لا تقولوا لي إن نجاح بطولة الخليج، منذ انطلاقتها عام 1971 وحتى يومنا هذا، يعود في المقام الأول إلى ما تزخر به من نجوم، وما تتميز به من منافسات قوية بين منتخباتها، وأن ذلك هو ما أسهم في استمراريتها، وما تحظى به من توهج واهتمام جماهيري، ومتابعة وحضور لمبارياتها؛ فهذا الرأي، مع احترامي له، أرى أنه لا يمثل الحقيقة كاملة، ولا يعكس ما شهدته البطولة على أرض الواقع طوال أكثر من خمسة عقود.


- لا أنكر الدور المشروع والكبير لمن أسهموا في نشأة فكرتها، واهتموا بها ودعموها على مستوى قيادات دول الخليج، ولن أتجاهل تلك البدايات التي كان فيها الشغف الكروي لدى الجماهير الخليجية محصوراً في متابعة بطولات أنديتها المحلية، في وقت كانت فيه المشاركات الخارجية للأندية والمنتخبات الخليجية محدودة ولا تكاد تُذكر.


- وبسبب هذا الشغف، لم يكن أمام الجماهير الخليجية سوى هذه البطولة، فكانت تحضر مبارياتها بكثافة في الملاعب، وتتابعها تلفزيونياً، في زمن كانت فيه الصورة بالأبيض والأسود، ولا يمكن التمييز بسهولة بين ألوان قمصان اللاعبين.


- ومن الطبيعي أن يكون لكل جديد نكهته الخاصة ولهفة الشوق إليه، خصوصاً عندما يأتي بعد انتظار سنوات؛ ولذلك كانت الفرحة كبيرة بهذه البطولة البكر، والاستمتاع بمنافساتها، والافتخار والتباهي بنجومها.


- والأهم من ذلك كله، أن دول الخليج أصبحت أمام مناسبة رياضية تجمع أبناءها، وتسهم من خلال الاحتكاك والمنافسة في رفع مستوى كرة القدم الخليجية بصفة عامة، وهي كرة كانت آنذاك لا تزال «تحبو» كطفل لم يشتد عوده، ولم يكن لها الحضور القاري والدولي الذي نراه اليوم. وهذا، ولله الحمد، ما تحقق مع مرور السنوات.


- هذا الاعتراف، بما يحمله من مدلولات، لا يلغي أيضاً الدور الإعلامي الذي لعب دوراً مؤثراً في دعم أهداف هذه البطولة والمساهمة في نجاحها، عبر الإعلام الورقي، وأعني به الصحافة الرياضية، بما كانت تقدمه من تغطية شاملة تشمل تحليلات فنية، وآراء نقدية صاخبة، وتصريحات صحفية مثيرة جداً للمسؤولين ورؤساء الوفود وأحداث بالصورة والكلمة.


- وهذه التصريحات النارية وحدها كانت «قصة» من أهم وأجمل القصص التي لا يمكن أن تنساها ذاكرة أي خليجي من أجيال كانت تحرص، مع الصباح الباكر، على انتظار صدور الصحف وشرائها، للاطلاع على تلك التصريحات النارية المعروفة في الساحة الرياضية الخليجية، وما يصاحبها من مناكفات ومناظرات ومناوشات بين النقاد.


- وبعد تلك المرحلة «الممتعة» والمثيرة صحفياً، التي كان أكثر ما يميزها ويشعلها خارج الملعب أكثر من داخله هو التصريحات «النارية»، جاءت مرحلة البرامج الرياضية، ولها قصة أخرى مع مقدميها وضيوفها من كبار النقاد والصحفيين، والرياضيين الممارسين لكرة القدم، والنجوم الذين شاركوا في هذه البطولة، أو اللاعبين العرب الذين كانت لهم تجارب احترافية في الأندية الخليجية.


- فما إن تنتهي مباراة من مباريات هذه البطولة، حتى تجد المشاهدين، بمختلف أطيافهم وميولهم الكروية، «متسمّرين» أمام الشاشات، يتابعون ويهتمون بما ستقدمه هذه البرامج من آراء قوية، وتحليلات مفيدة، وتصريحات مثيرة، وما يتبعها في الليلة نفسها أو في اليوم التالي من تعقيبات ومناوشات صحفية، وبيانات تصدر عن لجان البطولة أو إدارات المنتخبات المشاركة.


وكانت أكثر الحالات إثارة للجدل، وما تزال بطبيعة الحال، هي «التحكيم».


- كل هذا الصخب الإعلامي، وما ينتج عنه من إثارة وجدل، وحالات من التعصب الرياضي المحمود لهذه البطولة، أسهم في إحيائها وجذب الاهتمام إليها، وكان من الممكن أن تفقد بريقها وهي لا تزال في مهدها.


- ومن هنا، كان الإعلام الرياضي في دول الخليج لاعباً رئيسياً في صناعة نجاح البطولة، وفي إقناع القيادات الرياضية بأهمية استمرارها. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل حظي الإعلام بالدعم والاهتمام، وسُخرت له الإمكانات التي تسهّل مهمته، ليكون له ذلك الحضور القوي الذي يشكل جزءاً أساسياً من منظومة نجاح البطولة.


- ولست مبالغاً إذا قلت إن هذا «اللاعب رقم واحد» أسهم، مع بقية عناصر النجاح شريكاً رئيساً، في تطوير مستوى اللاعب الخليجي، ورفع مستوى المنافسة في البطولة، حتى وصلت المنتخبات الخليجية، التي كانت تتنافس فيما بينها، إلى مكانة وحضور وقيمة على المستويين القاري والدولي، بالتوازي مع زيادة الحضور الجماهيري واتساع دائرة المتابعة التلفزيونية والإعلامية، عبر كل منبر إعلامي متاح في عالم أصبح قرية واحدة، وبطل هذه الحكاية، في رأيي، هو اللاعب رقم واحد الإعلام.


- همسة أخيرة:


ونحن نعيش أجواء خليجي 27، التي ستبدأ منافساتها غداً، إذا كانت البطولة ستُحسم داخل المستطيل الأخضر، فإنها عبر الشاشات والبرامج الرياضية ستكون أكثر حضوراً ومتعة وإثارة، وقد يكون المتعب للمشاهد هو محاولة متابعة كل ما تقدمه البرامج الرياضية، خصوصاً في ظل كثرتها وتعددها، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي حلت هذه الإشكالية إلى حد كبير؛ فما يفوتكم على الشاشة، ستجدونه لاحقاً عبر تطبيقات ومواقع هذه البرامج، وما ينشره ضيوفها ومقدموها من آراء وتعليقات.