لمّا كان من العصيّ الإحاطة المستوفية بكلّ ما جاء من مضامين سامية طيَّ «الخطاب الملكي»؛ الذي ألقاه سمو ولي العهد الأمين، نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين، حفظهما الله، في مفتتح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشّورى، وكأنه قد حقّق المثل العربي السيّار «كل الصيد في جوف الفَرا»، أصدق تحقيق؛ ولذا فلا سبيل أمام أيّ متناول لهذا الخطاب سوى الأخذ خطفاً، والنّظر العام، والإشراق بومضات بارقات، تعطي لمحاً، وتتشرف سناً بالتعليق على محتوى هذا الخطاب الجامع، وذلك كفاء ما حمله في مجمله من مضامين سامية، أكدت على تعزيز كفاءة أجهزة الدولة، وضمان الاستخدام الأمثل لمواردها، بما يضمن استدامتها، وتحقيق المكتسبات الوطنية للأجيال القادمة.

وهو قول لا يرسل في لحظة انفعال عاطفي، بل على التحقيق، بما تؤكّده الشواهد الماثلة، وتضبطه المؤشرات، وتنبئ عنه الأرقام المبذولة بكل شفافية وحياد.

تكفي من ذلك الإشارة الوضيئة في الخطاب، حيث قال سموه «عشر سنوات حافلة من رؤية 2030، حقّقت فيها مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات الرؤية (93%) من مستهدفاتها، بفضل الله؛ ثم أداء وكفاءة المواطنين والمواطنات الذين كانوا أصل كل نجاح.. سجلت الصادرات غير النفطية نمواً بنسبة (155%) مقارنة بعام 2016م، في انعكاس لتنامي حضور منتجات هذا القطاع، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى (51%)، وأثبتت منظومة النقل والخدمات اللوجستية قدرتها على التعامل مع المتغيّرات في سلاسل الإمداد، والمحافظة على انسيابية حركة السلع والخدمات».

إن في هذه الإشارة ما يغني اللبيب، ويطمئن المواطن -فوق ما هو مطمئن- إلى رشد هذه القيادة، وسلامة أدائها المنضبط نحو تحقيق الغايات، وبلوغ الآفاق التي تتغياها «الرؤية»، وتتطلّع إليها.

وإني منفلت منها إلى إشارة عميقة، ظلت مصدر اهتمامي وتركيزي في العديد من المقالات التي بثثتها في هذه الزاوية، والمتعلقة بتركيز «الرؤية» على المواطن من خلال منظومة «جودة الحياة»، والاهتمام بصحته، بجانب إيلاء التعليم الاهتمام والنصيب الأوفر، لقناعتي أن استشعار المواطن بالأمان في حياته، والطمأنينة والرفاهية في عيشه، كفيلان بدفعه نحو بذل أقصى ما يمتلك من طاقة من أجل رفعة وطنه، وسمو شأنه، وهو ما يعمّق مفهوم الوطنية، ويزيد من لُحمتها ويرسّخ مفاهيم الولاء للقيادة، والارتباط بها، والذّود عنها وعن حمى الوطن..

أما فيما يتصل بالتعليم فلا شكّ أن أيّ دولة لن تبلغ ما تصبو إليه من رفعة وشأوٍ منيف، ما لم تستند إلى منظومة تعليمية ذات أهداف واضحة، وإستراتيجيات جلية، آخذة بكل أسباب التطور، وعاملة بكل محركات التعليم الحديث، المفضي إلى التطور المطلوب، والمواكبة التي تضع المملكة حيث ينبغي في مصاف الدول المتقدمة، بغض النظر عن التصنيفات الكلاسيكية المتوارثة.

وهو عين ما فعلته المملكة منذ انبلاج فجر «الرؤية»، وكان من ثمرة ذلك النجاحات الكبيرة التي حققها قطاع التعليم في المحافل الكبرى، ومواكبته لمتطلبات سوق العمل، اتساقاً مع إقرار نظام التعليم العام، الذي جاء لتحقيق طموحات ترفع جودة التعليم إلى مرتبة متقدمة عالمياً، بما يعكس نهج المملكة الراسخ في جعل جودة التعليم والتدريب أولوية وطنية، وركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات «الرؤية»، وهو ما أفصح عنه الخطاب الملكي بقول سمو ولي العهد الأمين «إن الهدف الأساس لكل ما تقوم به الدولة، هو رفعة الوطن وازدهاره وتحسين جودة الحياة فيه، ويتصدر قطاعا التعليم والصحة اهتمامنا المستمر، ولهما الأولوية في ميزانية الدولة، وجاء قرار نظام التعليم العام ليحقق طموحات ترفع جودة التعليم إلى مرتبة متقدمة عالمياً، ويقطع التحول الصحي أشواطاً متسارعة، لتكون الخدمة الصحية في أعلى درجاتها ومتوفرة بتغطية شاملة للمواطنين».

إن هذا التوجّه السديد لمنظومة التعليم، يضعها بلا شك في المسار الذي يضمن لها مستقبلاً مشرقاً وواعداً بالخير، وثمرة ذلك يمكن أن نقرأها في مرآة المجالات التي تقدمت فيها المملكة وحققت الريادة العالمية، فقد حمل الخطاب الملكي البشارة في ذلك بالقول «إن المملكة تتقدّم عالمياً في الكثير من المؤشرات؛ منها المرتبة الأولى في مؤشر الجاهزية الرقمية، ومؤشر تنمية الاتصالات والتقنية ومؤشر الأمن السيبراني، والمرتبة الثانية في مؤشر نضج الحكومات الرقمية، كما دخلت قائمة الدول العشر الأكبر جاذبية للاستثمار التعديني».

كل هذه المساقات التي أحرزت المملكة فيها التقدم وحازت قصب السبق عالمياً ثمرات يانعات من قطاف «الرؤية»، وهي تمضي بالوطن إلى مراقٍ سامقة وعالية، في خطوات متسارعة، ما إن تبلغ هدفاً حتى تجعل نجاحاته مرتكزاً وقاعدة لانطلاق جديد، ودالة ذلك قول ولي العهد، محمد الخير «لقد أسمينا عام 2026م بعام «الذكاء الاصطناعي» تأكيداً لحرصنا على أن تكون المملكة رائدةً عالمياً، في تطوير التطبيقات وحلول الذكاء الاصطناعي، واستثمارها لزيادة الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وتدريب الكفاءات السعودية».

إن لهذه التسمية دلالتها المهمة، وتوقعاتها الإيجابية، فنحن أمام انطلاقة جديدة، وتوجّه تقني باذخ، يضع المنظومة التعليمية في كل مراحلها أمام تحديات كبيرة، للإيفاء بمتطلبات التقدم، وتحقيق أقصى ما يمكن لتحريك عقول الناشئة من أبناء وبنات الوطن للابتكار والمواكبة، مستذكرين في كل لحظة هذه الكلمات المضيئات التي صدح بها ولي العهد في الخطاب الملكي

«نعمل على الاستثمار في رأس المال البشري، بما يسهم في تعظيم فرص دخول المواطنين إلى سوق العمل، ويتيح لهم المنافسة والتميز في جميع المجالات، ليكونوا القوة المحركة للتنمية».

يقول الخطاب الملكي الكريم باختصار إن السعودية لا تتعامل مع المستقبل باعتباره مجهولاً تنتظره، بل باعتباره مجالاً تصنع أدواته اليوم بما يتوافق مع رؤية القيادة السعودية الطموحة نحو جعل المملكة قوة عالمية متكاملة ومؤثرة.

وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.