حديث الشارع الرياضي الخليجي، وربما تشاركه بعض شعوب الدول التي تتابع معنا هذه الأيام خليجي 27، المقامة حالياً بضيافة المملكة العربية السعودية، الإعجاب الشديد بهذه البطولة التي تجاوز عمرها نصف قرن، بما حققته من أهداف ومكتسبات تتجاوز حدود المنافسة الكروية وحسابات الفوز والخسارة.
- هذا الإعجاب، بكل ما يحمله من احترام وتقدير، إذا ما نظرنا إليه من منظور أعمق، يقودنا إلى رمزية أهداف كبيرة تحققت عبر مسيرة البطولة، وأسهمت في تحويل الروابط التاريخية والجغرافية بين أبناء المنطقة إلى واقع ملموس من التواصل والتقارب، وتعزيز روح الأخوة والتعاون بين شعوب دول الخليج.
- إن بطولة الخليج، بما تحمله من إرث رياضي وجماهيري، أصبحت إحدى المناسبات التي يمكن استثمارها في تعزيز هذه الروابط وتجديد معاني الأخوة والتقارب بين أبناء المنطقة. فلم تعد مجرد بطولة تتنافس فيها المنتخبات على كأس، وإنما تحولت إلى لقاء خليجي دوري تتجدد فيه مشاعر المحبة والتواصل، وتظهر فيه روح الأسرة الواحدة، وتتقارب من خلاله الشعوب، لتتجاوز وحدة الجغرافيا والتاريخ إلى ما هو أعمق من ذلك، وهو الإحساس بوحدة المصير.
- ولعل من أبرز ما أسهمت البطولة في تحقيقه، ذلك التقارب بين شعوب الخليج، حيث أصبحت كرة القدم وسيلة للتواصل والتعارف بين أبناء المنطقة، وتعزيز الروابط الأخوية التي تتجاوز حدود المنافسة الرياضية. كما أسهمت في تطوير كرة القدم الخليجية من خلال توفير منافسات منتظمة منحت المنتخبات واللاعبين فرصاً للاحتكاك واكتساب الخبرة، وساعدت على اكتشاف المواهب وبروز نجوم أصبحوا علامات بارزة في تاريخ الكرة الخليجية.
- ولم يتوقف أثرها عند الجانب الفني، بل أسهم استمرارها على مدى أكثر من نصف قرن في ترسيخ لقاء خليجي دوري تتوارثه الأجيال، وتحول إلى مناسبة رياضية واجتماعية تتجدد فيها مظاهر الأخوة والاحتفاء بالضيف والمضيف، وتتشكل من خلالها ذاكرة رياضية مشتركة. كما عززت روح التنافس الرياضي الشريف بين المنتخبات، بما يقوم عليه من طموح وإنجاز واحترام للمنافس، ومنحت الجماهير مناسبة جامعة تتكرر، فتتجدد معها الذكريات والعلاقات واللقاءات.
- وحينما يعود بنا الزمن إلى فكرة طرحها الأمير خالد الفيصل، وتبلورت عبر جهود رياضية خليجية، نستطيع أن ندرك كيف تحولت الفكرة إلى واقع، وأصبحت البطولة تجمعاً رياضياً متواصلاً لدول المنطقة، يتجدد كلما حان موعدها، وتنتقل ذكرياتها من جيل إلى جيل.
- ومن هنا، فإن قيمة خليجي لا تقاس فقط بعدد البطولات التي حققها هذا المنتخب أو ذاك، ولا بعدد الأهداف والنجوم والمباريات، وإنما بما تركته طوال مسيرتها من أثر في نفوس أبناء الخليج، وما أسهمت فيه من تعزيز التواصل والتقارب، وما صنعته من ذاكرة رياضية واجتماعية مشتركة.
- وربما تكمن هذه القيمة الأهم التي ينبغي أن نستحضرها ونحن نعيش خليجي 27 في المملكة العربية السعودية؛ في أن الرياضة ليست دائماً غاية في حد ذاتها، وإنما يمكن أن تكون وسيلة تجمع الشعوب، وتقرّب المسافات، وتجدد الروابط، وتؤكد أن ما يجمع أبناء الخليج أكبر من نتيجة مباراة وأبعد من كأس بطولة، فمن وحدة الجغرافيا والتاريخ، إلى وحدة المصير.


