظة سقوطنا ليرقصوا فوق جراحنا.

لقد كان انكشافهم نعمة، فكم كنا نحتاج إلى هذه اللحظة الفارقة، لحظة سقوط الأقنعة، لنعرف الصديق من المتسلق، والناصح من الحاسد، والشريف من مدعي الشرف.

والتاريخ لا يرحم الأفاعي، مهما طال صمتها.

ومضة:

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها

عند التقلب في أنيابها العطب.