أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1919.jpg?v=1788197211&w=220&q=100&f=webp

حسن الشمراني

من مضمار الهجن إلى عوالم ليب: صورة السعودية الجديدة

قبل نحو عامين، كنت برفقة مجموعة من متعلمي اللغة العربية في المملكة، ينتمون إلى نحو ثمانٍ وأربعين جنسية؛ لزيارة إحدى الفعاليات التي تتيح لهم التعرف عن قرب إلى المجتمع السعودي وثقافته. كانت الوجهة يومها سباقاً للهجن في الرياض؛ الصحراء، والبعير، والخيمة، مشهدٌ ربما لم يكن بعيداً عن الصورة النمطية المختزلة، التي حملها بعضهم عن المملكة قبل أن يعيش فيها.


وبعد فترة وجيزة، كان المتعلمون أنفسهم على موعد مع مشهد آخر في الرياض: ملتقى LEAP، حيث الذكاء الاصطناعي والروبوتات والشركات التقنية والمبتكرون القادمون من أنحاء العالم. صورتان عاشهما الوافدون أنفسهم، في المدينة نفسها، وفي الدولة نفسها: إحداهما تمتد عميقاً في الموروث والأصالة، والأخرى تطل على أحدث ما يصنع من تقنيات في عالم رقمي متسارع.


ولعل الأجمل أن الصورة الأولى لم تختفِ لكي تظهر الثانية؛ فهذه بلادٌ تستطيع أن تحمل إرثها معها وهي تتقدم إلى المستقبل؛ فلا الخيمة نقيض لمركز البيانات، ولا الهجن نقيض للذكاء الاصطناعي، ولا الاعتزاز بالهوية يتعارض مع بناء اقتصاد رقمي عالمي. أسوق هذه الذكرى ونحن نعيش هذه الأيام النسخة الخامسة من ملتقى LEAP في الرياض؛ لأن ما يجري فيه لا أراه مجرد مؤتمر تقني آخر، ولا مجرد معرض للشركات والمنتجات فحسب، بقدر ما أراه مشهداً مكثفاً للتحول الذي تعيشه المملكة نفسها.


فالحدث الذي بدأ قبل سنوات قليلة أصبح اليوم يجمع في الرياض أكثر من مئتي ألف زائر، ونحو ألف متحدث، وأكثر من 1900 مستثمر، ومئات الشركات الناشئة، ونحو 1800 علامة تقنية عالمية. غير أن قيمة هذه الأرقام، في تقديري، لا تكمن في ضخامتها وحدها، بل فيما تقوله عن المكان الذي أصبحت تحتله الرياض على خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي؛ فالسؤال الأهم لم يعد: كم بلغ عدد الجهات والأفراد الذين شاركوا في ليب؟ بل: ما الذي جعل كل هؤلاء يأتون إلى الرياض؟ ولماذا أصبحت الرياض مهمة لهم؟


ربما نجد جانباً من الإجابة في التحول الذي تشهده المملكة نفسها؛ فالاقتصاد الرقمي السعودي نما، وفق الأرقام المعلنة في الملتقى، من نحو 118 مليار دولار إلى قرابة 199 ملياراً منذ انطلاق LEAP، فيما تجاوزت الاستثمارات والشراكات التقنية المعلنة في نسخة هذا العام 15 مليار دولار. وهذه ليست أرقاماً مهمة لمجرد ضخامتها فحسب، بل لأنها تتجه إلى مجالات ستحدد جانباً كبيراً من اقتصاد المستقبل: الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الرقمية. وحين تتحرك الاستثمارات بهذا الحجم، فنحن لا نتحدث عن احتفاء بالتقنية بقدر ما نتحدث عن اقتصاد يعيد بناء جزء من قدراته حولها.


ومن هنا يمكن أيضاً فهم حضور أسماء من الصف الأول في صناعة التقنية العالمية؛ من ليزا سو، الرئيسة التنفيذية لـAMD، إلى تشاك روبنز، الرئيس التنفيذي لـCisco، وأندرو فيلدمان، الرئيس التنفيذي لـCerebras، وجاستن هوتارد، الرئيس التنفيذي لـNokia، إلى جانب قيادات سعودية في مقدمتها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله السواحة، والرئيس التنفيذي لـHUMAIN طارق أمين. وليست القضية في استعراض الأسماء هنا، على أهميتها، وإنما في دلالة اجتماعها هنا؛ فالشركات العالمية الكبرى ورؤوس الأموال لا تنتقل من قارة إلى أخرى من أجل صورة تذكارية في مؤتمر، بل تتحرك حيث ترى سوقاً وفرصة وبنية تحتية وطموحاً قابلاً للتحول إلى أعمال.


ومن ثَمّ، في تقديري، يكمن أحد التحولات المهمة في قصة المملكة مع التقنية. لقد اعتادت منطقتنا طويلاً أن تكون سوقاً لما ينتجه الآخرون، أما ما يتشكل اليوم فهو طموح إلى موقع مختلف: أن نستثمر في التقنية، ونبني بنيتها التحتية، ونستقطب صناعاتها وعقولها، ونشارك في تطويرها. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، الشراكات المعلنة في LEAP بين HUMAIN وشركات عالمية مثل AWS وAMD وQualcomm، وما يصاحبها من استثمارات في الحوسبة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ليست سوى شواهد على هذا الاتجاه. هذه لم تعد دولة تستضيف المستقبل؛ بل أصبحت طرفاً وركناً شديداً في صناعته.


وليس هذا التحول منفصلاً عن المشروع الأكبر الذي تعيشه المملكة منذ انطلاق رؤية السعودية 2030، بقيادة عرّابها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ فالرؤية منذ بدايتها لم تكن برنامجاً للإصلاح الاقتصادي فحسب، بل مشروعاً لإعادة صياغة موقع المملكة وطموحها في العالم، وتنويع اقتصادها، والاستثمار في الإنسان والتقنية وصناعات المستقبل. ومن هذه الزاوية يبدو LEAP واحداً من المشاهد التي تتجسد فيها الرؤية أمامنا: الرياض لا تستقبل العالم فحسب، بل تستقطب استثماراته وعقوله وتقنياته، وتقدم نفسها بوصفها شريكاً في تشكيل ما هو قادم.


ولعل أكثر ما استوقفني في هذا المشهد إعلان يبدو، للوهلة الأولى، أقل صخباً من مليارات الدولارات ومراكز البيانات، لكنه يحمل دلالة ثقافية وتقنية عميقة. فقد أطلقت HUMAIN نموذجها اللغوي العربي M3، المدرب على أكثر من تريليون رمز نصي عربي، وإلى جانبه منصة HUMAIN Voice للمحادثة الصوتية، المصممة للتعامل مع لهجات عربية متعددة، من بينها السعودية والمصرية والشامية والمغاربية.


وليس اهتمامي بهذا الإعلان نابعاً من اللغة وحدها، بل مما يمثله مثل هذا التوجه؛ ففي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد اللغة قضية ثقافية وتعليمية فحسب؛ بل أصبحت بيانات ونماذج ومنصات ومنتجات واقتصاداً. وحين تستطيع التقنيات التي نبنيها أن تفهم العربية، وأن تنصت إلى تنوع أصواتها ولهجاتها، فإننا لا ندخل العصر الرقمي بأجهزتنا واستثماراتنا، وإنما ندخله بشيء من هويتنا أيضاً. فالمملكة لا تريد أن تشارك في صناعة المستقبل فحسب، بل أن يكون للعربية صوتٌ فيه أيضاً.


وللمشهد هنا مفارقة جميلة تعيدني إلى أول المقال. أولئك المتعلمون الذين جاءوا من ثمانٍ وأربعين جنسية ليتعلموا العربية، وشاهدوا في إحدى تجاربهم الإبل والخيمة والصحراء، انتقلوا بعد ذلك إلى LEAP ليروا الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الجديدة. وبعد عامين تقريباً، نرى في LEAP نفسه الذكاء الاصطناعي يتجه إلى العربية ولهجاتها. وكأن اللغة والثقافة والتقنية، التي بدت في البداية عوالم متباعدة، تلتقي اليوم في «عوالم جديدة»؛ عوالم لا تفصل بين الهوية والتقنية، ولا بين اللغة والمستقبل، بل تجمعها في مشهد واحد. ولعل في ذلك شيئاً من المعنى الأعمق لشعار LEAP هذا العام: «إلى عوالم جديدة».


وليس LEAP بالطبع قصة التحول الرقمي السعودي كلها؛ بل ربما تكون أهميته أنه يمنحنا نافذة مكثفة نرى من خلالها قصة أكبر تجري خارجه. فالتقنية أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في المملكة، ومن الخدمات الحكومية والأعمال والتعليم والصحة والاستثمار. والمواطن والمقيم لا يحتاجان اليوم إلى دخول قاعات المؤتمر كي يلمسا هذا التحول؛ فالهاتف الذي في اليد أصبح بوابة إلى خدمات كانت قبل سنوات تحتاج إلى وقت ومكان وإجراءات طويلة، وطوابير وملف علاقي وصورة أربعة في ستة! وهنا ينتقل التحول الرقمي من الخطط والإستراتيجيات إلى تجربة يعيشها الإنسان في يومه العادي، كأحد تمظهرات الرؤية التي وضعت جودة الحياة في قائمة أولوياتها.


ولهذا لا تقاس أهمية LEAP، في رأيي، بعدد زواره وحده، ولا بحجم الصفقات التي تعلن تحت أضوائه، على أهمية ذلك كله؛ فالقيمة الأبعد تتمثل فيما تفتحه هذه الشراكات والاستثمارات من آفاق لبناء المعرفة، واستقطاب الخبرات، وتطوير القدرات المحلية، وخلق الوظائف والصناعات الجديدة. وحين تصبح الرياض مكاناً تُعقد فيه الشراكات، وتتحرك فيه رؤوس الأموال، وتلتقي فيه العقول، ثم تمتد آثار ذلك إلى مشروعات ومنتجات ومراكز بيانات وقدرات وطنية، فإننا أمام منظومة تتجاوز نجاح المؤتمر إلى ما يصنعه من أثر. وما نشاهده اليوم يمنحنا أسباباً كثيرة للتفاؤل بأن هذه الاستثمارات ليست إلا فصولاً جديدة في مسار رقمي وتقني أخذ يتسع عاماً بعد عام.


وربما لهذا يبدو شعار LEAP هذا العام «إلى عوالم جديدة» أوسع من أن يكون شعاراً لمؤتمر؛ فالمملكة نفسها تعبر إلى عوالم جديدة في الاقتصاد والتقنية والسياحة والثقافة ونمط الحياة، لكنها تفعل ذلك من دون أن ترى في المستقبل خصماً للماضي، أو في المعاصرة قطيعة مع الهوية. وهذه، في ظني، واحدة من أجمل سمات التحول السعودي: أن يتغير المكان ويتطور، دون أن يفقد ذاكرته.


وأعود في النهاية إلى أولئك المتعلمين القادمين من ثمانٍ وأربعين جنسية. لم يكونوا بحاجة إلى محاضرة طويلة نشرح لهم فيها التحول الذي تعيشه المملكة؛ فقد عاشوا شيئاً منه بأنفسهم. رأوا الإبل والصحراء والخيمة، ثم رأوا في المدينة نفسها الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأحدث التقنيات التي تتنافس عليها شركات العالم. ولم تكن إحدى الصورتين أكثر صدقاً من الأخرى؛ فكلتاهما السعودية.


وما عاشه أولئك المتعلمون في تجربتهم يراه اليوم القادمون إلى LEAP من مختلف أنحاء العالم؛ فهم لا يعيشون المؤتمر في فراغ، وإنما يعيشون الرياض أيضاً؛ مدينة تحتضن واحداً من أكبر التجمعات التقنية، وفي طرف آخر منها تقف الدرعية سامقة، شاهدة على جذور الدولة السعودية، ويقف المصمك شامخاً، شاهداً على قصة التوحيد والبدايات «يوم بدينا». وبين هذا وذاك مدينة تتغير أمام أعينهم، وتعيد تقديم نفسها للعالم دون أن تتنكر لذاكرتها.


ولعل هذه هي الصورة التي تستحق أن يحملها العالم عن السعودية الجديدة: ليست بلاداً استبدلت الصحراء بمراكز البيانات، ولا الهجن بالروبوتات، ولا التاريخ بالمستقبل؛ بل بلاد وسعت صورتها لتتسع لكل ذلك. دولةٌ تستطيع أن تنظر بثقة إلى جذورها، وبالثقة نفسها إلى المستقبل؛ وأن تقول للعالم إن الأصالة والمعاصرة ليستا طريقين متعاكسين، وإن الهوية والطموح يمكن أن يسيرا معاً. من مضمار الهجن إلى عوالم LEAP، ومن الدرعية والمصمك إلى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي؛ تتعدد المشاهد والصور، لكن الحكاية واحدة: هذه هي السعودية التي تحمل تاريخها معها وهي تمضي بهمة طويق والسروات وأجا وسلمى وشدا.. بأحلام وطموح قادتها إلى المستقبل.

منذ ساعتين