أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1503.jpg&w=220&q=100&f=webp

عبدالله بن بخيت

اتفاقية مكة مسمار في نعش مشاريع ملوك الطوائف

لم أكتب في السياسة لا لأنني لا أعرف الكتابة، ولكن لأنني لم أقرأ ما يكفي من التاريخ. التاريخ في نظري هو (تدفق السياسة عبر الزمن). من يقرأ الحادثة السياسية ولا يتداعى مسارها التاريخي وأشباهها من حوادث التاريخ - في ذهنه أثناء الكتابة - لا علاقة له بالكتابة السياسية.


من يكتب عن اتفاقية مكة وهو لا يعرف كيف مُحيت الحضارة الإسلامية في الأندلس من وجه الأرض بعد ثمانية قرون من الحضارة والازدهار لا يعرف عن ماذا يكتب.


ما يحدث اليوم ليس وليد اليوم.


ما الذي يجري في العراق الآن؟ سيقول كاتب التعليق السياسي: إيران هي من تقف وراء هذه الفوضى. غياب الوعي بالتاريخ عن ثقافة هؤلاء هو الذي يقودهم إلى هذا الجواب السهل والمباشر. إليك قطعة صغيرة من تدفق التاريخ.


لو عدنا قليلاً قبل أن تتغلغل إيران في العراق سنرى أن أمريكا غزت العراق وأول شيء فعلته أن هدمت الدولة العراقية. ولو رجعنا قليلاً قبل هذا سنرى أن صدام حسين غزا الكويت ودمر ما تبقى من التضامن العربي. ثم لو رجعنا بالزمن أكثر قليلاً سنرى أن صدام حسين استغل اضطرابات الثورة الإيرانية فمزق اتفاقية الجزائر بين إيران الشاه والعراق، تلك الاتفاقية التي وقعها بيده ثم أعلن الحرب على إيران. كانت إيران حينها متضعضعة. اندلعت فيها موجة من الإعدامات والفرار حيث كان الخميني يصفّي خصومة من الأحزاب الأخرى وضباط الجيش، فقدم له صدام ما كان في أمس الحاجة إليه (ذريعة العدو الأجنبي) التي يستخدمها السياسيون عبر التاريخ لتوحيد صفوف رعاياهم خلفهم لصرف أنظارهم عن مشاكلهم ومطالبهم وآلامهم الداخلية، توحّد الإيرانيون وانطلقوا بحماسة وطنية ودينية يحاربون بأجسادهم قبل سلاحهم. وهكذا سيمضي بك التاريخ إلى ما هو أعمق من السموم التي نتجرعها اليوم.


لا أريد أن أمضي في التقهقر إلى الوراء. تكفي هذه الكتلة التاريخية الواحدة التي هي في الواقع حادثة واحدة متدفقة ومشتبكة مع كل الأحداث القديمة في المنطقة العربية والإسلامية والتي تتفاقم يوماً بعد يوم.


إذا كنا حائرين أمام أزمة مضيق هرمز، فحل هذه الأزمة لن يكون النهاية، فالتاريخ لن يقف عندها طويلاً بل سيمضي قدماً. ما نراه اليوم في (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) هو تجميع ما حدث في العراق منذ صدام حسين مع ما حدث في اليمن منذ عبدالله السلال وما حدث في ليبيا ومصر والسودان الخ. ما يجب أن نعيه هو تدفق تاريخ المنطقة العربية كلها إلى أن نصل إلى ما أحدثه ملوك الطوائف في الأندلس.


الطريق الذي تسير فيه منطقتنا اليوم هو طريق المرحلة الثانية من تاريخ ملوك الطوائف الإسلامية. باختصار انهيار ملوك الطوائف في الأندلس جوهره استعانة الممالك الإسلامية في الأندلس بالممالك المسيحية ضد بعضهم بعض. كل حاكم مسلم في الأندلس يهرع إلى الممالك المسيحية المتربصة - بهم جميعاً - لتقويته ضد أبناء دينه وعمومته وشركائه في المجد والتاريخ.


من يطّلع على اتفاقية مكة وهو يدرك تاريخ ملوك الطوائف في الأندلس سيرى أن توقيع هذه الاتفاقية في مكة وفي يوم الجمعة تحديداً سيرى أنها أول مسمار في نعش مشاريع ملوك الطوائف هذه الأيام. كل ما يدور في هذه المنطقة اليوم من إشعال الفتن وتقويض الدول وتفكيكها والتحالف مع الأعداء ليس جديداً على التاريخ. الاتفاق بين أكبر وأقوى الدول الإسلامية هو إرغام هذا التاريخ المشين -الذي يغذيه ملوك طوائف اليوم - أن يتوقف عن مساره الخطير الذي سينتهي بنا (مورسكيين) على أرضنا. نصلي خلسة في بيوتنا لكيلا يفتضح إسلامنا.


اسم (مكة) ويوم (الجمعة) هنا ليسا مجرد مكان وزمان، ولكنهما جوهر الاتفاقية.

منذ يوم

ما الفارق بين المحلل الرياضي والمحلل السياسي؟!

ثمة تشابه وثمة اختلافات، لكن جوهر الوظيفة واحد. صراعات بين كيانات يعمل المحللان على بسط وجهات نظرهما فيها مع ترجيح طرف على آخر بأي ثمن و(بأي ثمن) هذه تمثل عمق التشابه لأنها تعني أن تقف مع الكيان الذي تنطق باسمه بالحق والتدليس والمراوغة والتلاعب بالأرقام وبكل ما يطوله اللسان البشري.

المنازعات بين الدول لا تختلف عن المنازعات بين الفرق الرياضية. اللاعبون في الملعب يمثلون جنود المحلل الرياضي والجيوش، والسياسيون يمثلون لاعبي المحلل السياسي.

التشابه بين المحللين يمتد إلى المتابعين، فالمتابع للتحليلات عند كلا الطرفين (غالباً) لا يتوق لكلمة الحق أو الإنصاف، فكل مشاهد ينتظر من المحلل أن يقول ما يتفق مع ميوله وهو أصلا لم يأتِ لهذه القناة أو يتابعهما على الـ«سوشال ميديا»، إلا ليشبع ميوله ويعزّز أيديولوجيته.

كلاهما يتجلى عندما يحتدم الصراع.

فالمحلل الرياضي ينتظر سخونة الدوري والاقتراب من نهايته، والمحلل السياسي يتجلى عندما تدخل دولتان في حالة احتراب علني أو تراشق إعلامي صريح.

لكن هذا التشابه العميق بين الرياضي والسياسي ينطوي على فراق لا يمكن ردمه. أهم مناطق الفراق تكمن في كلمة واحدة هي (الولاء)!

المحلل الرياضي ربما يتقاضى أجراً للظهور على الشاشة أما في الـ«سوشال ميديا» ففي الغالب يعمل تطوعاً، بينما المحلل السياسي يتقاضى أجراً أينما كتب أو فتح فمه.

بهذا يتميّز المحلل الرياضي عن زميله بالولاء الصافي الذي لا يحيد عنه، حتى وإن خرج ضيفاً على شاشة تنتمي للفريق المعادي سنراه يقف مع ناديه وقفة أسد بينما المحلل السياسي يمتلك انتماءً متحركاً وعابراً للدول. لن تفاجأ إذا رأيته في هذا العام يساند دولة وفي العام الذي يليه يساند الدولة المنافسة بل والمعادية. هذا التنقل ستراه عند غالبية المحللين السياسيين القادمين من دولة ثالثة، أي أن بلادهم ليست طرفاً في التنازع القائم. بالطبع هناك أقلية تصمد إما بسبب الانتماء الوطني أو الأيديولوجي أو بسبب «جزالة العطاء».

لا نستغرب أن تستضيف البرامج الرياضية المحلل الموالي لتوجه القناه ونقيضه، أما القنوات السياسية فلا تستضيف سوى من يتفق معها. لا يوجد بين المحللين الرياضيين مستأجرون حسبما توحي كلمة مستأجر، أي أنه يعمل مع هذه القناة بما يتفق مع أيديولوجيته وانتمائه. لا يمكن على سبيل المثال أن ينتقل محلل نصراوي إلى قناة هلالية ليطعن في النصر، ثم تستأجره قناة اتحادية ليطعن في الأهلي والهلال والنصر أيضاً. يمكن أن يظهر محلل هلالي على قناة اتحادية ليطعن في الأهلي، شريطة أن يكون الطعن في الأهلي يتفق مع مصلحة الهلال ومن أجل الهلال، فهو يأتي للقناة لتمثيل فريقه أياً كانت هذه القناة. الثبات على الولاء نهج ستراه عند كل المحللين الرياضيين. هذا لا يعني أن المحلل الرياضي لا يأخذ أجراً على تحليلاته، فأجر المحلل الرياضي الأجر الطبيعي؛ أجر التعب وليس أجر التنازل ونقل الولاء.

القضية بالنسبة للرياضي إيمان يرقى لمرتبة العقيدة وبالتالي ليس كل ما يقوله مجرد أكاذيب محضة حتى وإن كانت كذلك، فهو لا يدرك تلاعبه وتحويره للأرقام والحقائق من الزاوية الموضوعية وإنما يراها كمهمة تبشيرية يؤجر عليها.

من الطبيعي تفشي استخدام نظرية (المؤامرة) عند الطرفين كأداة لا غنى عنها. تكمن ميزات نظرية المؤامرة في قدرتها على تعبئة الفراغات التي تحدثها الأكاذيب وتزييف المعلومات والتلاعب بالحقائق.

لو أجرينا قراءة سريعة عن نوعيات المحلل السياسي يمكن تلخيصها في التالي: هناك محلل سياسي حكومي يسير على ما تراه حكومته بالمسطرة، وهناك محلل سياسي وطني يتفق مع حكومته استراتيجياً ويختلف معها أحياناً في التفاصيل، وهناك محلل «مؤدلج» يبرمج كل ما يصادفه من أحداث وفقاً للأيديولوجيا التي يعتنقها، وهذا أكثر المحللين السياسيين استخداماً لنظرية المؤامرة لأنها كما قلنا تملأ الفراغات التي لا يقبلها العقل. وهذا المحلل مفيد للاستخدام السياسي عند توظيف الطائفية في الصراع السياسي. ولكنه على أي حال الأقرب للمحلل الرياضي في مسألة الولاء. وهناك محلل برسم الإيجار وهذا الأكثر انتشاراً على الشاشات والـ«سوشال ميديا». ميزة هذا المحلل الأساسية تقلب الولاء حسب السوق. ستجده اليوم يكيل المديح لدولة غير بلاده، ويهاجم دولة أخرى غير بلاده ويأخذ الأجر من دولة غير بلاده. ولكن المحلل «المستأجر» لم يقف عند هذا بل ظهر فيهم المحلل الخائن كتطور طبيعي للإنسان الذي يؤجر أخلاقه وقيمه. هذا الخائن لا يشتم الطرف الآخر ولكن تراه متخصصاً في شتم بلاده الأصلية. الشيء المهم أن جميع المحللين السياسيين المستأجرين عدا الخائن يأتون من دولة ثالثة لا علاقة لها مباشرة بالصراع بين الدولتين المتقاذفتين.

في الماضي القريب كان معظم المستأجرين تنتجهم دولتان عربيتان مع قليل من هنا أو من هناك!

اليوم برزت ظاهرة جديدة لم نعرفها من قبل وهي ولادة محللين سياسيين للإيجار أكثرهم من دولة بعينها.

وإحقاقاً للحق أظهر المحللون السياسيون الخليجيون المستأجرون قدرة على منافسة العرب المستأجرين وأثبتوا أنهم منافسون شرسون من الصعب مجاراتهم.

ما يستحق الدراسة ظاهرة بعض الخليجيين العابرين للولاءات، وبروز عدد من «الخونة» الشامتين والشاتمين لبلادهم الأصلية!

00:00 | 3-07-2026

أربعة أشياء ستختفي من حياتنا: الطبيب، المهندس، السيارة، الطائرة

لننظر إلى الواقع الآن. عندما تذهب للطبيب وتجلس أمامه، كل ما عليك فعله أن تعرض عليه مشكلتك وهو يسجلها على الشاشة وكعادة أغلب الأطباء يطلب منك، لأسباب طبية أو تجارية، إجراء مجموعة من التحاليل وربما أشعة، ثم تخرج من عنده وبعد عدة أيام تعود إليه ويفتح جهازه ويطل على ملفك ليرى كل المؤشرات التي أظهرتها الأشعة والتحاليل ثم يكتب لك الدواء فتذهب للصيدلية وتأخد الدواء وتدفع المقسوم. هذا الإجراء سيأتي يوم قريب جداً ليقوم به الذكاء الاصطناعي المبرمج كطبيب رسمي في منزلك بكفاءة أفضل. فالطبيب إنسان ربما ينسى شيئاً ممّا تعلمه أو غير متابع لتطورات مهنته. سنسأل من سيجري العمليات الجراحية؟ الواقع القائم اليوم سيرد عليك. كثير من الأجهزة تقوم بجزء كبير من دور الطبيب. قبل سنوات قليلة كان على الطبيب أن يخمّن علة المريض، أما اليوم فهناك المنظار مثلاً. هذا المنظار سيسند أمره للممرضة فلا حاجة للطبيب لإجرائه ثم سيقوم الذكاء الصناعي بقراءة المعطيات ويصف لك الدواء أو الإجراء المناسب، وحتى إن طلب إجراء عملية جراحية فسوف تسند للآلة بقيادة الذكاء الاصطناعي خصوصاً أن مؤشرات هذا معمول بكثير منها، فالروبوت سيحل محل الطبيب. الروبوت لن يخطئ لأنه يتزوّد بالدقيقة والثانية بأحدث ما جد. نصيحتي لا تنصح عيالك وبناتك الالتحاق بكليات الطب.

الوظيفة الثانية التي سوف تختفي وظيفة المهندس.

قبل عدة أسابيع كنت أخطّط لتأسيس حديقة صغيرة في منزلي. نزّلت برنامجاً يصمّم ديكورات المنازل والمكاتب. صوّرت المكان الذي قررت أن أحوّله إلى حديقة وبالفعل أعطاني عدة خيارات، وأخيراً صمّم لي حديقة صغيرة بالصورة التي رغبتها. فدفعني هذا للبحث عن برامج تصمّم منزل برمّته مع حساب التكاليف فأعطاني عدة برامج لا تصمّم المنزل وتحسب التكاليف فقط بل تصمّم الأثاث والديكورات. ربما لا تكون هذه البرامج جاهزة الآن لتحل محل المهندس ولكن بعد سنوات قليلة سيغلق إخواننا المهندسين مكاتبهم ويبحثون عن وظائف يكسبون منها قرشين تسد احتياجاتهم إلى أن يفرجهاعليهم رب العالمين بالتقاعد ويلجأ إلى راتب التأمينات الاجتماعية الذي بالكاد يسد حاجاته اليومية.

الشيء الثالث اختفاء السيارات والطرقات والطائرات.

قبل فترة كنت أعتقد أن مسألة امتلاك سيارة سوف تصبح من الماضي. سوف تتحوّل البشرية إلى السيارة الذكية التي تقود نفسها بنفسها. سيأتي اليوم الذي تطلب السيارة التي تناسبك كما تطلب البيتزا وبعد دقائق ستجدها عند بابك بلا سائق. تقلك إلى مشوارك، وهذا طبعاً يعني اختفاء السيارات التي يقودها بشر عندئذ ستكون الطرقات تحت إدارة الذكاء الاصطناعي بالكامل. لن تعرف الأجيال القادمة إشارات عند التقاطعات ولا الحوادث والمخالفات.. فالسائق الذي يقود كل سيارات المدينة ببرنامج واحد، سوف ينظم نفسه بنفسه. هذا التحوّل يمكن مشاهدة طلائعه اليوم، فكثير من السيارات الفارهة توفر لك حساسات. هذه السيارات سوف تكون بديلاً للسيارات التي يقودها بشر، فإذا توفرت هذه الحساسات في كل السيارات مع إضافة ما سيجد من تقنيات أخرى تدير التقاطعات تختفي في النهاية الإشارات.

بيد أن الحرب الدائرة اليوم طوّرت نظرتي للمستقبل، حتى السيارات نفسها سوف تختفي وستحل محلها الدرونات. ستكون هذه الدرونات تحت إدارة برنامج واحد. تهبط على سطح منزلك وتطلع لها بالمصعد الخاص وتقلك إلى وجهتك داخل المدينة، كما سيأتي اليوم التي تأخذك فيه الدرونات إلى مدن العالم كله وهذا يعني اختفاء الطائرات أيضاً.

لكي تتخيل توقعاتي جيداً اسأل جدك عن الرادو والبكم والأسطوانات ومجبر العظام والمخطر، وهذا الأخير قضيب من الحديد طرفه محمر من شدة لهيب النار، إذا سمعت تشته في علباك راح تتعافى بالطيب أو بالقوة، أو أن تودع هذا العالم كما ودعه أسلافك من البشر.

00:00 | 26-06-2026

هوس تحويل الرواية إلى سينما أو مسلسل تلفزيوني..

من الصعب أن تفهم هذا الاندفاع لتحويل الروايات إلى سينما. الرواية لم تخلق لهذا. كُتبت الرواية لتقرأ. قوامها اللغة وباللغة تبنى المشاعر والشخصيات والأمكنة والأزمنة، والأهم أن جوهر الرواية يقوم على خلق مستمر بين طرفين لا ثالث لهما. إبداع مشترك بين الكاتب والقارئ، فالكاتب أثناء الكتابة لا يعرف ما الذي سوف يجري في الصفحة البيضاء التالية كما هو حال القارئ عندما يقرأ الرواية لأول مرة.

كل قارئ للرواية سوف يشاهد المرأة الجميلة في النص الروائي حسب رؤيته للجمال وثقافته وتجربته، فالياباني عندما يقرأ رواية سعودية لن يرى فيها المرأة السعودية التي تخلقت في ذهن الكاتب السعودي. سوف يستدني نموذج جمال الفتاة اليابانية المتشكل في وجدانه. هذه المرأة الجميلة في الرواية سوف تخلق من جديد مع كل قراءة في مكان آخر وفي ثقافة أخرى، بل حتى القارئ السعودي سيراها وفقاً لتشكلات الجمال في وجدانه وذاكرته وتجاربه وسنه.

العمل السينمائي سيكسر هذا الخلق المستمر للجمال في الرواية ويرسيه على جمال الممثلة التي اختارها، فكل من يشاهد الفيلم سيرى نفس المرأة سواء إن كان في الرياض أو طوكيو، عندئذ تنتهي جماليات الرواية وتبدأ جماليات السينما.

الشخصية في الرواية امرأة أو رجلاً ليست مجرد وجه وجسد وحركات وحوار، هي إنسان خارجي وداخلي: مشاعر وهموم وأفراح وأزمنة وأمكنة وتاريخ ومجتمع وحالة وجود إنساني يسهم في بنائها المؤلف باللغة وكل قارئ تقع بين يديه الرواية سيعيد بناءها بخياله من خلال اللغة أيضاً.

من هو هذا الإنسان الذي وضع في رؤوسنا أن الرواية مجرد سيناريو أو هي مجرد الحكاية التي تحتويها أو أنها مشروع كُتب لينتظر من يحوله إلى سينما أو مسلسل.

الرواية هي اللغة، هي في النهاية حالة شعرية وليست عملية سردية فحسب (فكونا من كلمة سردية تكفون). السرد واحد من عناصرها، بل إن كاتباً فرنسياً يدعى إلن روب جرييه سعى في زمن الحداثة إلى اقتلاع السرد من النص الروائي نهائيا. من يستطيع أن يحول رواية يولسس أو رواية صورة الفنان في شبابه لمؤلفهما جيمس جويس إلى فيلم سينمائي أو مسلسل. من يستطيع أن يحول أشباه تلك الروايات فيما يعرف بتيار الوعي إلى مسلسل أو فيلم سينمائي.

كلما قلت القيم الروائية في النص كلما استند مؤلفها على الحكاية أو السالفة إذا أردنا الدقة وبالتالي كل واحد يستطيع أن يكتب رواية. عندئذ تكون أقرب إلى التحول إلى عمل سينمائي؛ لأن قدرة الكاتب الإبداعية لم ترتق إلى المستوى الروائي وخاصة اللغوي فيتكئ على الحكاية، لذا نلاحظ أن أفضل الأعمال الروائية التي تصلح فيلما سينمائيا هي القصص البوليسية كقصص أجاثا كرستي وإيان فلمنق (ارسل لوبين) أو هاري بوتر لما تحتويه من توقع ومفاجآت وتحولات تشد المشاهد مع تدني مستوى اللغة.

عندما تشاهد فيلماً سينمائياً قام على رواية سبق أن قرأتها سوف تصدم، فكل الشخصيات والأماكن والأزمنة التي رأيتها في الرواية ليسوا هؤلاء الذين تراهم على الشاشة. في الرواية أسهمت في خلق الشخصيات، أنت الذي تخيل الأمكنة والأزمنة والأجواء.

أستطيع أن ألخّص لك رواية الحرب والسلام في مئة صفحة وستقرأها في عشرين دقيقة أو ساعة واحدة، عندئذ تستطيع أن تحاجج أنك قرأتها، بيد أن ما قرأته ليس سوى الحكاية وملخص لتاريخ روسيا المنطوي فيها. أين ذهبت الألفا صفحة التي احتوتها الرواية. ما استعصى على التلخيص هو ذلك الشيء الذي اسمه رواية وما حصلت عليه في الملخص والفيلم السينمائي هو الحكاية والحكاية ليست سوى جزء بسيط من الرواية المحتشدة في الألفي صفحة التي سطرها المؤلف في سنوات.

السرد متعدد: القصة القصيرة، المذكرات، سواليفنا عن الحوادث، والجن، والسباحين، وألف ليلة وليلة، وقصة عنتر إذا كان الأمر كذلك، لم لا نطلق على ألف ليلة وليلة رواية؟، لماذا لا نطلق على قصة عنتر رواية؟، لماذا لا نطلق على أساطير الجهيمان روايات؟.

الحديث عن تحويل العمل الروائي إلى سينمائي ليس سوى عدم فهم لطبيعة الفنين المختلفين والأخطر هو التقليل من قيمة الرواية كجنس أدبي عظيم. عندما اقتحم أدعياء النقد وعوام تويتر عالم الرواية ألاحظ أن الرواية على وجه الخصوص تم تتفيهها صارت في أحسن الأحوال مجرد سيناريو ينتظر من يستفيد منه.

الموسيقى ليست تناغم آلات تنتج أصواتاً وليس كلمات الأغنية فقط: مجموعة من المشاعر تتخلق في داخلك ترقى أحياناً إلى الحزن وأحياناً للحنين وقد تورد البكاء.

نقل الرواية إلى السينما كأنك تنقل كلمات أغنية لتمنحها لحناً آخر وتوزيعاً موسيقياً آخر ومغنياً آخر ومتلقياً مختلفاً، حتى لو كانت هي نفس الكلمات، فهي ليست نفس الأغنية ولن تكون.

لنقرأ هذا النص:

(انقضت العقبان على شرفات القصر الرئاسي خلال نهاية الأسبوع، فحطمت شباك النوافذ المعدنية بضربات مناقيرها، وحركت الزمن الراكد في الداخل برفيف أجنحتها ومع بزوغ شمس يوم الاثنين استيقظت المدينة من سبات قرون عديدة على نسمة رقيقة ودافئة، نسمة ميت عظيم ورفعة متعفنة. عندئذ فقط تجرأنا على الدخول، من دون مناطحة الجدران الحصينة منزوعة الملاط، كما يرى أكثرنا إقداماً ومن دون خلع المدخل الرئيسي بأعمدة نير الجواميس، كما اقترح آخرون، إذ إن دفعة واحدة كانت كافية لخلع الأبواب الثقيلة المصفحة عن مفاصلها، تلك الأبواب التي صمدت خلال عصر البطولات لمنجنيق وليم دان بييه. لقد خيّل إلينا أننا كنا ندخل أجواء عصر آخر، إذ إن الهواء كان أكثر خفة في مستنقعات أنقاض هذا العرين الرحب للسلطة وكان الصمت فيها أكثر قدماً ورؤية الأشياء صعبة في الضوء الذاوي على امتداد الباحة الأولى التي تزحزح بلاطها بضغط الأعشاب الطفيلية من تحت الأرض....) إلى آخر الرواية.

هذا مطلع رواية خريف البطريرك للكاتب الكولمبي غارسيا ماركيز. آثار المؤلف خيال القارئ صوب الجمال لا صوب الحكاية، كان يمكن أن يقول (حطمنا باب القصر واقتحمناه ودخلنا)، ولكن المؤلف ركب في هذا النص القصير التاريخ والطبيعة والحدث الأدنى وطاقته اللغوية، فإذا كنت تحب الشعر فأنت أمام قصيدة مفعمة بالجمال. تخيل كم مرة أعاد الكاتب كتابة هذا النص حتى بلغ ما جعلنا نراوح بين السرد والشعر. نذهب إلى الماضي قرونا ثم نعود مرة أخرى إلى حاضر الحدث. كل هذا في ثلاثة أو أربعة أسطر فقط. هذا ما يجعل الرواية نتاج سنوات من العمل اليومي الشاق والممتع، تجلى ثراء الكاتب اللغوي. في أسطر قليلة حصلت على تاريخ القصر وحصلت على صراع مع الطبيعة وحصلت على فارق الزمان بين ماضي الدكتاتور وحاضره فما بالك إذا أكملت قراءة الثلاثمائة صفحة المتبقية.

إذا كانت لغة الكاتب مسطحة أو مباشرة أو محدودة الألفاظ فسيكون خياله متدنياً فسيفتقر نصه للشعرية عندئذ سيسقط منه الجمال ويخرج من عالم الفن إلى السواليف. فكاتب السواليف ليس روائياً كلنا نستطيع أن نسولف ونكتب عشرات الصفحات عن (رجل دخل فيه جني وعض أمه وصرنا نطارده وصب دم وطلع الدم أخضر... إلخ).

الوحيد الذي يستطيع أن يقرر أن هذه الرواية تصلح للسينما هو المخرج السينمائي، هو من سيرى في هذا النص جماليات سينمائية يمكن التقاطها وإعادة تعميرها بالكاميرات والممثلين وما سوف تراه في النص السينمائي وهي العلاقة بما كنت تقرأه في الرواية. التشابه بين سعيد ومبارك لا يعني أنك تستطيع أن تحول سعيد إلى مبارك، فكلاهما تخلق بنطف مختلفة حتى وإن جاءا من رحم واحد.

صحيح أن هناك من الإخوة كتاب الرواية من يتمنى أن تتحول روايته إلى مسلسل أو سينما.. (أتحدث هنا عن الروائي الجاد فقط)، يريد لروايته أن تنتشر أو يكسب قرشين ولكنه لا يعتبر هذا مجدا لعمله لأن عمله بقي على الورق لم يمس.

ستمر الرواية التي يراد لها أن تتحول إلى سينما أو مسلسل بمراحل يجرى عليها تغييرات (جوهرية). كاتب السيناريو سينتزع منها ما يراه ويهمل الكثير ثم المنتج ثم المخرج ثم الممثلون والأهم التمويل المالي وأخيراً ستقوم الجهة الرقابية بشغلها دون أدنى علاقة لها بالفن أصلاً. كل هؤلاء هم مؤلفو الفيلم أو المسلسل، أما الرواية فليس لها سوى مؤلف واحد.

الرواية عمل فردي محض، بينما السينما عمل جماعي وقرارات إدارية متعددة من جهات مختلفة.

أحياناً يكون انتشار العمل وعدد القراء مدعاة لتحويلها إلى سينما؛ لأن زبون الفيلم جاهز، مثل هاري بوتر. الهدف هو استغلال اسم المؤلف ذائع الصيت أو انتشار الكتاب best sellers وأسباب كثيرة لتحويل العمل الروائي إلى سينما، لكن يبقى أهمها الربح المادي، فالشركات التي تنتج الأفلام السينمائية والتلفزيونية وتبذل فيها المال شركات تجارية لا شركات خيرية تدعم الإبداع والثقافة.

الرواية كُتبت لتُقرأ فقط.

00:01 | 21-04-2026

مسلسل الجرادية من الأخلاق إلى القانون..!

يواجه مسلسل الجرادية السعودي موجة من النقد تطال المسألة الأخلاقية المنطوية فيه على اعتبار أن العمل يقدّم المجتمع السعودي بصورة غير لائقة. هذا التوجه في النقد ليس الأول من نوعه فقد طال زميله شارع الأعشى قبله، وهذان العملان ليسا الأولين اللذين يتعرّضان لهذا النوع من المساءلة. بل يكاد لا يسلم مسلسل سعودي منها.


يثير هذا الطرح مسألة مهمة تتصل بالعلاقة بين العمل الدرامي والمجتمع الذي يستعيره النص أرضية يبني عليها مادته الدرامية. هذا يقودنا إلى أسئلة كثيرة منها: هل العمل الدرامي انعكاس للمجتمع وبالتالي يحاكم وفقاً لأخلاقيات المجتمع وقيمه؟ هل العمل الدرامي ينطوي على رسالة؟ هل العمل الدرامي يعالج مشاكل المجتمع... إلخ.


الإجابة بالنسبة لي دائماً لا. فالعمل الدرامي لا يمثل المجتمع المستعار منه، ولا ينطوي على رسالة ولا يعالج أي قضية، بيد أن مسلسل الجرادية أثار تحدياً لمبدئي هذا الذي آمنت به دائماً.


يشكّل الانتقام الثيمة (Theme) التي ينطلق منها المسلسل. ينفتح العمل على مشهد حادثة إلقاء القبض على سليمان الكفوف عندما كان يعيش في الجرادية في زمنها الأول. وبعد سنوات أمضاها في السجن خرج وعاد للجرادية للانتقام من أبناء الحارة الذين زجّوا به في جريمة يبدو أنه لم يرتكبها، رغم كبر السن وبعض المشاكل الصحية مازالت روح الانتقام تتملكه حتى النخاع. ضعفه الجسدي لا يعرقل حيوية رغبته في القتل والتدمير. لا يسعى فقط إلى الانتقام ممن أذاه في الزمن القديم، بل قرر مطاردة ذريتهم وإلحاق الأذى بهم. لا يقل عنه ابنه صقر في الرغبة العارمة في الانتقام، فصار يقوم بدور مركزي في العمليات، فأصبح المنفذ الأساسي لإرادة والده بمساعدة أخته منيرة التي نفذت أول الأعمال الإجرامية عندما رشت السم على كعكة زواج ياسر وعروسته رحمة، والتي نجت منها رحمة بعد إصابة خفيفة لم تدم طويلاً، بينما أصبح ياسر معاقاً طريح الفراش. ( حتى الحلقة 15).


عند التأمل في شخصية الأب ستتمنى لو أن شخصية الأب القادم للانتقام تحلت بقليل من البعد الإنساني كي يُمنح سبباً أخلاقياً يبرر به روح الانتقام المدمرة.


فالشر لا يمكن أن يكون نقياً كما هي حال الخير أيضاً. انعدام النقاء الأخلاقي في الشر أو في الخير من طبيعة الإنسان باستثاء السيكوباتيين. صراع النقيضين في داخل سليمان الكفوف مع استرجاع الماضي سيضيف بعداً تاريخاً يتوجب إعادته كي يمنح حارة الجرادية حضوراً تخيلياً في أذهان أبناء الرياض وسكانها من جيل اليوم. فكلمة الجرادية ليس اسماً مخترعاً خاصاً بالمسلسل، ولكنه يعود لواحدة من حارات الرياض الشهيرة في زمن خلا. إعادة بعثه بالاسترجاع (FLASH BACK) سيضيف ثراء للعمل، بيد أن العمل ترك الرجل بلا تاريخ إنساني وبلا انتماء عاطفي، فجعل منه مجرماً نقياً كالشيطان.


كما هي الحال دائماً في الأعمال الدرامية الجادة سنتابع صراعات وتحولات وانكشافات على الحياة الظاهرة والجوانية لشخوص العمل. تحتوي هذه الانكشافات على كثير من القضايا المثيرة التي تسترعي الانتباه.


كلما زادت طاقة التشويق (suspense) أصبحت في حاجة إلى مزيد من التناقضات حادة التضارب، الأمر الذي قد يدفع إلى تجاوز الخطوط الحمراء، وأشد الخطوط الحمراء احمراراً عند المشاهد السعودي التعرض للقضايا المتعلقة بالمرأة.


تلعب المرأة دوراً حيوياً في هذا المسلسل، ستجدها في كل شق فيه. الاندفاع في تكثيف التشويق دفع بالمرأة أن تضع قدمها على الخط الأحمر وبعضهن تجاوزن الخط الأحمر وتركنه وراءهن.


سنرى مثلاً زوجة الرسام مشعل العاكش تتراسل مع عشيقها، وهذا الزوج الطيب الفنان يرقد إلى جانبها غافلاً ببراءة المحب الحنون. والكارثة أن هذا العشيق لم يكن صادقاً بل مستأجراً هدفه التدمير ضمن سلسلة الانتقام من أهل الحارة التي خطط لها صقر بتوجيه من والده سليمان الكفوف.


كل من يتابع المسلسل سوف يكتشف أن معظم النساء في العمل تلوثن بالخطيئة إما بالانحراف أو بتعاطي المخدرات. ففي لحظة حاسمة -على سبيل المثال- سيخرج علينا رجل كان على علاقة بزوجة التاجر أبو راكان وهي امرأة على وشك مغادرة منتصف العمر. وعبر الاسترجاع FLASHBACK سنعرف أن هيئة الأمر بالمعروف ألقت القبض عليها - فيما مضى من حياتها - مع حبيبها هذا.


هناك كثير من المشاهدين انتقدوا المسلسل حد الإدانة لما انطوى عليه من خروج على القانون الأخلاقي السائد في المجتمع السعودي. كان يمكن أن يكتفي المسلسل بحالة أو حالتين ليعطي عمقاً وبعداً درامياً، ولكن المسلسل وظّف الشابات في المسلسل بكافة أطيافهن لإحداث الإثارة، لكنه لم يصحب ذلك بإلقاء قليل من الضوء على الفوارق الثقافية أو الاقتصادية أو التربوية التي تؤثر في السلوك وتدفع هذا دون ذاك للتلوث بالخطيئة.


لا نتحدث هنا عن حالات أخلاقية فقط، ولكن حالات درامية قابلة للاستيعاب لو أديرت فنيا بحيث نكون أمام عمل درامي فقط، وليس عملاً درامياً يضع ثقله على الإثارة.


اللافت للنظر والداعي للتأمل الجاد طبيعة النظرة الأخلاقية عند بعض الإخوة المشاهدين. فمن غير المفهوم أن تثور حساسية المشاهد عند انحراف المرأة ويعدها تشويهاً عظيماً لمجتمعه، وهو يشاهد في نفس الوقت جرائم الانتقام المروع والمخدرات... إلخ، دون أن تثور حساسيته الأخلاقية فلا يرى هؤلاء ذلك من مشوهات المجتمع.


لم يشر أي من قرأت لهم إلى الجرائم المريعة التي ينوي البطل ارتكابها، هل هذا المجتمع. لا يرى في تفشي الجريمة في مجتمعه ما يسيء إليه ولا يسيء إليه سوى انحراف النساء فقط.


ما دفع لهذا التكثيف الدرامي في ظني الإحساس أن خط القصة الأساسي أحياناً يهن وأحياناً يتوارى فيفقد انتباه المشاهد، فاعتمد الكاتب لتفادي هذا الضعف الطبيعي على فتح ملفات جديدة تثير المشاهد وتدفعه للاستمرار في التوقع.


الفن شيء والحياة ومجتمعاتها شيء آخر، لكن مسلسل الجرادية يقودنا إلى سؤال طرحه الغرب. الكل يعرف أن المجتمعات الغربية منفتحة بشكل كبير بالنسبة لمجتمعاتنا. عندئذ يأتي السؤال السعودي أو العربي ككل: من هو الجمهور المرشح لمشاهدة هذا العمل أو ذاك؟


ما قرأته من تعليقات على المسلسل ثمة من يرى أن هذا العمل سيئ، وآخرون لم يروا هذا. كيف نعالج هذا الفرق بين الطرفين؟


من شاهد شيئاً من الأعمال الدرامية الأمريكية سيرى عليها علامة تدل على نوعية المشاهد أو سنه. تصنيف أخلاقي وتربوي إذا جاز التعبير. عندما ترى الحرف G (General audiences) فهذا يعني أن العمل مفتوح يمكن أن يشاهده الجميع بمن فيهم الأطفال، وعندما تشاهد PG ( Parental guidance suggested) ستعرف أن هناك مشاهد في العمل تستوجب الحرص والتوجيه، وعندما ترى PG-13 (Parents strongly cautioned يتوجب الحرص الشديد خصوصا حضور صغار السن، لكن عندما تشاهد الحرف R (Restricted ) فهذا يعني أن هذا العمل يحتوي على مشاهد غير لائقة كالتعري أو العنف أو ينطوي على ألفاظ قبيحة. هذا التصنيف غير رقابي (يسمح أو يمنع). هذا تصنيف منظمة Motion Picture Association، وهناك تصنيفات أخرى لمنظمات أخرى شبيهة. هذه التصنيفات موجهة للأسر، لكل أسرة أن تتخذ قرارها سواء لمشاهدته أو السماح لأطفالها بمشاهدته.


في ظني نحتاج إلى مثل هذا النظام مع الأخذ في الاعتبار الثقافة السعودية والعربية وطبيعة المجتمع ودرجة محافظته وغيرها من المحددات. بالطبع يأتي هذا النظام بعد السماح للعمل بالبث أصلاً.


على المستوى الفني مسلسل الجرادية مسلسل قوي، لعب المخرج والفنانون أدوارهم باحترافية وإتقان، رغم أن الأعمال التلفزيونية السعودية للتو بدأت تتلمس طريقها نحو الدراما.

19:35 | 6-03-2026

ما هو السلام الإبراهيمي ؟

وقّعت مصر والأردن معاهدة سلام مع إسرائيل، ثم تحوّلت كلمة سلام إلى تطبيع. أصبحت الأخيرة أكثر تداولاً من كلمة سلام، فاعتمدت كوصف رسمي لأي معاهدة سلام بين العرب وإسرائيل. الجدير بالملاحظة، أن كلمة تطبيع لا تصف سوى السلام بين العرب وإسرائيل. عندما وقّعت المملكة اتفاقية إعادة العلاقة مع إيران لم تستخدم كلمة تطبيع ولم تُسمَّ سلاماً، بل إعادة علاقات، فالتطبيع لا يعني فقط القبول بالسلام بين دولتين كتبادل السفارات واتفاقيات تجارية واستقبال سيّاح. يراد له نقل السلام إلى الشعوب على أمل أن تلزم الحكومات العربية الموقّعة مع إسرائيل شعوبها به، لعل قبول إسرائيل يتغلغل في عمق الثقافة الشعبية. فتبيّن، أن التطبيع أياً كانت محاولات تعميقه سيبقى في حدود الزمن الحاضر وقشرة رقيقة لا تمس وجدان الإنسان العربي والمسلم. فالتناقض بين الشعوب الإسلامية وإسرائيل يذهب إلى الدين والتاريخ. محاولات التطبيع لا تستطع أن تغيّر حقائق التاريخ أو تعيد تشكيل الدين وتكييفه. لذا بعد اعتماد كلمة السلام الإبراهيمي تم حذف كلمة تطبيع بعد أن فشلت في القيام بواجبها.

الانتقال من (تطبيع) إلى (السلام الإبراهيمي) هو الانتقال من معالجة أمور الدنيا إلى معالجة أمور الثقافة والتاريخ والدين كما تشي كلمة (الإبراهيمي)

قال مرة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريل شارون «العرب اعترفوا بقوتنا ولم يعترفوا بحقنا في الوجود»، أي أن العرب يرون أن شرعية إسرائيل مرهونة بالقوة فقط. إذا أرادت إسرائيل البقاء عليها أن تبقى قوية منيعة، بل أقوى من العرب مجتمعين.. ولكن بقدر ما تؤمّن القوة الأمن لإسرائيل هي في الحقيقة مصدر خطر عليها، فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في الدنيا وفي التاريخ التي لا تملك حق الضعف. كل دولة وكل كائن وكل جماد لا بد أن يمر بمرحلة ضعف. هذا حق تفرضه سنة الطبيعة. بانتفاء حق إسرائيل في الضعف يسقط عنها مفهوم دولة. ها هو الصومال في أضعف حالاته ولم يتبخر؛ لأنه شعب أصيل على أرضه.

هنا علينا ان نطرح السؤال: ما هو السلام الإبراهيمي؟ هذا السؤال ليس بالبساطة التي تفهم بها هذه الكلمة عندما تمر عليك في وسائل الإعلام. قد يكون أخطر سؤال يمر عليك كعربي ومسلم.

أذربيجان دولة مسلمة تقيم أمتن علاقة بإسرائيل. تعاون إستراتيجي عسكري، تعاون تجاري، تعاون سياسي بل نفضت يدها من القضية الفلسطينية. علاقتها بإسرائيل علاقة أخوية وليست مجرد علاقة دولة بدولة ومصالح. ورغم ذلك دفعوها للانضمام للسلام الإبراهيمي. لماذا؟!

علينا أن نعلم أن السلام مع إسرائيل هو سلامان، أحدهما يتعالى على الآخر وليس سلاماً واحداً كما هي الحال بين الدول كافة.

هناك سلام مع إسرائيل يقوم على الاعتراف (بوجود دولة إسرائيل)، هذا ما وقّعت عليه مصر والأردن، وهناك سلام آخر يجب أن يقوم على الاعتراف بـ(حق إسرائيل في الوجود)، أي أن يعترف العرب والمسلمون ثقافياً ودينياً وتاريخياً بوجود إسرائيل.

الأول سلام سياسي وسلام ضرورة، والآخر سلام ديني وتاريخي، والسلام الديني التاريخي يفترض أن يحذف أحد الطرفين شيئاً من دينه ومن تاريخه ليتفق مع دين الآخر وتاريخه.

قال نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعد أن مهّد الأوضاع من حوله بالقوة العسكرية: (سنغير الثقافة). ما هي هذه الثقافة التي يريد أن يغيرها؟ ثقافة الشعب هي دين الشعب وتاريخه وعاداته ولغته، وما علاقة ذلك بالتحوّل من كلمة التطبيع إلى السلام الإبراهيمي؟

كيف أتى إبراهيم بعد أكثر من سبعين سنة ليجمع المسلمين مع إسرائيل على سلام غير مسبوق؟

يقول تعالى: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (سورة آل عمران: 67).

هذه الآية الكريمة لا تحتاج إلى تفسير ولا تحتمل التأويل. هل هذا هو إبراهيم الذي يؤمن به اليهود والمسيحيون الإنجليكان.

أم أن الاعتراف (بحق) إسرائيل في الوجود لن يرتكز على إبراهيم المسلم، كما عرفه القرآن وإنما سيرتكز على إبراهيم الذي ورد في التوراة ومن ثم القبول بالعهد الإبراهيمي. ترى ما هو هذا العهد الذي قطعه الرب لبني إسرائيل كما تقول التوراة في سفر التكوين:

سفر التكوين 15: 18: «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ». (3، 4)

سفر التكوين 17: 8: «وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ». (5)

بمقارنة هذه النصوص التوراتية مع الآية الكريمة أعلاه، علينا أن نسأل من هو الشعب الذي سيفرض إبراهيميته وتاريخه على الآخر. هل الاتفاق الإبراهيمي سيستند على إبراهيم المسلم الحنفي الذي حدده القرآن الكريم بوضوح لا لبس فيه، أم إبراهيم الذي منح اليهود والمسيحيين الإنجليكانيين أرض فلسطين قبل أربعة آلاف سنة؟!

وعلى المستوى التاريخي ماذا سنقول لأطفالنا في المدرسة: هل حرر صلاح الدين القدس أم نقول احتلها إلى أن جاء الإسرائيليون وحرروها من أحفاده؟!

00:00 | 13-01-2026

فزعة عبدالرحمن الراشد لبنات الرياض !

كتب الأستاذ عبدالرحمن الراشد تغريدة، تعليقاً على ما طرحته مؤخراً حول نسبة رواية بنات الرياض للاسم الذي خط على غلاف الرواية. لم أفهم هذه التغريدة لا لقصور في قدرة الأستاذ عبدالرحمن على التعبير، ولكن أن يأتي كاتب في شهرته بعد أربعين سنة قضاها في كتابة المقالات وإدارة أهم وسائل الإعلام ليضع نفسه نصيراً للمرأة في زمن لم تعد فيه حاجة لمن يناصرها.

يقول الأستاذ عبدالرحمن، في تغريدته: «أتفق معك، جدار قصير. عادة يغلب التشكيك ربما نتيجة غياب المرأة من المحافل الأدبية. عندما صدرت رواية بنات الرياض كان بعض النقاد يصفها بأنها مجرد سواليف بنات مبعثرة ولا ترقى لمستوى الرواية! وبعد نجاحها أصبح يقال ليس بمقدور بنت أن تكتب هذه الرواية الرائعة. على أية حال هي وجهات نظر، وعلى كاتبة الرواية بدلاً من اللجوء إلى مراكز الشرطة والمحاكم أن تسعد بالهرج والمرج حولها؛ لأنه يبعث على الحياة، فالإنكار نوع من أنواع الإعجاب: كيف لفتاة مراهقة أن تكتب هذا العمل التوثيقي الرائع الذي لا يمكن أن يرويه إلا رجل وكبير في العمر».

كنت سألوم الأستاذ عبدالرحمن على هذا الاطناب للرواية، وتكون المسألة وجهة نظر، لو أنه كتب هذا الرأي أصالة من خلال قراءته للرواية وقراءته لرأيي موضع النقاش، وفند بإحساس من المسؤولية ادعاءاتي، ولكنه أخذ رأيه هذا من تغريدة، صاحبتها لا تتقن حتى قواعد الإملاء.

الإنسان المسؤول، خصوصاً في منصب وشهرة وقامة الأستاذ عبدالرحمن، إما أن يقدّم رأيه مستنداً على المرجعيات التي انطلق منها النقاش أو أن يصمت.

يقول الراشد، في التغريدة أعلاه: «عادة يغلب التشكيك ربما نتيجة غياب المرأة من المحافل الأدبية». لعل الراشد لم يسمع ببدرية البشر وأميمة الخميس ورجاء عالم وفوزية البكر وفوزية أبو خالد وغيرهن من الكاتبات السعوديات اللاتي ساهمن وما زلن يسهمن في إثراء الحياة الثقافية، (المحافل!) ربما جهله هذا نتيجة انشغاله بإبداعات ومشاركات رجاء الصانع المتواصلة في العشرين السنة الماضية. وأذكره أن المرأة حتى أيام الصحوة كانت حاضرة دائماً في (المحافل!) وقدمت إنتاجاً كبيراً على كل المستويات وفي الوقت نفسه لم نسمع أن أحداً نسب أعمالهن لذكور أو شكك فيها؛ «لأنها أعمال أصيلة». من الواضح أن إحساس التفوق الذكوري لم يظهر في ذهن الراشد إلا مع رجاء الصانع اعتماداً على ما قرأ في التغريدة التي زودته بالفكرة التي كتبها والتي شجعته أن يخوض في ساحة لا علاقة له بها.

في بداية علاقتنا بالأدب، علّمونا أن هناك شيئاً اسمه النقد الأدبي، ومع دخول أهل الضجيج الأدبى في الجرائد ظهر لنا شيء اسمه النقد الثقافي، ومع دخول «السوشل ميديا» في حياتنا عرفنا نقداً جديداً اسمه «النقد التفاهي»، وبعد أن نقل بعضهم مراقدهم ومخادهم وكنابلهم واستقروا في (x) تويتر سابقاً، دخلنا مرحلة جديدة في النقد اسمها «النقد الفزعاوي»!.

ميزة «النقد الفزعاوي»، أن الفزعة في حد ذاتها عمل خيري يؤجر عليها فازعها، مع كل فزعة أدبية سوف تكسب أجراً بإذن الله، شريطة أن تردد في سرك قبل أن تبدأ الفزعة «مسيكينة لازم نفزع لها».

إذا كان الأستاذ عبدالرحمن يفزع لرجاء الصانع بوصفها امرأة، أين كان الراشد عندما كنا ككتاب ومثقفين نتصارع أكثر من عشرين سنة مع القيود التي كانت تكبل المرأة. عندما كنا نتعرض للشتائم والتهديدات وقطع الأرزاق والطعن في ديننا وأخلاقنا. لماذا لم تظهر هذه الفزعة آنذاك. لا أعتقد أن إنساناً عاش معنا زمن الصحوة يزايد علي وعلى زملائي الكتاب الشجعان، الذين وقفوا بصلابة مع حقوق المرأة انتصاراً للإنسان وليست مجرد فزعة «تويترية» في سطرين بعد أن صارت عوافي.

كاتب في خبرة الراشد يتوجب عليه عندما يطرح رأياً أن يكون مقيداً بالإحساس بالمسؤولية لا أن يضع تاريخه وسمعته نهباً للنقد «الفزعاوي» المتفشي بين سكان تويتر (إكس)

رغم أن الرواية واحدة من أهم الأجناس الأدبية في العالم، تنافس بجمالياتها جماليات الشعر أصبحت في المملكة جنساً أدبياً مبتذلاً. بفضل تويتر صار أي إنسان حتى لو لم يقرأ رواية واحدة في حياته يستطيع أن يقدم رأياً فيها ويفنّد رأي الآخرين إذا أراد.

ثمة مشكلة أوسع يهددنا بها تويتر (إكس). يستطيع المرء أن يقول كلاماً في الأدب والفكر والفلسفة دون تدبر وحتى لو لم يكن له علاقة بالموضوع أصلاً، فالمسألة كلها سطران لا تكلف صاحبها سوى قليل من الهواجيس.

00:00 | 11-01-2026

النقد «التفاهي».. التنظير لسخف «السوشل ميديا» !

سمعت وبالصدفة رجلاً يتحدث في بودكاست قائلاً (إذا عاملت المرأة ملكة عاملتك عبداً، وإذا عاملت المرأة جارية عاملتك ملكاً). لا أعلم هل هذا ينطبق على التعامل مع الأمهات أيضاً.

لم أغضب ولم أحتج بل ولم أشعر أن ثمة شيئاً يستوجب القلق فالواتساب بين يدي منذ سنوات وأحياناً أتابع «إكس» أو يفرض علي أن أتابعه.

تصلني كما تصلكم مقاطع من تطبيقات «السوشل ميديا» المختلفة. الشيء الذي لم ينتبه له بعض الناس أو لم يولوه الاهتمام الكافي أن البشر كانوا قبل «السوشل ميديا» أصنافاً وأنواعاً: أذكياء وأغبياء، جهلة ومتعلمين، خريجي جامعات وخريجي سجون، طيبين وأنذالاً، بل كان بيننا مثقفون حقيقيون ودجالو ثقافة أيضاً. مع «السوشل ميديا» لم يتغيّر البشر ولم يأتِ جديد، ولكن مع «السوشل ميديا» تساوى الجميع في حق الانتشار. فسخيف حارتنا أصبح متاحاً لكل الحارات، ومعتوه حارتكم أصبح من حقه أن يصل إلينا.

في الماضي في زمن محدودية وسائل الإعلام كانت المنابر تقتصر على عدد قليل من البشر. يمر إنتاجهم الفكري وآراؤهم المتجهة للنشر عبر محررين ومراقبين. لم يختلف البشر الذين كانوا عن البشر اليوم، الذي اختلف (الإتاحة). كان المعتوهون وقليلو الحظ يتحركون في أطرهم المحدودة وبين شللهم في الحارة، وكان الناس الطبيعيون يأخذونهم على قد عقولهم دون أن يخالطوهم بكثرة أو ينقلوا عنهم، وحتى إن حدث هذا يبقى عتههم ينتشر في الدائرة التي يتحركون فيها وربما يفيض قليلاً على الدوائر المجاورة.

من المشاكل الأساسية أن بعض العقلاء هبطت حساسيتهم الكوميدية مع تدفقات الـ«تيك توك» على أجهزتهم فأصبح كل شيء وأي شيء يضحكهم أو يسليهم، فصاروا بوابة لعبور المضحكات الساذجة لحسابات الآخرين (امرأة متينة تسقط في مسبح فيتناثر الماء على مستوى أمواج البحر، أو قرد يخطف موزة من سائح، أو سائق دراجة يدفه خويه في ساقي، أو قطة تبصبص من تحت فستان صاحبتها إلخ). خفة هذه المضحكات وسرعة وصولها وقصر زمنها جعلتها سهلة التداول.

وبالطبع دخل من يسخّف القراءة، والأهم ظهر من ينظر للتفاهة والرداءة. وبلغ الأمر التنظير الاجتماعي والأخلاقي كما قرأتم في مطلع هذا المقال.

من أهم مكاسب هذا السخف المتراكم أنه كشف عن عقلية وثقافة محبي الضجيج الثقافي، فأصبحنا على عتبات الانتقال مما يُطلق عليه أصحابه النقد الثقافي إلى «النقد التفاهي»!!.

00:03 | 22-12-2025

الغش الديني سبيل الطقوسيين إلى الجنة

لا أعرف ما أسميه، فاخترت أن أسميه الغش الديني، رغم تناقض الكلمتين (الدين والغش)، فالدين يحرم الغش، وبالتالي نظريا لا يمكن أن يكون هناك غش ديني. لكن أن يأتي مسلم ويرشي تاجر فيز أو تاجر تهريب لكي يأخذه لمكة كي يؤدي فريضة دينية فهذا غش صريح. فالمسلم البالغ يعرف أن الحج فريضة على من استطاع إليه سبيلا، والاستطاعة إما بالقدرة المالية أو بالصحة البدنية أو توفر السبل والفرص والأمن و الأنظمة والقوانين.

أين تقع مشكلة هؤلاء الذين يسعون للحج بأي طريقة دون مراعاة الجانب الأخلاقي. يعلمون علم اليقين أن الحكومة السعودية لا مصلحة لها في منع المسلم من أداء واجبه الديني، ولا يدرك هؤلاء المسلمون أن رشوة مهربي البشر ليست مجرد أمر عابر. فهذا الشخص المرتشي يرتكب عملا إجراميا. من يعمل على تهريب حجاج لن يتردد أن يعمل على تهريب أي شيء من أجل المال.

كيف يمكن معالجة هذا الأمر المتكرر. القضية ليست في الحج فقط. ثمة مشكلة أخلاقية عامة تـأسست منذ زمن بعيد. تكرست بعد أن فصل الدعاة الشعائر الدينية عن بعدها الأخلاقي والإنساني. حطمت كثير من الفتاوى المضللة ضمائر بعض الناس حتى حلت الفتوى عندهم محل ضمائرهم وأخلاقياتهم الفطرية.

في صباح يوم جمعة الساعة العاشرة تقريبا كنت أسير في أحد شوارع تورونتو الكندية، فشاهدت محل إصلاح جوالات فتذكرت أن شاشة جوالي الاي فون مكسورة، فانتهزت الفرصة لتغييرها. سألت صاحب المحل وهو شاب أفغاني عن تكلفة تغيير الشاشة فقال: الأصلية ستكلفك سبعين دولاراً والتقليد خمسين دولاراً، تذكرت أن سعر الشاشة في متجر ابل يكلف 150 دولاراً، فسألته عن سبب هذا الفارق الكبير في السعر فقال: إن شركة ابل ومتجر ابل يرفعون الأسعار بسبب اسمهم وموقع متجرهم وطمعهم الخ. فوافقت أن يركب الأصلية ولكنه اعتذر لأنه في عجلة من أمره. يريد أن يذهب للبيت ليستعد للصلاة في المسجد. رغم محاولاتي إلا أنه أصر فأكبرت فيه إيمانه. بعد الصلاة عدت إليه وركب الشاشة. بعد أيام طويلة كنت أتجول في الحي الصيني فشاهدت متجرا لإصلاح الجوالات فتذكرت شاشة جوالي وقلقي من فرق السعر الهائل عند ذاك الأفغاني المسلم المتدين وسعر الشاشة في متجر ابل. فقررت أن أختبر حقيقة هذه الشاشة. عرضتها على الصيني. قلبها قليلا وقال هذه تقليد بخمسين دولارا، ثم قال عندي الأصلية ولكنها سوف تكلفك مئة وخمسين دولارا، ثم أردف قائلا: جوالك قديم فلا داع لاستبدال الشاشة.

الصيني، لا أعرف ما هو دينه، كان صادقا وناصحا معي، والأفغاني المسلم الحريص على الصلاة غشني. فتذكرت حالات لا حصر لها في المملكة وفي بلاد المسلمين عامة. سترى حرصا مبالغا فيه على الشعائر والطقوس مصحوبا بضعف في الجانب الأخلاقي. ليس غريبا عليكم أن يرمي أحدهم - وما أكثرهم - سيارته في أي مكان سادا الطريق ويهرع لأداء الصلاة مستهترا بحاجة الناس للمرور. ثمة انفصال كبير بين الأخلاق والشعائر عند هؤلاء الذين اسميهم (الطقوسيين). فالدين عندهم مجرد مجموعة من الطقوس تدخلهم الجنة بضمانة الدعاة. رجل سبق أن أدى فريضة الحج، ربما خمس مرات وما زال يريد أن يحج حتى عن طريق الغش والخداع والمراوغة ودفع رشوة، ثم يعود إلى دياره مهللا مكبرا يتلقى التهاني والتبريكات.
23:56 | 7-06-2025

الرواية وجائزة القلم الذهبي

فجأة ظهر لي أمر تمنيته، ولم أكن أتوقعه أن يحدث، ولم أتوقع أن أكون مساهماً فيه.

أحببت الرواية منذ يفاعتي حتى صارت الروايات في حياتي كالأغنيات أردد قراءة الروايات الجميلة أكثر من عشر مرات. لا يمضي يومي دون قراءة ولو جزء من رواية حتى تبعثرت الروايات تحت سريري. بعض الشخصيات الروائية أصبحوا أصدقائي على حد تعبير أحد النقاد الأمريكان الجنوبيين.

في أواخر السبعينات عندما كنت طالباً التحقت بالحركة الثقافية في المملكة. أصبحت محرراً ثقافيّاً في جريدة الرياض. في الوقت الذي كانت الحركة الثقافية مُلقية بثقلها على القصة القصيرة والشعر الحديث لا ينافسهما سوى تعليقات النقاد، لم يكن بين يدي شيء أكتب عنه سوى الروايات القليلة التي تصدر في المملكة، وفي التسعينات ترجمت عدداً من الحوارات لعدد من الكتّاب العالميين مثل غارسيا ماركيز وهامنقوى وبورخيس وآشبي وغيرهم من الكتاب والروائيين من مجلة أمريكية فرنسية اسمها (ذا باريس رفيو)، نشرتها كسلسلة أسبوعية في جريدة الجزيرة.

مع دخول القرن الواحد والعشرين وانهيار حركة الحداثة بلغت المحاولات الروائية في المملكة مرحلة تتّسم بالجدية والإبداع والروح السعودية.

من يظن أن رؤية 2030 التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان تقود السعودية نحو الرفاهية وتنويع الاقتصاد وتعزيز الأمن وبناء أمة جديدة لم يتأمل في الدور الذي تقوم به هيئة الترفيه. من يتابع إنجازات هيئة الترفيه سيكتشف أن الجمال في صلب رؤية 2030 وأحد أعمدتها، فالهيئة ليست جهازاً تنظيميّاً فحسب، فقد أعادت تأصيل جماليات السعودية التي كادت تندثر، أعادت الإبداع الشعبي للذاكرة والوجدان. سمع الجيل الجديد السامري والخبيتي والينبعاوي وطربات فنانين طواهم النسيان، وحظي مبدعو الفن الراحلون والأحياء بالتقدير والتكريم بعد أن كاد فنهم يطمسه تتابع الزمان والإهمال والمحاصرة. فما تنجزه الهيئة ليس مجرد ترفيه ينتهي في ليلته. أكاد أجزم أن تركي آل الشيخ يشتغل أربعاً وعشرين ساعة. أقام المسارح والاستديوهات، وأنتج أعمالاً فنية، وقدم فنانين من جميع أنحاء العالم. يصنع فناً جديداً، ويرمّم الفن القديم؛ ليتكامل الجمال في وجدان كل الأجيال. ولكي تعرف محمد بن سلمان انظر إلى رجاله الذين اختارهم يعملون تحت قيادته؛ لبناء نهضة شاملة.

جائزة القلم الذهبي لم تكن حتى حلماً ننتظره. رأينا جوائز محدودة وبسيطة، كنا فقط نتمنى استمرار هذه الجوائز على قاعدة المثل الشعبي (العوض ولا القطيعة) حتى العوض لم نشهده، ولم يطمح أي كاتب جاد لنيله. بعض هذه الجوائز مات وبعضها ينتظر من يرفع عنه الأجهزة ليرقد بسلام.

جائزة القلم الذهبي لا تشبهها جائزة أخرى على مستوى العالم. ترعى فنَّيْن من أعظم فنون السرد (الرواية والسينما)، وتدعم الناشرين والمترجمين، وهي الجائزة الأكثر نزاهةً وكرماً، والخالية من تلوث الأيديولوجيا والأجندات الخفية.
00:03 | 25-02-2025