يُعد قطاع التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية من أكبر قطاعات التعليم العالي في المنطقة، بما يملكه من مؤسسات وطلبة واستثمارات، وبما يواكب التحوّل الاقتصادي والوطني الكبير الذي تشهده المملكة. ومن الطبيعي، في ظل هذه المقوّمات، أن تكون التطلعات مرتفعة نحو استقطاب جامعات عالمية نوعية، قادرة على الإسهام في تطوير التعليم والبحث والابتكار.


ومن هنا تبرز أهمية دور مجلس شؤون الجامعات، باعتباره الجهة المعنية بتنظيم القطاع وتطويره ورفع تنافسيته وجودته. إلا أن نتائج استقطاب الجامعات العالمية حتى الآن لا تبدو -في تقديري- متناسبة مع حجم المملكة ومكانتها وطموحاتها. ولذلك استبشرنا خيراً بالحديث عن قرب دخول مؤسسات أكاديمية عريقة مثل Arizona State University وLondon Business School إلى السوق السعودية، لما يمكن أن تمثله هذه الخطوة من إضافة نوعية للمشهد التعليمي.


غير أن ما يتداول حول منح بعض الفروع صفة «ربحية» يفتح باباً لتساؤل أوسع حول النموذج الذي نريد أن نبني عليه مستقبل التعليم العالي النوعي في المملكة. فصناعة الجامعات المتميزة عالمياً لها تجارب ونماذج راسخة، تشكلت عبر عقود من التراكم المؤسسي والاستثمار في المعرفة والبحث والابتكار، وأثبتت قدرتها على صناعة أثر يتجاوز الحدود الجغرافية. ومن هنا، ربما يكون الأجدى أن ننظر إلى ما وصلت إليه التجارب العالمية، وأن نبدأ من حيث انتهت التجارب العالمية الرائدة، لا أن نعيد اختبار نماذج لم يتشكل لها بعد رصيد راسخ في صناعة التعليم الجامعي النوعي، ثم نعيد صياغة تلك النماذج وتصميمها بما يتواءم مع بيئتنا وأولوياتنا الوطنية. وبذلك تكون المملكة شريكاً في صناعة النموذج الجامعي النوعي، لا مجرد ساحة لاختبار نماذج لم تُحسم جدواها بعد.


المسألة في جوهرها ليست في كون المؤسسة ربحية أو غير ربحية، وإنما في نوعيتها ومكانتها الأكاديمية، ونموذجها المؤسسي، والتزاماتها تجاه المملكة، والقيمة التي يمكن أن تضيفها فعلياً. فالاستناد إلى الاسم العالمي وحده لا يكفي لصناعة مؤسسة أكاديمية مؤثرة؛ إذ تتحدد القيمة الحقيقية بجودة البرامج، وقوة البحث العلمي، وتميز أعضاء هيئة التدريس، وعمق البيئة البحثية، وقدرة المؤسسة على بناء حضور مستدام داخل المملكة، والمساهمة بصورة ملموسة في أولوياتها الوطنية.


ولهذا، ينبغي ألا ينحصر النقاش في ثنائية «ربحية» و«غير ربحية». فالمؤسسة غير الربحية ليست بالضرورة ذات قيمة مضافة، كما أن المؤسسة الربحية يمكن أن تقدم قيمة أكاديمية وبحثية كبيرة إذا صُمم نموذجها بما يضمن الجودة والاستدامة والمساءلة. والسؤال الأهم ليس: هل الجامعة ربحية أم غير ربحية؟ بل: ماذا ستقدم الجامعة للمملكة، وما الذي ستلتزم به مقابل ما ستحصل عليه من مزايا وفرص؟


فالمملكة ليست دولة تبحث عن أي مؤسسة عالمية بأي ثمن. لديها سوق كبيرة، واقتصاد قوي، واستثمارات متنامية، ومشروعات طموحة، وموقع استراتيجي، وطلب متزايد على التعليم النوعي، فضلاً عن توسع كبير في البحث والابتكار والتقنية. وهذه المقومات يجب أن تتحول إلى قوة تفاوضية حقيقية، بحيث يكون استقطاب الجامعة وسيلة لتحقيق أهداف محددة: رفع جودة التعليم، وتطوير البحث، ونقل المعرفة والتقنية، وبناء القدرات الوطنية، واستقطاب الكفاءات، وتعزيز الابتكار، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.


ومن هنا تبرز ضرورة وضع معايير واضحة وشفافة لتقييم المؤسسات المستقطبة، لا تقتصر على التصنيف أو شهرة الاسم، بل تشمل جودة البرامج، وقوة البحث، وحجم الاستثمار الأكاديمي والبحثي داخل المملكة، وأعداد أعضاء هيئة التدريس والباحثين الموجودين فعلياً، والبنية البحثية، وارتباط البرامج بالأولويات الوطنية، والفرص المقدمة للطلبة والباحثين السعوديين.


والأهم أن تكون هناك التزامات قابلة للقياس مقابل أي حوافز أو مزايا تحصل عليها الجامعة، تشمل البرامج النوعية، والإنفاق البحثي المحلي، والشراكات الوطنية، ونقل المعرفة، وتطوير الكفاءات السعودية، واستقطاب المواهب العالمية، والمساهمة في المجالات ذات الأولوية.


فالمملكة ليست بحاجة إلى مجرد «فروع» لجامعات تحمل أسماء مرموقة، بقدر حاجتها إلى شراكات أكاديمية حقيقية. فوجود اسم عالمي على مبنى جامعي شيء، وبناء مؤسسة أكاديمية وبحثية فاعلة داخل المملكة شيء آخر تماماً. والتحدّي الحقيقي ليس جذب الجامعة إلى المملكة، وإنما ضمان أن تصبح جزءاً من منظومتها المحلية: بأساتذة وباحثين يعملون هنا، ومختبرات تنتج المعرفة هنا، وشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص والجهات الحكومية، وأبحاث تعالج تحديات المملكة والمنطقة.


وفي النهاية، لا يُقاس نجاح التجربة بعدد الأسماء أو الفروع، وإنما بحجم القيمة المضافة إلى التعليم والبحث والابتكار، وبمدى إسهامها في بناء اقتصاد معرفي أكثر تنافسية، وتأهيل أجيال تقود مستقبل المملكة.


وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لمجلس شؤون الجامعات: هل نستطيع أن نجعل من السوق السعودية فرصة للجامعات العالمية، وفي الوقت نفسه نجعل من حضورها فرصة تاريخية لتطوير منظومتنا التعليمية والبحثية؟


أعتقد أن الإجابة يجب أن تكون نعم، بشرط أن ندخل هذه الشراكات بعقلية الشريك الذي يملك الكثير ليقدمه ويعرف بدقة ما يريد في المقابل، لا بعقلية السوق الباحث عن أي اسم عالمي. فالربحية ليست مشكلة في ذاتها، لكنها تصبح مشكلة حين تطغى على القيمة الأكاديمية، أو تتحمل المملكة تكلفة الاستقطاب بينما تظل القيمة المضافة محدودة.


فالرهان الحقيقي ليس على استقطاب جامعة عالمية، بل على أن تصبح، بعد خمس أو عشر سنوات، جزءاً فاعلاً من منظومة التعليم والبحث والابتكار الوطنية، وأن يكون وجودها قد أحدث فرقاً قابلاً للقياس.


وعندها فقط يمكن القول إننا لم نستقطب اسماً عالمياً فحسب، بل بدأنا فعلاً من الطريق الصحيح.