حين تصبح المصالح الدولية مبرراً للتردد في حماية المدنيين، يتجاوز الخطر حدود الدولة المستهدفة إلى مصداقية النظام الدولي وقدرته على صون السلام. وقد مثّلت هجمات الحوثيين على السعودية تحدياً للقانون الدولي وتهديداً للمدنيين والمنشآت الحيوية، واختباراً لجدية مواقف الأشقاء قبل الأصدقاء والمجتمع الدولي في حماية الاستقرار.


وكشفت الاعتداءات تفاوتاً في المواقف الدولية والإقليمية، وسقوط بعض الأقنعة، فبينما أدانت دول الهجمات، وأعلنت تضامنها مع المملكة، اكتفت أطراف أخرى بالدعوة إلى التهدئة والحوار، مراعاةً لمصالحها وعلاقاتها أو رغبةً في الوساطة. ومع ضرورة التمييز بين التحفظ الدبلوماسي وتأييد الاعتداءات، تبقى الدعوات العامة غير كافية لردع استهداف المدن والمطارات والمنشآت الاقتصادية.


ولا تقتصر المخاطر على الأضرار المباشرة، بل تشمل الطيران المدني وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والممرات التجارية. فاستهداف منشآت النفط في دولة محورية اقتصادياً يهدد استقرار الأسواق العالمية، بينما يضاعف التصعيد مخاطر الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ويرفع تكاليف النقل والتأمين.


ويفرض القانون الدولي الإنساني التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والأعيان المدنية، ويحظر الهجمات المتعمدة على المدنيين والهجمات العشوائية. لذلك، لا يجوز أن تتجاهل المعالجة السياسية طبيعة الأهداف والنتائج الإنسانية.


وترتبط مصالح بعض الدول ذات الثقل السياسي، باعتبارها قوة اقتصادية مستوردة للطاقة، باستقرار الخليج، فيما تراعي أخرى توازن علاقاتها وحساباتها الإستراتيجية. ورغم تباين مواقفها بحسب الوقائع والقرارات، لا تعفي هذه الحسابات القوى الكبرى من مسؤولية حماية المدنيين ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.


كذلك لا تبرر خشية الدول الإقليمية من اتساع الحرب، أو علاقاتها بأطراف النزاع، الغموض تجاه الاعتداءات. فأمن السعودية مترابط مع أمن الخليج والبحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية، ولا يمكن اختزال الهجمات في نزاع ثنائي.


إن غياب استجابة دولية فعالة يضعف الثقة بالأمن الجماعي، ويزيد احتمالات اتساع المواجهة وتداخل المصالح، ويهدد التجارة والطاقة، ويعمّق معاناة اليمنيين، ويعرقل التعافي وإعادة الإعمار.


وتقتضي حماية الاستقرار الجمع بين حق المملكة في الدفاع عن أراضيها وسكانها وفق القانون الدولي، والعمل لإنهاء الصراع اليمني. وتشمل المسؤولية الدولية تنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومنع وصول الأسلحة المحظورة إلى الجهات الخاضعة للعقوبات، ووقف الهجمات العابرة للحدود، ودعم تسوية تحفظ وحدة اليمن وسيادته.


ولا يُقاس أثر المواقف بقوة بيانات الإدانة وحدها، بل بقدرتها على منع تكرار الهجمات، وصون سيادة المملكة، وتهيئة الظروف لسلام إقليمي مستدام.


فحماية المدنيين مبدأ ثابت داخل اليمن وخارجه، بعيداً عن الانتقائية وازدواجية المعايير. والتسوية المستدامة تتطلب معالجة أسباب النزاع، لا التغاضي عن الاعتداءات أو إخضاع أمن المدنيين للمساومات السياسية.