لم أكتب في السياسة لا لأنني لا أعرف الكتابة، ولكن لأنني لم أقرأ ما يكفي من التاريخ. التاريخ في نظري هو (تدفق السياسة عبر الزمن). من يقرأ الحادثة السياسية ولا يتداعى مسارها التاريخي وأشباهها من حوادث التاريخ - في ذهنه أثناء الكتابة - لا علاقة له بالكتابة السياسية.


من يكتب عن اتفاقية مكة وهو لا يعرف كيف مُحيت الحضارة الإسلامية في الأندلس من وجه الأرض بعد ثمانية قرون من الحضارة والازدهار لا يعرف عن ماذا يكتب.


ما يحدث اليوم ليس وليد اليوم.


ما الذي يجري في العراق الآن؟ سيقول كاتب التعليق السياسي: إيران هي من تقف وراء هذه الفوضى. غياب الوعي بالتاريخ عن ثقافة هؤلاء هو الذي يقودهم إلى هذا الجواب السهل والمباشر. إليك قطعة صغيرة من تدفق التاريخ.


لو عدنا قليلاً قبل أن تتغلغل إيران في العراق سنرى أن أمريكا غزت العراق وأول شيء فعلته أن هدمت الدولة العراقية. ولو رجعنا قليلاً قبل هذا سنرى أن صدام حسين غزا الكويت ودمر ما تبقى من التضامن العربي. ثم لو رجعنا بالزمن أكثر قليلاً سنرى أن صدام حسين استغل اضطرابات الثورة الإيرانية فمزق اتفاقية الجزائر بين إيران الشاه والعراق، تلك الاتفاقية التي وقعها بيده ثم أعلن الحرب على إيران. كانت إيران حينها متضعضعة. اندلعت فيها موجة من الإعدامات والفرار حيث كان الخميني يصفّي خصومة من الأحزاب الأخرى وضباط الجيش، فقدم له صدام ما كان في أمس الحاجة إليه (ذريعة العدو الأجنبي) التي يستخدمها السياسيون عبر التاريخ لتوحيد صفوف رعاياهم خلفهم لصرف أنظارهم عن مشاكلهم ومطالبهم وآلامهم الداخلية، توحّد الإيرانيون وانطلقوا بحماسة وطنية ودينية يحاربون بأجسادهم قبل سلاحهم. وهكذا سيمضي بك التاريخ إلى ما هو أعمق من السموم التي نتجرعها اليوم.


لا أريد أن أمضي في التقهقر إلى الوراء. تكفي هذه الكتلة التاريخية الواحدة التي هي في الواقع حادثة واحدة متدفقة ومشتبكة مع كل الأحداث القديمة في المنطقة العربية والإسلامية والتي تتفاقم يوماً بعد يوم.


إذا كنا حائرين أمام أزمة مضيق هرمز، فحل هذه الأزمة لن يكون النهاية، فالتاريخ لن يقف عندها طويلاً بل سيمضي قدماً. ما نراه اليوم في (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) هو تجميع ما حدث في العراق منذ صدام حسين مع ما حدث في اليمن منذ عبدالله السلال وما حدث في ليبيا ومصر والسودان الخ. ما يجب أن نعيه هو تدفق تاريخ المنطقة العربية كلها إلى أن نصل إلى ما أحدثه ملوك الطوائف في الأندلس.


الطريق الذي تسير فيه منطقتنا اليوم هو طريق المرحلة الثانية من تاريخ ملوك الطوائف الإسلامية. باختصار انهيار ملوك الطوائف في الأندلس جوهره استعانة الممالك الإسلامية في الأندلس بالممالك المسيحية ضد بعضهم بعض. كل حاكم مسلم في الأندلس يهرع إلى الممالك المسيحية المتربصة - بهم جميعاً - لتقويته ضد أبناء دينه وعمومته وشركائه في المجد والتاريخ.


من يطّلع على اتفاقية مكة وهو يدرك تاريخ ملوك الطوائف في الأندلس سيرى أن توقيع هذه الاتفاقية في مكة وفي يوم الجمعة تحديداً سيرى أنها أول مسمار في نعش مشاريع ملوك الطوائف هذه الأيام. كل ما يدور في هذه المنطقة اليوم من إشعال الفتن وتقويض الدول وتفكيكها والتحالف مع الأعداء ليس جديداً على التاريخ. الاتفاق بين أكبر وأقوى الدول الإسلامية هو إرغام هذا التاريخ المشين -الذي يغذيه ملوك طوائف اليوم - أن يتوقف عن مساره الخطير الذي سينتهي بنا (مورسكيين) على أرضنا. نصلي خلسة في بيوتنا لكيلا يفتضح إسلامنا.


اسم (مكة) ويوم (الجمعة) هنا ليسا مجرد مكان وزمان، ولكنهما جوهر الاتفاقية.