لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي يدور فقط حول من يمتلك النموذج الأكثر تقدمًا، أو مركز البيانات الأضخم، أو القدرة الحوسبية الأكبر؛ فخلف هذا السباق التقني المتسارع يتشكل سباق آخر، ربما يكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد: من يضع القواعد التي ستحكم الذكاء الاصطناعي؟ من يقرر أين تنتهي حرية الابتكار وتبدأ المسؤولية؟ ومن يحدد معايير العدالة والشفافية والخصوصية؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الخوارزمية؟ وهل تُترك هذه الأسئلة للشركات التي تطور النماذج، أم للجهات التنظيمية والتشريعية، أم للمنظمات الدولية، أم للمجتمعات التي ستعيش آثار هذه التقنية، وإن لم تشارك في صناعتها؟


هذه الأسئلة هي ما يجعل احتضان الرياض منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026 حدثًا تتجاوز دلالته مجرد انعقاد مؤتمر دولي جديد في العاصمة السعودية. فالمنتدى، الذي يجمع نحو 1200 مشارك من 194 دولة، وأكثر من 100 متحدث في عشرات الجلسات، يضع الرياض في قلب حوار عالمي حول كيفية الانتقال بالذكاء الاصطناعي من تقنية تتسابق الدول على امتلاكها إلى منظومة تحتاج إلى قواعد ومسؤوليات وضمانات تحكم استخدامها.


وتزداد أهمية الحدث كونه يمثل أول استضافة عربية لهذا المنتدى العالمي. وهذه الدلالة تتجاوز المكان والتنظيم؛ فاحتضان حوار دولي من هذا النوع يعني أن الرياض أصبحت إحدى المنصات، التي يلتقي فيها صناع السياسات والخبراء والمؤسسات الدولية؛ لمناقشة القضايا التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي. وفي عالم لا تزال فيه قواعد هذه التقنية ومعاييرها في طور التشكل، فإن وجود المملكة العربية السعودية في قلب هذا النقاش يعكس طموحًا يتجاوز استخدام التقنية والاستثمار فيها إلى الحضور في المساحات الدولية، التي تناقش كيفية إدارتها وتنظيمها وتحديد مسؤولياتها.


لقد اعتدنا أن نقيس الحضور في سباق الذكاء الاصطناعي بحجم الاستثمارات، وعدد الشركات، ومراكز البيانات، والنماذج الوطنية، وكل ذلك مهم بلا شك، لكن هناك نوعًا آخر من الاستثمار أقل ظهورًا في الأرقام، وأكثر تراكمًا في الأثر: الاستثمار في المكانة العلمية والدبلوماسية للدولة، وفي قدرتها على أن تصبح منصة تناقش فيها القضايا التي ستحدد ملامح المستقبل. فالدولة، أي دولة، لا تبني حضورها الدولي بما تنتجه من تقنيات فحسب، بل يتعدى ذلك إلى ما تستضيفه من منتديات ومؤتمرات، وما تتيحه من مساحات لصياغة الأفكار والسياسات والأطر والمعايير.


ومن هذه الزاوية، تبدو إقامة المنتدى في الرياض جزءًا من تحول أوسع شهدته المملكة خلال سنوات رؤية 2030 بوصفها مركزًا متناميًا للمؤتمرات والمنتديات الدولية في التقنية والاقتصاد والاستثمار وصناعة القرار. إلا أن المنتدى الحالي يضيف بعدًا مختلفًا؛ ذلك أنه لا يناقش التقنية بوصفها فرصة استثمارية أو منتجًا اقتصاديًا فحسب، بل يناقش أخلاقيات استخدامها، وحدودها، ومسؤولية المؤسسات والدول عن آثارها. ويعكس برنامج المنتدى هذا التحول من خلال موضوعات عدة، مثل: جاهزية الدول للذكاء الاصطناعي، والحوكمة المؤسسية، وحماية البيانات، والتعليم، والبيئة، والتنوع اللغوي، إلى جانب أدوات عملية، مثل: منهجية اليونسكو لتقييم جاهزية الدول للذكاء الاصطناعي، المعروفة اختصارًا بـ«RAM 2.0».


وهذه نقطة مهمة؛ لأن التحدي المقبل لن يكون في تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي واتساع إمكاناته فحسب، بل في قدرتنا على رسم حدود استخدامه، وتحديد ما ينبغي له أن يفعله وما لا ينبغي، ومن يتحمل المسؤولية عند تجاوز تلك الحدود. ومع اتساع استخدام هذه التقنية في الاقتصاد والتعليم والإعلام والصحة والإدارة العامة لم تعد الحوكمة موضوعًا هامشيًا أو تنظيريًا، بل أصبحت جزءًا من قدرة الدول على توظيف الذكاء الاصطناعي بكفاءة وثقة واستدامة.


ومن هنا يمكن قراءة انعقاد هذا المنتدى في المملكة، ضمن سياق أوسع من التحول السعودي في مجالات التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي؛ فطموح المملكة لم يعد محصورًا في أن تكون سوقًا كبيرة للتقنيات العالمية، بل يتجه إلى بناء قدرات وطنية، واستثمارات، ومنتجات، وأطر للبيانات والحوكمة، مع حضور دولي متزايد في النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وهنا يظهر الفرق بين دولة تستخدم التقنية، ودولة تسعى إلى المشاركة في تشكيل البيئة، التي تعمل فيها هذه التقنية، والقواعد التي تضبطها.


لكن أهمية هذا الحضور لا ينبغي أن تتوقف عند نجاح الحدث، أو حجم المشاركة الدولية فيه؛ فالفرصة الأكبر تبدأ عندما يتحول وجود هذا الحوار العالمي في الرياض إلى حافز للجامعات السعودية، ومراكز الأبحاث، والباحثين، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التقنية للمشاركة بصورة أعمق في إنتاج المعرفة المرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي. فالحضور في صناعة القواعد لا يتحقق باستضافة من يناقشونها فحسب، وإنما بالمساهمة في الدراسات والأطر والمفاهيم والسياسات التي تدخل في صياغتها. وهو مسار اضطلعت به «سدايا» خلال السنوات الأخيرة عبر تطوير مبادئ وأطر وطنية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتبنيه المسؤول، وبناء أدوات لتقييم الالتزام بالمعايير الأخلاقية، إلى جانب دورها في المبادرات والشراكات الدولية ذات الصلة؛ بما يعزز حضور المملكة في النقاش العالمي حول الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي.


وهذه مسؤولية تحمل في طياتها فرصة سعودية وعربية في آن واحد. فكثير من النقاش العالمي حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تشكل في بيئات ثقافية وتشريعية محددة، بينما تستخدم التقنيات في مجتمعات تختلف في لغاتها وقيمها وأولوياتها وأنظمتها الاجتماعية. ولذلك فإن المشاركة العربية ليست مجرد رغبة في تمثيل جغرافي أكبر، بل ضرورة لضمان أن تكون القواعد العالمية الجديدة أكثر قدرة على استيعاب التنوع الثقافي واللغوي والإنساني. ويقترب المنتدى نفسه من هذا المعنى عبر مناقشة التنوع اللغوي والحضور البارز للغة العربية في محاور الملتقى، وما يمكن أن يحدث عندما تُبنى النماذج المستقبلية على بيانات ولغات لا تمثل هذا التنوع تمثيلًا كافيًا.


ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس القول إن الرياض استضافت العالم، بل أن نستطيع بعد سنوات أن نقول إن أفكارًا خرجت من الرياض أسهمت في تشكيل الطريقة التي يتعامل بها العالم مع الذكاء الاصطناعي؛ فقيمة هذا الحضور تكتمل عندما تتحول المنصة إلى إنتاج معرفي، والحضور إلى مشاركة فكرية، والمشاركة إلى إسهام سعودي وعربي مستدام، في صياغة السياسات والمعايير الدولية.


لقد أصبحت التقنية اليوم أحد ميادين القوة الوطنية، لكن القوة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بما تمتلكه الدول من قدرات حوسبية وخوارزميات فحسب، بل كذلك بقدرتها على بناء الثقة، وصياغة الأطر والمعايير، وتقديم نماذج للحوكمة، والمشاركة في سن التنظيمات والتشريعات التي ينبغي ألا تتجاوزها التقنية. ولهذا فإن السؤال الذي يفتحه المنتدى في الرياض يتجاوز في أهميته أيام انعقاده وجلساته وبرنامجه: من سيضع قواعد الذكاء الاصطناعي التي ستعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والإعلام والعمل والثقافة وحياة الإنسان؟ أن يجتمع العالم في الرياض لمناقشة مثل هذا السؤال، يحمل في حد ذاته دلالة مهمة: أن تكون المملكة العربية السعودية أحد الأصوات المؤثرة والفاعلة في صياغة إجابته.