في كل مؤتمرٍ صحيّ اليوم تتردّد عبارةٌ واحدة حتى كادت تفقد معناها من كثرة الترديد: «الذكاء الاصطناعي». صار كل مستشفى يريد نموذجًا ذكيًا، وكل إدارةٍ تطلب لوحةً تحليلية، وكل عرضٍ تقديميّ يتزيّن بشرائح عن التعلّم العميق. لكنّ قليلًا منّا يقف عند السؤال الأهم: على أيّ بياناتٍ سيعمل هذا الذكاء؟ وبحكم دراستي للذكاء الاصطناعي إلى جانب عملي في العناية المركزة، أقولها بصراحةٍ قد تبدو حادّة: كثيرٌ من مؤسساتنا الصحية تريد أن تقطف ثمرة الذكاء الاصطناعي، بينما تربتها من المعلومات ما زالت قاحلة.

القاعدة الأولى في علم البيانات لا تعرف المجاملة: «بيانات رديئة تدخل، نتائج رديئة تخرج». أذكى خوارزميةٍ في العالم لن تصنع معجزةً من بياناتٍ مبعثرة وناقصة وغير موثوقة. وحين أنظر إلى واقع إدارة المعلومات في بعض منشآتنا، أرى المشكلة الحقيقية التي نتجاهلها بينما نلهث خلف البريق. أرى أقسامًا لا تزال أسيرة الورق، وأخرى تملك أنظمةً إلكترونية لكنها ليست سوى «خزائن رقمية» تُكدّس فيها الملفات ولا تُقرأ. أرى بياناتٍ تُدخَل بلا معيار موحّد، فيكتب كلٌّ التشخيص بطريقته، وتُسجّل القياسات بصيغٍ متضاربة، حتى يستحيل على أي نظامٍ أن يفهمها لاحقًا.

والأدهى من ذلك ثقافة «احتكار البيانات». فبدل أن تكون المعلومة الطبية مِلكًا للمريض تتدفّق حيثما يُعالَج، صارت في بعض المؤسسات مِلكًا للقسم أو للجهة، تُحتجَز في جزيرةٍ معزولة لا يصلها غيرها. فيأتي المريض من مستشفى إلى آخر وكأنه وُلد للتوّ، بلا تاريخٍ ولا ذاكرة، فنعيد الفحوصات، ونكرّر الأشعة، ونهدر المال والوقت، وأحيانًا نُعرّض المريض للخطر. هذه ليست مشكلة تقنية بقدر ما هي مشكلة عقلية: مؤسساتٌ تعامل بياناتها كأرشيفٍ يُخزَّن، لا كأصلٍ إستراتيجيّ يُدار.

ودعوني أقرّبها من ميدانِ عملي. في العناية المركزة يُنتِج المريض الواحد آلاف نقاط البيانات يوميًا: ضغطٌ، وأكسجين، وجرعاتٌ، ونتائج تحاليل تتغيّر بالساعة. هذه ثروةٌ معلوماتية هائلة لو أُحسِن التقاطها وتنظيمها، لأمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبّأ بتدهور المريض قبل ساعاتٍ من حدوثه. لكن ماذا يحدث في الواقع؟ تُدوَّن يدويًا في خاناتٍ متفرّقة، أو تُحفَظ في أجهزةٍ لا تتحدّث مع بعضها، ثم تتبخّر قيمتها. نحن نجلس على منجم ذهبٍ من البيانات، ونتركه يتحوّل إلى ركامٍ لأننا لم نبنِ له بنيةً تحفظه.

ثم يأتي أخطر ما في المشهد: أن تُشترى أدوات الذكاء الاصطناعي كديكورٍ تقنيّ للتباهي، فوق أساسٍ من البيانات المتهالكة. تُنفَق الملايين على نموذجٍ لامع، بينما المعلومات التي يتغذّى عليها فوضى. هذا ليس تحوّلًا رقميًا، بل تجميلٌ رقميّ. إنه كمن يبني قصرًا على رمال؛ يبهر الناظر حتى أول اختبارٍ حقيقي، ثم ينهار. والذكاء الاصطناعي المبنيّ على بياناتٍ رديئة ليس عديم الفائدة فحسب، بل قد يكون خطيرًا؛ إذ يمنح قراراتٍ خاطئة ثوبَ الثقة الرقمية، فنُصدّقها لأنها خرجت من «نظامٍ ذكي». وكم من قرارٍ خاطئٍ سيُتَّخذ لا لأنّ الطبيب أخطأ، بل لأنّ الشاشة قالت، والشاشة تغذّت على بياناتٍ كاذبة.

فما التوجّه المفروض إذا أردنا أن نواكب هذا التسارع لا أن نتظاهر بمواكبته؟ الطريق واضح، وإن كان أقلّ بريقًا:

أولًا، البيانات أصلٌ إستراتيجيّ لا أرشيف. يجب أن تُدار المعلومة الصحية بحوكمةٍ واضحة: من يملكها، ومن يُدخلها، ومن يضمن جودتها، ومن يحاسب على أخطائها. بلا حوكمةٍ للبيانات، يبقى كل حديثٍ عن الذكاء الاصطناعي ترفًا. فالبيانات التي لا يملكها أحدٌ بالكامل، لا يحرص عليها أحدٌ بالكامل، وتضيع بين الأقسام بلا مسؤول.

ثانيًا، التشغيل البيني قبل كل شيء. لا معنى لنظامٍ لا يتحدّث مع غيره. وقد أحسنت المملكة حين بنت منصة «نفيس» لتبادل المعلومات الصحية اعتمادًا على معيار FHIR العالمي؛ والمطلوب من المؤسسات ألا تكتفي بالامتثال الشكليّ، بل أن تتبنّى هذه المعايير روحًا وممارسة، حتى تنساب بيانات المريض معه أينما ذهب.

ثالثًا، جودة البيانات عند مصدرها. المعلومة تُصحَّح حين تُولَد، لا بعد أن تتراكم. توحيد المصطلحات الطبية، وإدخالٌ منظّمٌ للبيانات، وتدقيقٌ مستمر — هذه أعمالٌ غير برّاقة، لكنها الأساس الذي يقوم عليه كل شيء بعدها.

رابعًا، الطبيب المعلوماتيّ. نحتاج إلى جيلٍ يجمع بين الطب وعلم البيانات؛ أطباء يفهمون الخوارزمية كما يفهمون المريض، فيسدّون الفجوة بين من يكتب الكود ومن يقف عند السرير. فالذكاء الاصطناعي في الصحة أخطر من أن يُترَك للتقنيين وحدهم، أو للأطباء وحدهم.

خامسًا، الخصوصية والأخلاق أولًا لا أخيرًا. بيانات المريض أمانة، وأيّ توسّعٍ في الذكاء الاصطناعي دون حوكمةٍ صارمة للخصوصية والأمان هو خيانةٌ لتلك الأمانة. والاستفادة من جهاتٍ وطنية كالهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي والمجلس المركزي للاعتماد تضع هذا في إطارٍ منظّم.

سادسًا، من التقارير إلى التنبؤ. الهدف النهائي أن نتحوّل من أنظمةٍ تسجّل الماضي إلى أنظمةٍ تتنبّأ بالمستقبل: ترصد تدهور المريض قبل حدوثه، وتوزّع الموارد قبل أزمتها. لكنّ هذا لا يُبنى إلا على البيانات النظيفة التي تحدّثنا عنها.

إنّ التسارع التكنولوجيّ لا يُواكَب بالشعارات، بل بالأساسات. والذكاء الاصطناعي ليس عصًا سحرية تُرفع فوق الفوضى فتنظّمها، بل مرآةٌ تعكس جودة بياناتنا؛ إن كانت نظيفة أرانا الحقيقة، وإن كانت فوضى ضخّم فوضانا وألبسها ثوب العلم. فلنبدأ من حيث يجب أن نبدأ: من البيانات. عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا يخدم المريض، لا زينةً نتباهى بها في المؤتمرات.