قبل سنوات ليست بعيدة، كانت الترجمة الآلية تعني في أذهان كثيرين نصًا ندخله في برنامج فنحصل على نص آخر قد نفهم منه المعنى العام، ثم نعود إلى المترجم البشري إذا أردنا الدقة أو الأسلوب أو الاطمئنان إلى أن الرسالة وصلت كما ينبغي. اليوم تغيّر المشهد بصورة تكاد تجعل تلك المرحلة تبدو بعيدة أو كلاسيكية؛ إذ نستطيع اليوم أن نوجه كاميرا الهاتف إلى لوحة بلغة لا نعرفها فتظهر ترجمتها أمامنا، ونستمع إلى حديث بلغة أخرى فنحصل على ترجمة شبه فورية، ونرفع وثيقة كاملة إلى أحد نماذج الذكاء الاصطناعي فيترجمها، ثم نطلب منه أن يعيد صياغتها بلغة رسمية أو مبسطة أو حتى أدبية. وبهذا يمكن القول: لم تعد الآلة تتعامل مع النص وحده، بل أصبحت قادرة على التعامل مع الصوت والصورة والسياق معًا.


وأمام هذا التسارع يصبح السؤال مشروعًا: ماذا بقي للمترجم؟ قد يبدو السؤال لأول وهلة وكأنه إعلان مبكر عن نهاية مهنة وموت مترجم على غرار فلسفة «موت المؤلف» في النصوص الأدبية، لكنه في الحقيقة يقود إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا نعني أصلًا بالترجمة؟ فإذا كانت الترجمة مجرد استبدال كلمات بكلمات، أو نقل جمل من نظام لغوي إلى آخر، فقد قطعت الآلة بالفعل شوطًا هائلًا، وربما أصبحت في كثير من الاستخدامات اليومية أسرع من الإنسان، بل وأقل تكلفة وأكثر حضورًا. أما إذا كانت الترجمة نقلًا للمعنى في سياقه، وللقصد في مقامه، وللثقافة التي تقف خلف اللغة، فإن القضية أكثر تعقيدًا مما قد يُتصوّر.


الإنسان لا يتحدث بالكلمات وحدها؛ فنحن نقول شيئًا ونقصد أكثر أو أقل منه، وقد نقول الجملة نفسها فنقصد بها الترحيب مرة، والعتاب مرة، والسخرية مرة أخرى. ويدخل في فهم الخطاب عمر المتحدث والمخاطَب، والعلاقة بينهما، والمكانة الاجتماعية، والموقف الذي قيلت فيه العبارة، وما سبقها من حديث، وما يعرفه الطرفان ولا يحتاجان إلى قوله. ولذلك كله، قد تكون الجملة صحيحة نحويًا ودلاليًا، ثم تفشل مع ذلك في الوصول إلى المتلقي بالمعنى المقصود.


خذ مثلًا كلمة عربية بسيطة مثل «تفضل». قد تعني: ادخل، أو اجلس، أو ابدأ الحديث، أو تناول الطعام، أو خذ هذا الشيء، وقد تأتي في مقام من مقامات الاحترام والمجاملة لا يؤديه المقابل المعجمي وحده. وعبارة مثل «ما قصرت» قد تكون ثناءً صادقًا، وقد يتغير معناها ونبرتها باختلاف المقام والسياق لتتحول إلى لومٍ وعتاب. وكذلك عبارات الدعاء والتحية والاعتذار والمجاملة في العربية؛ فهي لا تحمل وظيفة لغوية فحسب، وإنما تتحرك داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والثقافية يفهمها أهل اللغة غالبًا من غير شرح.


ولعل موقفًا عابرًا في إحدى جلسات «مبادرة مستقبل الاستثمار» عام 2017 يختصر هذه المعضلة كلها. كان الياباني ماسايوشي سون، مؤسس «سوفت بنك»، يتحدث بحماس عن «نيوم»، فاستخدم كلمة Mecca بالمعنى المجازي الشائع في الإنجليزية؛ أي المكان الذي يتحول إلى مركز جذب يقصده الناس، وقال ما يفيد بأن السعودية لديها مكة، وستنشئ «مكتين» أخريين. أثارت العبارة دهشة الحضور، فتدخل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سريعًا، موضحًا بابتسامة أن المتحدث يقصد «مراكز جذب» جديدة، لا مكة المكرمة.


ولتفسير هذه الفجوة الثقافية نقول: لم يكن الإشكال هنا في الكلمة ذاتها؛ فهي مستخدمة بهذا المعنى المجازي في الإنجليزية، وإنما في المسافة الثقافية بين ما تعنيه للمتحدث وما تستدعيه فورًا في ذهن المتلقي العربي والمسلم من قداسة دينية ومكانة خاصة. فعندما يسمع السعودي كلمة «مكة»، يصعب عليه غالبًا فصلها عن مكة المكرمة وحرمتها وقداستها. ومن ثم فإن نقل العبارة حرفيًا إلى العربية، حتى لو كان «دقيقًا» من الناحية اللغوية، قد يكون مضللًا من الناحية التداولية؛ فالترجمة قد تنقل الكلمات كاملة، ومع ذلك تفقد المقصود، أو تضيف إليه معنى لم يرده صاحبه.


وتحضرني في هذا السياق قصة طريفة للزميل الدكتور خالد أبا الحسن، وهو من المترجمين المرموقين في المملكة. كان يعمل مترجمًا لأحد المسؤولين الذي اعتاد أن يتحدث بالإنجليزية ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، قبل أن يفاجئه في أحد المواقف ببيت الشعر المعروف: «لقد أسمعت لو ناديت حيًّا، ولكن لا حياة لمن تنادي»، طالبًا منه نقله إلى الإنجليزية. لم يبحث أبا الحسن عن مقابل شعري للبيت، ولم يتكلف ترجمة ألفاظه وصورته كلمة بكلمة، وإنما التقط المعنى الذي أراد المتحدث إيصاله، فقال ببساطة As if you were talking to the dead، وفي هذه العبارة القصيرة شيء من جوهر الترجمة نفسها؛ فقد تجاوز المترجم مبنى النص إلى معناه، ونقل إلى المتلقي ما أراد المتحدث قوله برشاقة ويسر؛ فالبيت يحمل وراء ألفاظه إرثًا أدبيًا وثقافيًا وصورة بلاغية قد لا يؤدي نقلها الحرفي إلى الإنجليزية الغرض نفسه، ولربما وصلت الكلمات ولم تصل الفكرة.


وتروى في عالم الترجمة الفورية قصة طريفة حدثت في سيؤول، تكشف وجهًا آخر لهذه المسألة. افتتح أحد المسؤولين كلمته بنكتة أراد بها كسر الجمود مع الحضور، لكن المترجم لم يجد سبيلًا مناسبًا لنقلها إلى الكورية بما يحفظ أثرها، فاختار حلًا غير مألوف؛ أخبر الجمهور، ببساطة، أن المتحدث قال لتوه نكتة، وأنه يتوقع منهم أن يضحكوا ويصفقوا. وما إن انتهى حتى ضجت القاعة بالضحك والتصفيق، إلى حد أثار دهشة المتحدث نفسه. لم يترجم المترجم كلمات النكتة، لكنه أدرك وظيفتها في ذلك المقام، فسعى إلى نقل أثرها بدل ألفاظها. وهي حكاية طريفة، لكنها تضع أيدينا على جوهر مهم في الترجمة: أن المطلوب أحيانًا ليس نقل ما قيل حرفيًا، بل فهم ومن ثم نقل المقصود الذي أراد المتحدث إيصاله.


هذه الأمثلة الثلاثة تكشف منطقة شديدة الحساسية في الترجمة لا تتعلق بالمعجم وحده، بل بالسياق والتداولية والمعرفة الثقافية المشتركة؛ فالسؤال لم يعد: ما معنى هذه الكلمة؟ بل: ماذا تعني هنا، وفي هذا المقام، ولهذا المتلقي تحديدًا؟ وقد يكون المترجم أمام كلمة أو عبارة لها مقابل مباشر في اللغة الأخرى، لكنه يدرك أن استخدام هذا المقابل كما هو قد يربك المتلقي، أو يثير دلالة لم تكن في ذهن المتحدث، أو ينقل معنى صحيحًا لغويًا لكنه غير مناسب ثقافيًا وتداوليًا.


والإنصاف يقتضي القول إن الذكاء الاصطناعي يتقدم في هذه المساحة أيضًا؛ فالنماذج اللغوية الكبيرة لم تعد قواميس إلكترونية ضخمة، بل أصبحت قادرة على التعامل مع سياقات طويلة، واستنتاج المقصود، واقتراح أكثر من ترجمة، وتفسير سبب اختيار تعبير دون آخر، بل والتعامل مع تعليمات من قبيل: «ترجم هذه العبارة بما يلائم جمهورًا سعوديًا أو جمهورًا فرنسيًا أو أمريكيًا» أو «حافظ على درجة الرسمية الموجودة في النص الأصلي». وقد أحدث ذلك تحولًا حقيقيًا في الترجمة، ولا يبدو من الواقعي التعامل معه، باعتباره موجة عابرة ستترك المهنة كما كانت.


لكن اللافت أن البحث العلمي نفسه، على الرغم من الاعتراف بهذا التقدم، بدأ يكشف حدودًا أدق مما كنا نبحث عنه في الأجيال السابقة من الترجمة الآلية. ففي دراسة منشورة هذا العام ضمن المؤتمر السنوي لجمعية اللسانيات الحاسوبية ACL 2026، اختبر الباحثون عددًا من النماذج اللغوية وأنظمة الترجمة في مواقف تتطلب وعيًا بعناصر خاصة بالثقافة، وأظهرت النتائج تفاوتًا بين النماذج، والأهم أنها كشفت عن فجوة مستمرة بين قدرة النموذج على التعرف على المعرفة الثقافية وبين قدرته على توظيفها بصورة صحيحة داخل الترجمة. بمعنى آخر: قد يعرف النموذج العنصر الثقافي، لكن معرفته به لا تضمن دائمًا أن يترجمه بالطريقة الأنسب للسياق.


وتصبح المسألة أكثر دلالة عندما نقترب من العربية نفسها. فقد تناولت دراسة أخرى منشورة في ACL 2026 قدرات النماذج في التعامل مع العربية الفصحى واللهجات، وأظهرت استمرار الفجوة في الأداء بينهما، مع ضعف نسبي في عدد من المهام التي تتعامل مع اللهجات مقارنة بالفصحى. وهذه ملاحظة ذات أهمية خاصة؛ لأن اللغة المتداولة في الناس يوميًا، ليست بالضرورة اللغة المعيارية الموجودة في الكتب، لأن كثيرًا من المعاني الاجتماعية والثقافية تظهر تحديدًا في اللهجات، وفي طرائق التخاطب المحلية، وفي العبارات التي لا يُفهم معناها الحقيقي من ألفاظها منفردة.


ولا يعني ذلك أن الإنسان سيحتفظ إلى الأبد بكل ما كان يؤديه من مهام. الأقرب إلى الواقع أن أعمالًا كثيرة ستنتقل إلى الآلة، وأن قيمة بعض الأعمال الترجمية الروتينية ستتراجع، وأن المسودة الأولى في حالات كثيرة ستصبح عملًا تنتجه التقنية في ثوانٍ. لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء المترجم بقدر ما يعني إعادة تعريف دوره، وانتقاله من القيام بكل مراحل العمل بنفسه إلى أداء أدوار أكثر تعقيدًا تتعلق بالمراجعة والتحكيم واتخاذ القرار اللغوي والثقافي.


قد يصبح المترجم أقل انشغالًا بإنتاج كل كلمة من الصفر، وأكثر انشغالًا بالتحكيم بين البدائل، والتدقيق في المعنى، وضبط المصطلحات، ومراجعة الأخطاء، والتوطين الثقافي، وتكييف الرسالة مع الجمهور، وإدارة أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها. وبذلك لا يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى المترجم الجيد، بقدر ما يرفع سقف ما نعنيه بالمترجم الجيد. فمعرفة لغتين وحدها لن تكون ميزة كافية في سوق يستطيع فيه الجميع الوصول إلى مترجم آلي؛ أما فهم اللغتين وثقافتهما، والقدرة على التمييز بين صحة العبارة لغويًا وملاءمتها ثقافيًا وتداوليًا، فستزداد قيمته مع اتساع حضور الترجمة الآلية. وأعرف شخصيًا عددًا من المترجمين السعوديين الذين اكتسبوا معرفة عميقة بالثقافة الإنجليزية والأمريكية، سواء من خلال العيش والدراسة هناك، أو عبر سنوات طويلة من المتابعة والاحتكاك بالمحتوى الثقافي والإعلامي، حتى أصبحوا يلتقطون الكثير من الإشارات والدلالات الثقافية الدقيقة.


ومن هنا تكتسب الأسئلة التي يطرحها مؤتمر جمعية الترجمة الأول، الذي تستضيفه كلية اللغات وعلومها بجامعة الملك سعود بالشراكة مع جمعية الترجمة السعودية، المنعقد يومي 30 سبتمبر و1 أكتوبر 2026، وتحت شعار «الترجمة في عالم يتحول»، أهمية خاصة. فاللافت في برنامج المؤتمر أن الذكاء الاصطناعي لا يظهر بوصفه موضوعًا إضافيًا على هامش الترجمة، بل بوصفه تحولًا يعيد تشكيل المهنة نفسها؛ إذ تتناول جلساته وورش العمل النماذج اللغوية الكبيرة، والترجمة الذكية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهندسة الأوامر، والأتمتة، وبناء منظومات العمل الترجمية الجديدة.


ولعل أهمية هذا التوجه لا تكمن فقط في مواكبة تقنية جديدة، بل في طرح السؤال الذي ينبغي أن تنشغل به كليات اللغات والترجمة اليوم: كيف نعد مترجمًا لعالم أصبحت فيه الآلة شريكًا دائمًا في عمله؟ وما المهارات التي ينبغي أن نضيفها إلى برامج إعداد المترجمين حين يصبح إنتاج ترجمة أولية جيدة أمرًا متاحًا في ثوانٍ؟ فالتحدي لم يعد في تعليم الطالب كيف يترجم النص وحده، بل في تعليمه أيضًا كيف يقيّم ترجمة الآلة، ومتى يثق بها، ومتى يشك فيها، وكيف يكتشف ما قد يسقط منها من معنى أو مقام أو حساسية ثقافية.


وقد يحتاج طالب الترجمة في السنوات القادمة، إلى جانب الكفاية المتقدمة في اللغتين، إلى معرفة أكبر بالتقنيات اللغوية والنماذج الكبيرة، والتحرير اللاحق، والتوطين، وإدارة المصطلحات، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي. وسيحتاج في الوقت نفسه إلى ما لا تمنحه التقنية بسهولة: المعرفة العميقة بثقافة اللغتين، والحس اللغوي والتداولي الذي يمكنه من ملاحظة الفرق بين ترجمة صحيحة من حيث الكلمات، وترجمة مناسبة من حيث المتلقي.


ولعل هذا هو التحوّل الحقيقي الذي يستحق أن نتأمله؛ ففي كل مرة تتقن فيها التقنية مهمة اعتدنا أن نعدها حكرًا على الإنسان لا يختفي دور الإنسان بالضرورة، بل ينتقل إلى مستوى أعلى من المهمة؛ فعندما أصبحت الآلة قادرة على الحساب لم تنته الرياضيات، وعندما أصبحت قادرة على البحث في ملايين الوثائق لم تنته الحاجة إلى الباحث. وكذلك قد يكون مستقبل الترجمة؛ تقل قيمة النقل الميكانيكي للكلمات، بينما تزداد قيمة الحكم البشري على المعنى والسياق والثقافة.


وختامًا، ربما لن يكون مستقبل الترجمة إذن معركة بين الإنسان والآلة، بل إعادة توزيع للأدوار بينهما. تستطيع الآلة أن تمنحنا السرعة، وأن تعالج أحجامًا هائلة من النصوص، وأن تقترح في ثوانٍ ما كان يستغرق ساعات، لكن ستظل هناك لحظة نحتاج فيها إلى من يسأل: هل قال النص المترجم فعلًا ما أراد صاحبه أن يقوله؟ وهل سيفهمه المتلقي كما ينبغي؟ وهل وصلت الكلمات وحدها، أم وصل معها العالم الثقافي والاجتماعي الذي جاءت منه؟ وعندئذ لن تصبح قيمة المترجم في نقل الكلمات فحسب، بل في قدرته على نقل الثقافة التي تقف خلفها؛ فحين تصبح ترجمة الكلمات متاحة للجميع، قد تصبح ترجمة الثقافة وفهم المقام والحكم على ملاءمة المعنى هي المهارة الأندر والأغلى.