أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1888.jpg?v=1772826212&w=220&q=100&f=webp

خالد إبراهيم العقيلي

«أوروبا الجديدة».. التنمية في حقل الألغام الإقليمي

حين أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مبادرة مستقبل الاستثمار عام 2018، أن معركته الكبرى هي أن يرى الشرق الأوسط «أوروبا الجديدة»، لم تكن المنطقة تنعم حينها باستقرار مثالي.


واليوم، بعد ثماني سنوات، تخوض العبارة اختبارها الأصعب في ظل تصاعد التوترات العسكرية والمواجهات المباشرة وغير المباشرة المتصلة بإيران وملفاتها الإقليمية ومليشياتها الإرهابية.


غير أن هذا التصعيد لا يُسقط العبارة، بل يضعها في قلب «اختبار الصمود». فالكلمة المفتاحية كانت ولا تزال «معركتي»؛ معركة جوهرها انتشال الإقليم من معادلة السلاح والأزمات إلى معادلة الاقتصاد والاستقرار.


والإقليم اليوم ليس ساحة لمشروعين فحسب، بل تتزاحم فيه مشاريع متعددة. فهناك مشروع يقتات على تصدير الأزمات، ويحكم عبر المليشيات المسلحة، ويعيش على اقتصاد الحروب والعقائد الأمنية المغلقة. وهناك مشروع إسرائيلي حاضر بقوة، يراهن على التفوق العسكري وفرض الوقائع على الأرض، ويسعى إلى اندماج إقليمي يتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وهناك مشاريع لقوى إقليمية أخرى قريبة تبحث عن نفوذ يتمدد في فراغات الدول المأزومة. وفي مقابل ذلك كله، يقدّم المشروع السعودي نموذجاً مختلفاً، يراهن على جذب الاستثمارات وتمكين الشباب وبناء مدن المستقبل، وتحويل جغرافيا المنطقة إلى ممرات تجارية وتقنية تربط الشرق بالغرب.


ولا يحتاج هذا النموذج إلى شاهد واحد ليثبت جدّيته؛ فشواهده تتسع لتشمل اقتصاداً يتنوع بثبات وتتنامى فيه الإيرادات غير النفطية، وصناعات ناشئة تمتد من التعدين إلى السيارات الكهربائية، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وقطاعاً سياحياً يُبنى من الصفر، وموقعاً لوجستياً يتهيأ ليكون عقدة وصل بين ثلاث قارات، إلى جانب استضافة معرض «إكسبو 2030» وكأس العالم 2034. وفي الوقت الذي تتصدر فيه المسيّرات والصواريخ نشرات الأخبار، تواصل هذه المشاريع مسارها دون أن تنتظر هدوء العواصف، في رسالة صريحة بأن الصراعات المسلحة لن توقف عجلة المستقبل.


لكن السؤال الأهم: كيف تحمي السعودية مشروعها وسط هذا الاضطراب؟ الإجابة تكمن في فلسفة سياستها الخارجية الراهنة، التي تتعامل مع الدبلوماسية بوصفها «قبة حماية» للتنمية. فالرياض لا تكتفي باحتواء ارتدادات الصراعات، بل تنسج شبكة من الشراكات والاستثمارات العالمية، شرقاً وغرباً، تجعل استقرار المملكة مصلحة حيوية للقوى الكبرى. وتُبقي قنوات الحوار مفتوحة مع الجميع، وتتجنب الانزلاق إلى الحروب المباشرة، وتدير التوازنات بدقة في ملف التصعيد الإيراني، في «تحصين استراتيجي» يمنع تحويل المقدرات الوطنية إلى وقود لصراعات استنزافية لا رابح فيها. ويوازي ذلك بناءُ قدرات دفاعية رادعة، واقتصادٍ أكثر مرونة في امتصاص الصدمات، ودورٍ متنامٍ في الوساطة وإطفاء الحرائق الإقليمية قبل أن تمتد إليها.


وتدرك الرياض أن نجاحها الاقتصادي لا يكتمل خلف أسوار مغلقة، وأن ازدهارها يتأثر بما يجري عند حدود جيرانها. فحالة اللااستقرار الناتجة عن الصراع مع إيران، وعن الأزمات المشتعلة في اليمن وأجزاء من المشرق العربي، تعطّل الإمكانات الكاملة للإقليم. غير أن انتقال النجاح السعودي إلى الإقليم ليس عملية تلقائية، بل تحكمه شروط واضحة: أولها استعادة الدولة الوطنية لسيادتها واحتكارها وحدها للسلاح، فلا تنمية تعيش في ظل المليشيات. وثانيها تشابك المصالح عبر مشاريع عابرة للحدود في الطاقة والنقل والربط الكهربائي والتجارة، تجعل كلفة الحرب أعلى من أي مكسب يُرتجى منها. وثالثها حلّ عادل للقضية الفلسطينية يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إذ لا استقرار مستداماً فوق جرح مفتوح. ورابعها إرادة سياسية لدى حكومات المنطقة تقدّم الإصلاح الاقتصادي ورفاه المواطن على مغامرات النفوذ.


ومن هنا، يزداد مشروع «أوروبا الجديدة» إلحاحاً في زمن الحروب لا تراجعاً؛ فالشرق الأوسط الذي تنهكه النزاعات لن يورّث أبناءه إلا الفقر واللجوء، أما البديل فواقع جديد يبرهن أن عوائد السلام الاقتصادي والتبادل التجاري والازدهار المشترك أعلى بكثير من مكاسب أي انتصار عسكري عابر.


وفي التجربة الأوروبية درس بليغ؛ فمؤسسات الاتحاد الأوروبي الأولى لم تولد من فراغ، بل من دروس الخراب الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية. فبعد خمس سنوات فقط من انتهاء الحرب، وفي ظل توترات الحرب الباردة التي كانت تخيّم على القارة، طرح وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان دمج إنتاج الفحم والصلب بين فرنسا وألمانيا، أي المادتين اللتين يُصنع منهما السلاح نفسه، لتصبح الحرب بين العدوّين التاريخيين، بتعبيره، ليست أمراً لا يُتصوّر فحسب، بل مستحيلة مادياً. هكذا اكتشف الأوروبيون أن تشابك المصالح هو الجدار الأمتن في وجه تكرار الحروب.


وهذا تحديداً ما تعنيه «المعركة» السعودية اليوم: أن تنتقل المنافسة في الإقليم من سؤال «من يملك مسيّرات وصواريخ ونفوذاً عسكرياً أكبر؟» إلى سؤال «من يبني الاقتصاد الأكثر تنافسية، ويستقطب التكنولوجيا، ويضمن الأمان والرفاه لمواطنيه؟».


إن بناء المدن وتحويل الاقتصادات في ظروف الاستقرار أمر ممكن، أما الحفاظ على زخم التحول واختراق حاجز الأزمات والحروب، فذلك هو التحدي القيادي الأكبر. لذلك، فإن «أوروبا الجديدة» ليست حلماً وردياً يُطرح في أوقات السلم ويتوارى في زمن التوتر، بل هي الخيار الاستراتيجي الأجدى أمام الشرق الأوسط للخروج من دائرته المفرغة؛ إنها معركة إثبات أن إرادة البناء أصلب من أدوات الدمار، وأن المستقبل يُصنع بالنمو والاستثمار، لا بالحروب والصراعات.


وهنا نعود إلى حيث بدأنا. فحين أطلق ولي العهد عبارته قبل ثماني سنوات، وصفها بأنها «حرب السعوديين» و«حربه» التي يقودها بنفسه، مؤكداً أنه يريد أن يرى الشرق الأوسط في مقدمة العالم. وما تثبته السنوات الثماني أن العبارة لم تكن شعاراً عابراً، بل مشروعاً سياسياً واقتصادياً له أدواته وشروطه، يمضي في طريقه رغم التصعيد، ويضع الإقليم كله أمام خيار واضح: إما الاستمرار في دوامة الصراع، وإما الالتحاق بمسار البناء. تلك هي «المعركة» التي لا هدنة فيها، ولا انسحاب منها.

منذ ساعة

الشرق الأوسط بين قصف المسيّرات وحرب السرديات

لم تعد الحروب الحديثة تُدار أو تُقاس بالسلاح والعتاد وحده، بل بالروايات التي تُقنع بها العالم بما يجري.

في الحروب التقليدية كانت المعارك تُحسم في الميدان، وتحركات الجيوش براً وجواً وبحراً، والحدود تتغير ونتائج المعركة تُعلن بعد أن يهدأ صوت المدافع. أما في حروب اليوم فلم تعد تُدار بالمنطق العسكري التقليدي ذاته؛ فإلى جانب الصواريخ والطائرات برز سلاح آخر لا يقل تأثيراً: سلاح «الرواية الإعلامية».

إنها الحروب في عصر الإعلام الرقمي؛ فقد تخسر المعركة في الميدان وتربحها في الرواية، وقد تنتصر عسكرياً ولكنك تخسر العالم لأن روايتك كانت غير مقنعة. وفي عالم اليوم لا تُخاض المعارك لتغيير الجغرافيا العسكرية وحدها، بل هناك أيضاً ميدان الإعلام والاتصال حيث تتشكل الانطباعات الأولى وتُبنى المواقف السياسية ويتشكل الرأي العام العالمي.

ومع التصعيد العسكري المتواصل الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في ضوء المواجهات الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية المتبادلة وتداعياتها على استقرار المنطقة، بدا واضحاً أن الصراع لا يدور في الميدان وحده، بل يمتد إلى ساحة أخرى أكثر اتساعاً وتأثيراً: ساحة الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

خلال أيام قليلة فقط تدفقت على الفضاء الرقمي آلاف الصور والمقاطع التي قيل إنها توثق الضربات العسكرية المتبادلة، لكن جزءاً كبيراً من تلك المواد تبيّن لاحقاً أنها قديمة أو في مواقع جغرافية أخرى شهدت صراعات سابقة. ومنها كذلك ما أُنتج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فظهرت صور ومقاطع مولّدة رقمياً لمواقع أو أحداث غير حقيقية، كما جرى تداول مقاطع من ألعاب إلكترونية حربية بوصفها توثيقاً مباشراً للمعارك.

هذه الظاهرة ليست تفصيلاً عابراً في مشهد الحرب، بل تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث أصبحت السرديات الإعلامية جزءاً أساسياً من إدارة الصراع في عالم تنتشر فيه الأخبار بسرعة الضوء، إذ قد تكفي صورة واحدة أو مقطع قصير لصناعة رأي عام عالمي خلال دقائق، وربما ثوانٍ، حتى قبل أن تتاح فرصة التحقق من دقته وتفنيده. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في زمن الإعلام الرقمي: الرواية قد تسبق الحقيقة.

وتلعب الخوارزميات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي دوراً مؤثراً في هذا المشهد؛ فهي التي تقرر إلى حد كبير ما يراه المستخدم وما ينتشر على نطاق واسع. ومع تطور أدوات تحليل البيانات تلجأ بعض الجهات إلى ما يعرف بـ«إدارة الإدراك»، أي التأثير المقصود في كيفية فهم الجمهور للأحداث من خلال توجيه الرسائل الإعلامية بطريقة مدروسة تُشكّل تصوراً معيناً للواقع.

ولا تقتصر معركة الروايات على منصات التواصل الاجتماعي وحدها، إذ إن وسائل الإعلام الدولية تلعب دوراً محورياً في صياغة فهم العالم لما يجري؛ فاختيار المفردات، وزاوية التغطية، والإطار التحليلي الذي تُعرض من خلاله الأحداث كلها عوامل تؤثر في كيفية إدراك حقيقة الصراع. وفي كثير من الأحيان يتم تأطير العمليات العسكرية ضمن سياق الأمن الإقليمي أو الاستقرار الدولي، بينما تتراجع الأسئلة المرتبطة بشرعية الحرب وتداعياتها القانونية والإنسانية. فالإعلام في أوقات الحروب لا يكون مجرد ناقلٍ للأحداث، بل طرفاً مؤثراً في تشكيل صورة الصراع في الوعي. وفي أزمنة الحروب لا تنتشر الشائعات صدفة، بل كثيراً ما تكون جزءاً من معركة السرديات.

وهنا تحضرني ذكرى لا تفارقني كلما اشتعلت المنطقة. في عام 2003، ومع بدء الغزو الأمريكي للعراق، كنت في حوار تلفزيوني مع الأستاذ قينان الغامدي - رئيس تحرير صحيفة الوطن آنذاك - فسألته: هل صدّق الشارع الأمريكي السردية التي بُنيت لتبرير الحرب؟ أجابني: نعم، لأن الإعلام الأمريكي كان صادقاً مع جمهوره في قضاياه الداخلية، فوثق به الناس حتى في روايات الحرب الخارجية. وبعد سنوات، حين تبيّن زيف تلك الادعاءات الأمريكية، رسخت في ذهني حقيقة واحدة: الرواية الإعلامية قادرة على تشكيل قناعات الشعوب، حتى في قرارات الحروب.

وما يزيد المشهد خطورةً اليوم أن هذا الانجراف لا يقتصر على السرديات المعادية القادمة من خارج الحدود، فما استفزني للكتابة لم يكن سردية معادية، بل مذيع محترف على شاشة خليجية كبرى يستحث ضيوفه في الأيام الأولى من التصعيد بأسئلة تدور في فلك واحد: ماذا ننتظر؟ وأين الرد؟ فتساءلت: إذا تسلل الانجراف العاطفي إلى هذا المستوى من الاحترافية، فبأي حجم تعمل السرديات المعادية المصممة أصلاً لإشعال هذه النار؟

ضمن هذا السياق تحديداً، تُقرأ بعض السرديات المتعلقة باستهداف دول الخليج في هذه المرحلة، فروايات إعلامية جرى تداولها - كثيرٌ منها ثبت لاحقاً أنه غير دقيق أو جرى نفيه رسمياً - حاولت تصوير التطورات الراهنة وكأنها مسار يقود حتماً إلى مواجهة أوسع بين إيران ودول الخليج. وهذا التأطير لا يعكس قراءة موضوعية للمشهد؛ فدول الخليج تمثل ركناً أساسياً في الاقتصاد العالمي، خصوصاً في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب أمني فيها قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة ليطال الاقتصاد العالمي بأسره، ما يعكس إدراكاً للثقل الاستراتيجي للمنطقة والاهتمام العالمي باستقرارها.

كما أن دول الخليج تدرك جيداً خطورة الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، ولا تنطلي عليها محاولة تسويق سرديات تهدف إلى توسيع دائرة الصراع وإدخال أطراف جديدة فيه نشراً للفوضى وسعياً للضغط من أجل التعجيل بحلول دولية، لذلك تميل مقارباتها إلى إبعاد الخطر والحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد، مع التأكيد في الوقت ذاته على حماية أمنها وسيادتها ومصالحها الاستراتيجية والاستعداد لأي تطور في مسار الأحداث. وبرزت سردية خليجية واضحة تقوم على التأكيد أن الهجمات الإيرانية طالت مواقع مدنية ومنشآت حيوية، في حين أن دول الخليج لم تسمح باستخدام أراضيها لأي عمليات هجومية، بل سعت دبلوماسياً إلى منع الوصول إلى هذا المآل.

وبين سردية دول الخليج وسردية إيران وتوابعها بون شاسع كما هو الحال بين واقع الجانبين، فالنموذج الخليجي يُصدّر للعالم الاستثمار والبنية والفرص ويبني مدناً ذكية ويفتح أسواقه للشراكة، والمعركة الحقيقية لدول الخليج هي معركة التنمية والاستقرار وبناء المستقبل، وهي الرؤية التي عبّر عنها سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين تحدث عن شرق أوسط جديد يشبه أوروبا في ازدهاره وتكامله الاقتصادي.

أما النموذج الإيراني فأثبت على مدى عقود أنه لا يُجيد تصدير سوى الوكالات المسلحة وزعزعة الاستقرار. بين من يبني ومن يهدم، يبقى السؤال مشروعاً: أيّ النموذجين أجدر بالمستقبل؟

غير أن ثمة أملاً لا ينبغي إغفاله؛ فإذا كان الخليج يُصدّر للعالم نموذج التنمية والانفتاح، فالمأمول أن تدرك إيران في نهاية المطاف أن تصدير الأيديولوجيا بالنار والوكالات المسلحة لم يجلب لشعبها سوى العزلة والإنهاك. وربما كانت آلام هذه المرحلة بذرة مراجعة حقيقية؛ ولعل في نهاية هذه الحرب - التي نتمنى ألا يطول أمدها - فرصةً لإيران أن تضع يدها في يد المجتمع الدولي، وأن تختار مستقبلاً تبنيه على التعاون بدلاً من ماضٍ شيّدته على التدمير، فالمنطقة تتسع للجميع، لكنها لن تتحمل إلى الأبد من يُصرّ على إشعالها.

ومما لا شكّ فيه أن الحروب في عصرنا لم تعد تُدار في الميدان وحده؛ فهناك معركة موازية تدور في الإعلام والفضاء الرقمي، حيث تتنافس الروايات على تشكيل وعي الجمهور العالمي. وفي مثل هذه اللحظات تكون الحقيقة غالباً أول ضحايا الحرب. أما الوعي، فيبقى السلاح الأهم القادر على التمييز بين الخبر والرواية.. وبين الحقيقة والزيف. وهذا بالضبط ما تسعى دول الخليج إلى تجسيده: ألا تكون ضحية سردية مصنوعة، بل شريكة في قرار تبنّته بوعي وإرادة.

21:54 | 6-03-2026