حين أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مبادرة مستقبل الاستثمار عام 2018، أن معركته الكبرى هي أن يرى الشرق الأوسط «أوروبا الجديدة»، لم تكن المنطقة تنعم حينها باستقرار مثالي.


واليوم، بعد ثماني سنوات، تخوض العبارة اختبارها الأصعب في ظل تصاعد التوترات العسكرية والمواجهات المباشرة وغير المباشرة المتصلة بإيران وملفاتها الإقليمية ومليشياتها الإرهابية.


غير أن هذا التصعيد لا يُسقط العبارة، بل يضعها في قلب «اختبار الصمود». فالكلمة المفتاحية كانت ولا تزال «معركتي»؛ معركة جوهرها انتشال الإقليم من معادلة السلاح والأزمات إلى معادلة الاقتصاد والاستقرار.


والإقليم اليوم ليس ساحة لمشروعين فحسب، بل تتزاحم فيه مشاريع متعددة. فهناك مشروع يقتات على تصدير الأزمات، ويحكم عبر المليشيات المسلحة، ويعيش على اقتصاد الحروب والعقائد الأمنية المغلقة. وهناك مشروع إسرائيلي حاضر بقوة، يراهن على التفوق العسكري وفرض الوقائع على الأرض، ويسعى إلى اندماج إقليمي يتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وهناك مشاريع لقوى إقليمية أخرى قريبة تبحث عن نفوذ يتمدد في فراغات الدول المأزومة. وفي مقابل ذلك كله، يقدّم المشروع السعودي نموذجاً مختلفاً، يراهن على جذب الاستثمارات وتمكين الشباب وبناء مدن المستقبل، وتحويل جغرافيا المنطقة إلى ممرات تجارية وتقنية تربط الشرق بالغرب.


ولا يحتاج هذا النموذج إلى شاهد واحد ليثبت جدّيته؛ فشواهده تتسع لتشمل اقتصاداً يتنوع بثبات وتتنامى فيه الإيرادات غير النفطية، وصناعات ناشئة تمتد من التعدين إلى السيارات الكهربائية، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وقطاعاً سياحياً يُبنى من الصفر، وموقعاً لوجستياً يتهيأ ليكون عقدة وصل بين ثلاث قارات، إلى جانب استضافة معرض «إكسبو 2030» وكأس العالم 2034. وفي الوقت الذي تتصدر فيه المسيّرات والصواريخ نشرات الأخبار، تواصل هذه المشاريع مسارها دون أن تنتظر هدوء العواصف، في رسالة صريحة بأن الصراعات المسلحة لن توقف عجلة المستقبل.


لكن السؤال الأهم: كيف تحمي السعودية مشروعها وسط هذا الاضطراب؟ الإجابة تكمن في فلسفة سياستها الخارجية الراهنة، التي تتعامل مع الدبلوماسية بوصفها «قبة حماية» للتنمية. فالرياض لا تكتفي باحتواء ارتدادات الصراعات، بل تنسج شبكة من الشراكات والاستثمارات العالمية، شرقاً وغرباً، تجعل استقرار المملكة مصلحة حيوية للقوى الكبرى. وتُبقي قنوات الحوار مفتوحة مع الجميع، وتتجنب الانزلاق إلى الحروب المباشرة، وتدير التوازنات بدقة في ملف التصعيد الإيراني، في «تحصين استراتيجي» يمنع تحويل المقدرات الوطنية إلى وقود لصراعات استنزافية لا رابح فيها. ويوازي ذلك بناءُ قدرات دفاعية رادعة، واقتصادٍ أكثر مرونة في امتصاص الصدمات، ودورٍ متنامٍ في الوساطة وإطفاء الحرائق الإقليمية قبل أن تمتد إليها.


وتدرك الرياض أن نجاحها الاقتصادي لا يكتمل خلف أسوار مغلقة، وأن ازدهارها يتأثر بما يجري عند حدود جيرانها. فحالة اللااستقرار الناتجة عن الصراع مع إيران، وعن الأزمات المشتعلة في اليمن وأجزاء من المشرق العربي، تعطّل الإمكانات الكاملة للإقليم. غير أن انتقال النجاح السعودي إلى الإقليم ليس عملية تلقائية، بل تحكمه شروط واضحة: أولها استعادة الدولة الوطنية لسيادتها واحتكارها وحدها للسلاح، فلا تنمية تعيش في ظل المليشيات. وثانيها تشابك المصالح عبر مشاريع عابرة للحدود في الطاقة والنقل والربط الكهربائي والتجارة، تجعل كلفة الحرب أعلى من أي مكسب يُرتجى منها. وثالثها حلّ عادل للقضية الفلسطينية يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إذ لا استقرار مستداماً فوق جرح مفتوح. ورابعها إرادة سياسية لدى حكومات المنطقة تقدّم الإصلاح الاقتصادي ورفاه المواطن على مغامرات النفوذ.


ومن هنا، يزداد مشروع «أوروبا الجديدة» إلحاحاً في زمن الحروب لا تراجعاً؛ فالشرق الأوسط الذي تنهكه النزاعات لن يورّث أبناءه إلا الفقر واللجوء، أما البديل فواقع جديد يبرهن أن عوائد السلام الاقتصادي والتبادل التجاري والازدهار المشترك أعلى بكثير من مكاسب أي انتصار عسكري عابر.


وفي التجربة الأوروبية درس بليغ؛ فمؤسسات الاتحاد الأوروبي الأولى لم تولد من فراغ، بل من دروس الخراب الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية. فبعد خمس سنوات فقط من انتهاء الحرب، وفي ظل توترات الحرب الباردة التي كانت تخيّم على القارة، طرح وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان دمج إنتاج الفحم والصلب بين فرنسا وألمانيا، أي المادتين اللتين يُصنع منهما السلاح نفسه، لتصبح الحرب بين العدوّين التاريخيين، بتعبيره، ليست أمراً لا يُتصوّر فحسب، بل مستحيلة مادياً. هكذا اكتشف الأوروبيون أن تشابك المصالح هو الجدار الأمتن في وجه تكرار الحروب.


وهذا تحديداً ما تعنيه «المعركة» السعودية اليوم: أن تنتقل المنافسة في الإقليم من سؤال «من يملك مسيّرات وصواريخ ونفوذاً عسكرياً أكبر؟» إلى سؤال «من يبني الاقتصاد الأكثر تنافسية، ويستقطب التكنولوجيا، ويضمن الأمان والرفاه لمواطنيه؟».


إن بناء المدن وتحويل الاقتصادات في ظروف الاستقرار أمر ممكن، أما الحفاظ على زخم التحول واختراق حاجز الأزمات والحروب، فذلك هو التحدي القيادي الأكبر. لذلك، فإن «أوروبا الجديدة» ليست حلماً وردياً يُطرح في أوقات السلم ويتوارى في زمن التوتر، بل هي الخيار الاستراتيجي الأجدى أمام الشرق الأوسط للخروج من دائرته المفرغة؛ إنها معركة إثبات أن إرادة البناء أصلب من أدوات الدمار، وأن المستقبل يُصنع بالنمو والاستثمار، لا بالحروب والصراعات.


وهنا نعود إلى حيث بدأنا. فحين أطلق ولي العهد عبارته قبل ثماني سنوات، وصفها بأنها «حرب السعوديين» و«حربه» التي يقودها بنفسه، مؤكداً أنه يريد أن يرى الشرق الأوسط في مقدمة العالم. وما تثبته السنوات الثماني أن العبارة لم تكن شعاراً عابراً، بل مشروعاً سياسياً واقتصادياً له أدواته وشروطه، يمضي في طريقه رغم التصعيد، ويضع الإقليم كله أمام خيار واضح: إما الاستمرار في دوامة الصراع، وإما الالتحاق بمسار البناء. تلك هي «المعركة» التي لا هدنة فيها، ولا انسحاب منها.