هناك سؤال لا يمكن لليمن أن يتجنّبه، ولا يستطيع المجتمع الدولي أن يتهرب منه طويلاً: متى تصبح مواجهة المليشيا مسؤولية دولية، ومتى تظل شأناً يخص الدولة المتضررة وجيرانها؟


الجواب ليس في مواثيق الأمم المتحدة وحدها، ولا في البيانات الدبلوماسية. الجواب، في كثير من الأحيان، يبدأ عندما تقترب النار من المصالح.


فطوال سنوات، كان اليمن يغرق في حربه. دولة تتآكل، ومليشيا تتمدد، ومدن تدفع الثمن، والعالم يراقب من بعيد. كانت الأزمة تُدار بالهدن والمفاوضات والوساطات، وكأن المطلوب هو منع الانفجار الكبير، لا معالجة أسبابه. لكن كل شيء تغيّر عندما وصلت الحرب إلى البحر الأحمر.


فعندما بدأت السفن التجارية تتعرّض للخطر، وتحوّلت الملاحة إلى حسابات أمنية، وارتفعت كلفة التأمين والشحن، لم يعد الحوثيون مجرد طرف في حرب يمنية. فجأة أصبحت المسألة مرتبطة بأمن التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والطاقة، ومصالح اقتصادات كبرى.


نتذكر في أواخر عام 2023، تشكّل تحالف «حارس الازدهار»، ثم بدأت الضربات الأمريكية والبريطانية ضد مواقع الحوثيين. هنا، ظهرت حقيقة السياسة الدولية بلا كثير من التجميل.


لم تكن معاناة اليمنيين جديدة حين تحركت الأساطيل. الجديد أن الخطر أصبح يهدد سفناً تحمل بضائع العالم. وهذه ليست خصوصية اليمن وحده. فعندما تمدد «داعش» في العراق وسورية، وهدد مصادر الطاقة، وتجاوز خطره حدود المنطقة، تشكّل تحالف دولي واسع لمواجهته. وفي أزمات أخرى بعيدة عن طرق التجارة ومصادر الطاقة ومصالح القوى الكبرى، بقي التدخل الدولي أبطأ وأقل حسماً.


المشكلة، إذاً، ليست فقط في القانون الدولي. إنها أيضاً في ترتيب المصالح داخل النظام الدولي. والحوثيون يمثلون حالة أكثر تعقيداً من جماعة مسلحة تقليدية. إنها قوة تسيطر على جغرافيا واسعة، وتمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وتدير مؤسسات وسلاحاً وموانئ، وتملك القدرة على التأثير في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.


وهنا يتغير تعريف المشكلة. لم نعد أمام خلية يمكن تفكيكها بعملية أمنية، إنما أمام كيان مسلح يملك بعض أدوات الدولة من دون أن يكون دولة. ولهذا لا تختزل مواجهته بضربة جوية أو صفقة سياسية مؤقتة. فالمشكلة ليست في الصاروخ وحده، وإنما في البيئة التي تسمح بإنتاج الصاروخ، وإطلاقه، وإعادة إنتاج القدرة على إطلاقه.


أما الكلفة، فقد خرجت من اليمن إلى العالم. مئات السفن غيرت مسارها إلى رأس الرجاء الصالح، وارتفعت كلفة النقل والتأمين، واضطربت جداول الشحن. وهكذا تحولت جماعة مسلحة إلى عامل يؤثر في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. وهنا، تحديداً، تظهر أهمية البحر الأحمر. فإذا اختفى الأمان، تغير الطريق. لكنه تغيير لا يلغي الفاتورة. إذ تدفعها شركات الشحن، ثم الأسواق، ثم المستهلك في النهاية.


إقليمياً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. إيران بنت خلال سنوات شبكة نفوذ إقليمية متعددة الأدوات، ويشكل الحوثيون أحد مكوناتها المهمة. وبالنسبة إلى طهران، يمثل وجود قوة حليفة على هذا الموقع الجغرافي ورقة ضغط في صراع أوسع من حدود اليمن.


أما السعودية، فتتعامل مع اليمن باعتباره جزءاً من أمنها المباشر، لا ملفاً خارجياً عادياً. ومصر لديها حساب مختلف، لكنه لا يقل مباشرة، اسمه قناة السويس. وأي اضطراب في البحر الأحمر يتحول سريعاً إلى مشكلة تتجاوز حدود الدولة المصرية.


وهنا تعود القضية إلى أصلها. لماذا يتحول الخطر إلى قضية دولية فقط عندما يمس المصالح الدولية؟


قد تكون الإجابة غير مريحة، لكنها بسيطة؛ لأن الدول تتحرك وفق حسابات الأمن والمصلحة قبل أن تتحرك وفق اعتبارات التضامن. وهذا لا يعني أن القانون الدولي بلا قيمة، إنما يعني أن القانون وحده لا يصنع السياسة الدولية. القوة والمصلحة والاقتصاد والجغرافيا كلها تدخل في القرار.


ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن المليشيا تظل مشكلة محلية إلى الأبد. المليشيا تبدأ داخل دولة، ثم تتمدد داخل فراغها، ثم تبني قوة موازية، ثم تكتشف أن الجغرافيا تمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها. وعندما تصل إلى الموانئ والممرات البحرية لا تعود المشكلة تخص الدولة التي خرجت منها.


تلك هي قصة الحوثيين اليوم. وأصبحت اختباراً لطريقة تعامل العالم مع الكيانات المسلحة التي تنمو داخل الدول، ثم تتحول إلى قوة قادرة على تعطيل طرق التجارة وتهديد الأمن الإقليمي. والتاريخ يقول إن النار لا تحتاج إلى جواز سفر. قد تبدأ في بيت الجار، لكن الريح وحدها تقرر إلى أين تذهب.