أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1503.jpg&w=220&q=100&f=webp

عبدالله بن بخيت

هوس تحويل الرواية إلى سينما أو مسلسل تلفزيوني..

من الصعب أن تفهم هذا الاندفاع لتحويل الروايات إلى سينما. الرواية لم تخلق لهذا. كُتبت الرواية لتقرأ. قوامها اللغة وباللغة تبنى المشاعر والشخصيات والأمكنة والأزمنة، والأهم أن جوهر الرواية يقوم على خلق مستمر بين طرفين لا ثالث لهما. إبداع مشترك بين الكاتب والقارئ، فالكاتب أثناء الكتابة لا يعرف ما الذي سوف يجري في الصفحة البيضاء التالية كما هو حال القارئ عندما يقرأ الرواية لأول مرة.

كل قارئ للرواية سوف يشاهد المرأة الجميلة في النص الروائي حسب رؤيته للجمال وثقافته وتجربته، فالياباني عندما يقرأ رواية سعودية لن يرى فيها المرأة السعودية التي تخلقت في ذهن الكاتب السعودي. سوف يستدني نموذج جمال الفتاة اليابانية المتشكل في وجدانه. هذه المرأة الجميلة في الرواية سوف تخلق من جديد مع كل قراءة في مكان آخر وفي ثقافة أخرى، بل حتى القارئ السعودي سيراها وفقاً لتشكلات الجمال في وجدانه وذاكرته وتجاربه وسنه.

العمل السينمائي سيكسر هذا الخلق المستمر للجمال في الرواية ويرسيه على جمال الممثلة التي اختارها، فكل من يشاهد الفيلم سيرى نفس المرأة سواء إن كان في الرياض أو طوكيو، عندئذ تنتهي جماليات الرواية وتبدأ جماليات السينما.

الشخصية في الرواية امرأة أو رجلاً ليست مجرد وجه وجسد وحركات وحوار، هي إنسان خارجي وداخلي: مشاعر وهموم وأفراح وأزمنة وأمكنة وتاريخ ومجتمع وحالة وجود إنساني يسهم في بنائها المؤلف باللغة وكل قارئ تقع بين يديه الرواية سيعيد بناءها بخياله من خلال اللغة أيضاً.

من هو هذا الإنسان الذي وضع في رؤوسنا أن الرواية مجرد سيناريو أو هي مجرد الحكاية التي تحتويها أو أنها مشروع كُتب لينتظر من يحوله إلى سينما أو مسلسل.

الرواية هي اللغة، هي في النهاية حالة شعرية وليست عملية سردية فحسب (فكونا من كلمة سردية تكفون). السرد واحد من عناصرها، بل إن كاتباً فرنسياً يدعى إلن روب جرييه سعى في زمن الحداثة إلى اقتلاع السرد من النص الروائي نهائيا. من يستطيع أن يحول رواية يولسس أو رواية صورة الفنان في شبابه لمؤلفهما جيمس جويس إلى فيلم سينمائي أو مسلسل. من يستطيع أن يحول أشباه تلك الروايات فيما يعرف بتيار الوعي إلى مسلسل أو فيلم سينمائي.

كلما قلت القيم الروائية في النص كلما استند مؤلفها على الحكاية أو السالفة إذا أردنا الدقة وبالتالي كل واحد يستطيع أن يكتب رواية. عندئذ تكون أقرب إلى التحول إلى عمل سينمائي؛ لأن قدرة الكاتب الإبداعية لم ترتق إلى المستوى الروائي وخاصة اللغوي فيتكئ على الحكاية، لذا نلاحظ أن أفضل الأعمال الروائية التي تصلح فيلما سينمائيا هي القصص البوليسية كقصص أجاثا كرستي وإيان فلمنق (ارسل لوبين) أو هاري بوتر لما تحتويه من توقع ومفاجآت وتحولات تشد المشاهد مع تدني مستوى اللغة.

عندما تشاهد فيلماً سينمائياً قام على رواية سبق أن قرأتها سوف تصدم، فكل الشخصيات والأماكن والأزمنة التي رأيتها في الرواية ليسوا هؤلاء الذين تراهم على الشاشة. في الرواية أسهمت في خلق الشخصيات، أنت الذي تخيل الأمكنة والأزمنة والأجواء.

أستطيع أن ألخّص لك رواية الحرب والسلام في مئة صفحة وستقرأها في عشرين دقيقة أو ساعة واحدة، عندئذ تستطيع أن تحاجج أنك قرأتها، بيد أن ما قرأته ليس سوى الحكاية وملخص لتاريخ روسيا المنطوي فيها. أين ذهبت الألفا صفحة التي احتوتها الرواية. ما استعصى على التلخيص هو ذلك الشيء الذي اسمه رواية وما حصلت عليه في الملخص والفيلم السينمائي هو الحكاية والحكاية ليست سوى جزء بسيط من الرواية المحتشدة في الألفي صفحة التي سطرها المؤلف في سنوات.

السرد متعدد: القصة القصيرة، المذكرات، سواليفنا عن الحوادث، والجن، والسباحين، وألف ليلة وليلة، وقصة عنتر إذا كان الأمر كذلك، لم لا نطلق على ألف ليلة وليلة رواية؟، لماذا لا نطلق على قصة عنتر رواية؟، لماذا لا نطلق على أساطير الجهيمان روايات؟.

الحديث عن تحويل العمل الروائي إلى سينمائي ليس سوى عدم فهم لطبيعة الفنين المختلفين والأخطر هو التقليل من قيمة الرواية كجنس أدبي عظيم. عندما اقتحم أدعياء النقد وعوام تويتر عالم الرواية ألاحظ أن الرواية على وجه الخصوص تم تتفيهها صارت في أحسن الأحوال مجرد سيناريو ينتظر من يستفيد منه.

الموسيقى ليست تناغم آلات تنتج أصواتاً وليس كلمات الأغنية فقط: مجموعة من المشاعر تتخلق في داخلك ترقى أحياناً إلى الحزن وأحياناً للحنين وقد تورد البكاء.

نقل الرواية إلى السينما كأنك تنقل كلمات أغنية لتمنحها لحناً آخر وتوزيعاً موسيقياً آخر ومغنياً آخر ومتلقياً مختلفاً، حتى لو كانت هي نفس الكلمات، فهي ليست نفس الأغنية ولن تكون.

لنقرأ هذا النص:

(انقضت العقبان على شرفات القصر الرئاسي خلال نهاية الأسبوع، فحطمت شباك النوافذ المعدنية بضربات مناقيرها، وحركت الزمن الراكد في الداخل برفيف أجنحتها ومع بزوغ شمس يوم الاثنين استيقظت المدينة من سبات قرون عديدة على نسمة رقيقة ودافئة، نسمة ميت عظيم ورفعة متعفنة. عندئذ فقط تجرأنا على الدخول، من دون مناطحة الجدران الحصينة منزوعة الملاط، كما يرى أكثرنا إقداماً ومن دون خلع المدخل الرئيسي بأعمدة نير الجواميس، كما اقترح آخرون، إذ إن دفعة واحدة كانت كافية لخلع الأبواب الثقيلة المصفحة عن مفاصلها، تلك الأبواب التي صمدت خلال عصر البطولات لمنجنيق وليم دان بييه. لقد خيّل إلينا أننا كنا ندخل أجواء عصر آخر، إذ إن الهواء كان أكثر خفة في مستنقعات أنقاض هذا العرين الرحب للسلطة وكان الصمت فيها أكثر قدماً ورؤية الأشياء صعبة في الضوء الذاوي على امتداد الباحة الأولى التي تزحزح بلاطها بضغط الأعشاب الطفيلية من تحت الأرض....) إلى آخر الرواية.

هذا مطلع رواية خريف البطريرك للكاتب الكولمبي غارسيا ماركيز. آثار المؤلف خيال القارئ صوب الجمال لا صوب الحكاية، كان يمكن أن يقول (حطمنا باب القصر واقتحمناه ودخلنا)، ولكن المؤلف ركب في هذا النص القصير التاريخ والطبيعة والحدث الأدنى وطاقته اللغوية، فإذا كنت تحب الشعر فأنت أمام قصيدة مفعمة بالجمال. تخيل كم مرة أعاد الكاتب كتابة هذا النص حتى بلغ ما جعلنا نراوح بين السرد والشعر. نذهب إلى الماضي قرونا ثم نعود مرة أخرى إلى حاضر الحدث. كل هذا في ثلاثة أو أربعة أسطر فقط. هذا ما يجعل الرواية نتاج سنوات من العمل اليومي الشاق والممتع، تجلى ثراء الكاتب اللغوي. في أسطر قليلة حصلت على تاريخ القصر وحصلت على صراع مع الطبيعة وحصلت على فارق الزمان بين ماضي الدكتاتور وحاضره فما بالك إذا أكملت قراءة الثلاثمائة صفحة المتبقية.

إذا كانت لغة الكاتب مسطحة أو مباشرة أو محدودة الألفاظ فسيكون خياله متدنياً فسيفتقر نصه للشعرية عندئذ سيسقط منه الجمال ويخرج من عالم الفن إلى السواليف. فكاتب السواليف ليس روائياً كلنا نستطيع أن نسولف ونكتب عشرات الصفحات عن (رجل دخل فيه جني وعض أمه وصرنا نطارده وصب دم وطلع الدم أخضر... إلخ).

الوحيد الذي يستطيع أن يقرر أن هذه الرواية تصلح للسينما هو المخرج السينمائي، هو من سيرى في هذا النص جماليات سينمائية يمكن التقاطها وإعادة تعميرها بالكاميرات والممثلين وما سوف تراه في النص السينمائي وهي العلاقة بما كنت تقرأه في الرواية. التشابه بين سعيد ومبارك لا يعني أنك تستطيع أن تحول سعيد إلى مبارك، فكلاهما تخلق بنطف مختلفة حتى وإن جاءا من رحم واحد.

صحيح أن هناك من الإخوة كتاب الرواية من يتمنى أن تتحول روايته إلى مسلسل أو سينما.. (أتحدث هنا عن الروائي الجاد فقط)، يريد لروايته أن تنتشر أو يكسب قرشين ولكنه لا يعتبر هذا مجدا لعمله لأن عمله بقي على الورق لم يمس.

ستمر الرواية التي يراد لها أن تتحول إلى سينما أو مسلسل بمراحل يجرى عليها تغييرات (جوهرية). كاتب السيناريو سينتزع منها ما يراه ويهمل الكثير ثم المنتج ثم المخرج ثم الممثلون والأهم التمويل المالي وأخيراً ستقوم الجهة الرقابية بشغلها دون أدنى علاقة لها بالفن أصلاً. كل هؤلاء هم مؤلفو الفيلم أو المسلسل، أما الرواية فليس لها سوى مؤلف واحد.

الرواية عمل فردي محض، بينما السينما عمل جماعي وقرارات إدارية متعددة من جهات مختلفة.

أحياناً يكون انتشار العمل وعدد القراء مدعاة لتحويلها إلى سينما؛ لأن زبون الفيلم جاهز، مثل هاري بوتر. الهدف هو استغلال اسم المؤلف ذائع الصيت أو انتشار الكتاب best sellers وأسباب كثيرة لتحويل العمل الروائي إلى سينما، لكن يبقى أهمها الربح المادي، فالشركات التي تنتج الأفلام السينمائية والتلفزيونية وتبذل فيها المال شركات تجارية لا شركات خيرية تدعم الإبداع والثقافة.

الرواية كُتبت لتُقرأ فقط.

00:01 | 21-04-2026

مسلسل الجرادية من الأخلاق إلى القانون..!

يواجه مسلسل الجرادية السعودي موجة من النقد تطال المسألة الأخلاقية المنطوية فيه على اعتبار أن العمل يقدّم المجتمع السعودي بصورة غير لائقة. هذا التوجه في النقد ليس الأول من نوعه فقد طال زميله شارع الأعشى قبله، وهذان العملان ليسا الأولين اللذين يتعرّضان لهذا النوع من المساءلة. بل يكاد لا يسلم مسلسل سعودي منها.


يثير هذا الطرح مسألة مهمة تتصل بالعلاقة بين العمل الدرامي والمجتمع الذي يستعيره النص أرضية يبني عليها مادته الدرامية. هذا يقودنا إلى أسئلة كثيرة منها: هل العمل الدرامي انعكاس للمجتمع وبالتالي يحاكم وفقاً لأخلاقيات المجتمع وقيمه؟ هل العمل الدرامي ينطوي على رسالة؟ هل العمل الدرامي يعالج مشاكل المجتمع... إلخ.


الإجابة بالنسبة لي دائماً لا. فالعمل الدرامي لا يمثل المجتمع المستعار منه، ولا ينطوي على رسالة ولا يعالج أي قضية، بيد أن مسلسل الجرادية أثار تحدياً لمبدئي هذا الذي آمنت به دائماً.


يشكّل الانتقام الثيمة (Theme) التي ينطلق منها المسلسل. ينفتح العمل على مشهد حادثة إلقاء القبض على سليمان الكفوف عندما كان يعيش في الجرادية في زمنها الأول. وبعد سنوات أمضاها في السجن خرج وعاد للجرادية للانتقام من أبناء الحارة الذين زجّوا به في جريمة يبدو أنه لم يرتكبها، رغم كبر السن وبعض المشاكل الصحية مازالت روح الانتقام تتملكه حتى النخاع. ضعفه الجسدي لا يعرقل حيوية رغبته في القتل والتدمير. لا يسعى فقط إلى الانتقام ممن أذاه في الزمن القديم، بل قرر مطاردة ذريتهم وإلحاق الأذى بهم. لا يقل عنه ابنه صقر في الرغبة العارمة في الانتقام، فصار يقوم بدور مركزي في العمليات، فأصبح المنفذ الأساسي لإرادة والده بمساعدة أخته منيرة التي نفذت أول الأعمال الإجرامية عندما رشت السم على كعكة زواج ياسر وعروسته رحمة، والتي نجت منها رحمة بعد إصابة خفيفة لم تدم طويلاً، بينما أصبح ياسر معاقاً طريح الفراش. ( حتى الحلقة 15).


عند التأمل في شخصية الأب ستتمنى لو أن شخصية الأب القادم للانتقام تحلت بقليل من البعد الإنساني كي يُمنح سبباً أخلاقياً يبرر به روح الانتقام المدمرة.


فالشر لا يمكن أن يكون نقياً كما هي حال الخير أيضاً. انعدام النقاء الأخلاقي في الشر أو في الخير من طبيعة الإنسان باستثاء السيكوباتيين. صراع النقيضين في داخل سليمان الكفوف مع استرجاع الماضي سيضيف بعداً تاريخاً يتوجب إعادته كي يمنح حارة الجرادية حضوراً تخيلياً في أذهان أبناء الرياض وسكانها من جيل اليوم. فكلمة الجرادية ليس اسماً مخترعاً خاصاً بالمسلسل، ولكنه يعود لواحدة من حارات الرياض الشهيرة في زمن خلا. إعادة بعثه بالاسترجاع (FLASH BACK) سيضيف ثراء للعمل، بيد أن العمل ترك الرجل بلا تاريخ إنساني وبلا انتماء عاطفي، فجعل منه مجرماً نقياً كالشيطان.


كما هي الحال دائماً في الأعمال الدرامية الجادة سنتابع صراعات وتحولات وانكشافات على الحياة الظاهرة والجوانية لشخوص العمل. تحتوي هذه الانكشافات على كثير من القضايا المثيرة التي تسترعي الانتباه.


كلما زادت طاقة التشويق (suspense) أصبحت في حاجة إلى مزيد من التناقضات حادة التضارب، الأمر الذي قد يدفع إلى تجاوز الخطوط الحمراء، وأشد الخطوط الحمراء احمراراً عند المشاهد السعودي التعرض للقضايا المتعلقة بالمرأة.


تلعب المرأة دوراً حيوياً في هذا المسلسل، ستجدها في كل شق فيه. الاندفاع في تكثيف التشويق دفع بالمرأة أن تضع قدمها على الخط الأحمر وبعضهن تجاوزن الخط الأحمر وتركنه وراءهن.


سنرى مثلاً زوجة الرسام مشعل العاكش تتراسل مع عشيقها، وهذا الزوج الطيب الفنان يرقد إلى جانبها غافلاً ببراءة المحب الحنون. والكارثة أن هذا العشيق لم يكن صادقاً بل مستأجراً هدفه التدمير ضمن سلسلة الانتقام من أهل الحارة التي خطط لها صقر بتوجيه من والده سليمان الكفوف.


كل من يتابع المسلسل سوف يكتشف أن معظم النساء في العمل تلوثن بالخطيئة إما بالانحراف أو بتعاطي المخدرات. ففي لحظة حاسمة -على سبيل المثال- سيخرج علينا رجل كان على علاقة بزوجة التاجر أبو راكان وهي امرأة على وشك مغادرة منتصف العمر. وعبر الاسترجاع FLASHBACK سنعرف أن هيئة الأمر بالمعروف ألقت القبض عليها - فيما مضى من حياتها - مع حبيبها هذا.


هناك كثير من المشاهدين انتقدوا المسلسل حد الإدانة لما انطوى عليه من خروج على القانون الأخلاقي السائد في المجتمع السعودي. كان يمكن أن يكتفي المسلسل بحالة أو حالتين ليعطي عمقاً وبعداً درامياً، ولكن المسلسل وظّف الشابات في المسلسل بكافة أطيافهن لإحداث الإثارة، لكنه لم يصحب ذلك بإلقاء قليل من الضوء على الفوارق الثقافية أو الاقتصادية أو التربوية التي تؤثر في السلوك وتدفع هذا دون ذاك للتلوث بالخطيئة.


لا نتحدث هنا عن حالات أخلاقية فقط، ولكن حالات درامية قابلة للاستيعاب لو أديرت فنيا بحيث نكون أمام عمل درامي فقط، وليس عملاً درامياً يضع ثقله على الإثارة.


اللافت للنظر والداعي للتأمل الجاد طبيعة النظرة الأخلاقية عند بعض الإخوة المشاهدين. فمن غير المفهوم أن تثور حساسية المشاهد عند انحراف المرأة ويعدها تشويهاً عظيماً لمجتمعه، وهو يشاهد في نفس الوقت جرائم الانتقام المروع والمخدرات... إلخ، دون أن تثور حساسيته الأخلاقية فلا يرى هؤلاء ذلك من مشوهات المجتمع.


لم يشر أي من قرأت لهم إلى الجرائم المريعة التي ينوي البطل ارتكابها، هل هذا المجتمع. لا يرى في تفشي الجريمة في مجتمعه ما يسيء إليه ولا يسيء إليه سوى انحراف النساء فقط.


ما دفع لهذا التكثيف الدرامي في ظني الإحساس أن خط القصة الأساسي أحياناً يهن وأحياناً يتوارى فيفقد انتباه المشاهد، فاعتمد الكاتب لتفادي هذا الضعف الطبيعي على فتح ملفات جديدة تثير المشاهد وتدفعه للاستمرار في التوقع.


الفن شيء والحياة ومجتمعاتها شيء آخر، لكن مسلسل الجرادية يقودنا إلى سؤال طرحه الغرب. الكل يعرف أن المجتمعات الغربية منفتحة بشكل كبير بالنسبة لمجتمعاتنا. عندئذ يأتي السؤال السعودي أو العربي ككل: من هو الجمهور المرشح لمشاهدة هذا العمل أو ذاك؟


ما قرأته من تعليقات على المسلسل ثمة من يرى أن هذا العمل سيئ، وآخرون لم يروا هذا. كيف نعالج هذا الفرق بين الطرفين؟


من شاهد شيئاً من الأعمال الدرامية الأمريكية سيرى عليها علامة تدل على نوعية المشاهد أو سنه. تصنيف أخلاقي وتربوي إذا جاز التعبير. عندما ترى الحرف G (General audiences) فهذا يعني أن العمل مفتوح يمكن أن يشاهده الجميع بمن فيهم الأطفال، وعندما تشاهد PG ( Parental guidance suggested) ستعرف أن هناك مشاهد في العمل تستوجب الحرص والتوجيه، وعندما ترى PG-13 (Parents strongly cautioned يتوجب الحرص الشديد خصوصا حضور صغار السن، لكن عندما تشاهد الحرف R (Restricted ) فهذا يعني أن هذا العمل يحتوي على مشاهد غير لائقة كالتعري أو العنف أو ينطوي على ألفاظ قبيحة. هذا التصنيف غير رقابي (يسمح أو يمنع). هذا تصنيف منظمة Motion Picture Association، وهناك تصنيفات أخرى لمنظمات أخرى شبيهة. هذه التصنيفات موجهة للأسر، لكل أسرة أن تتخذ قرارها سواء لمشاهدته أو السماح لأطفالها بمشاهدته.


في ظني نحتاج إلى مثل هذا النظام مع الأخذ في الاعتبار الثقافة السعودية والعربية وطبيعة المجتمع ودرجة محافظته وغيرها من المحددات. بالطبع يأتي هذا النظام بعد السماح للعمل بالبث أصلاً.


على المستوى الفني مسلسل الجرادية مسلسل قوي، لعب المخرج والفنانون أدوارهم باحترافية وإتقان، رغم أن الأعمال التلفزيونية السعودية للتو بدأت تتلمس طريقها نحو الدراما.

19:35 | 6-03-2026

ما هو السلام الإبراهيمي ؟

وقّعت مصر والأردن معاهدة سلام مع إسرائيل، ثم تحوّلت كلمة سلام إلى تطبيع. أصبحت الأخيرة أكثر تداولاً من كلمة سلام، فاعتمدت كوصف رسمي لأي معاهدة سلام بين العرب وإسرائيل. الجدير بالملاحظة، أن كلمة تطبيع لا تصف سوى السلام بين العرب وإسرائيل. عندما وقّعت المملكة اتفاقية إعادة العلاقة مع إيران لم تستخدم كلمة تطبيع ولم تُسمَّ سلاماً، بل إعادة علاقات، فالتطبيع لا يعني فقط القبول بالسلام بين دولتين كتبادل السفارات واتفاقيات تجارية واستقبال سيّاح. يراد له نقل السلام إلى الشعوب على أمل أن تلزم الحكومات العربية الموقّعة مع إسرائيل شعوبها به، لعل قبول إسرائيل يتغلغل في عمق الثقافة الشعبية. فتبيّن، أن التطبيع أياً كانت محاولات تعميقه سيبقى في حدود الزمن الحاضر وقشرة رقيقة لا تمس وجدان الإنسان العربي والمسلم. فالتناقض بين الشعوب الإسلامية وإسرائيل يذهب إلى الدين والتاريخ. محاولات التطبيع لا تستطع أن تغيّر حقائق التاريخ أو تعيد تشكيل الدين وتكييفه. لذا بعد اعتماد كلمة السلام الإبراهيمي تم حذف كلمة تطبيع بعد أن فشلت في القيام بواجبها.

الانتقال من (تطبيع) إلى (السلام الإبراهيمي) هو الانتقال من معالجة أمور الدنيا إلى معالجة أمور الثقافة والتاريخ والدين كما تشي كلمة (الإبراهيمي)

قال مرة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريل شارون «العرب اعترفوا بقوتنا ولم يعترفوا بحقنا في الوجود»، أي أن العرب يرون أن شرعية إسرائيل مرهونة بالقوة فقط. إذا أرادت إسرائيل البقاء عليها أن تبقى قوية منيعة، بل أقوى من العرب مجتمعين.. ولكن بقدر ما تؤمّن القوة الأمن لإسرائيل هي في الحقيقة مصدر خطر عليها، فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في الدنيا وفي التاريخ التي لا تملك حق الضعف. كل دولة وكل كائن وكل جماد لا بد أن يمر بمرحلة ضعف. هذا حق تفرضه سنة الطبيعة. بانتفاء حق إسرائيل في الضعف يسقط عنها مفهوم دولة. ها هو الصومال في أضعف حالاته ولم يتبخر؛ لأنه شعب أصيل على أرضه.

هنا علينا ان نطرح السؤال: ما هو السلام الإبراهيمي؟ هذا السؤال ليس بالبساطة التي تفهم بها هذه الكلمة عندما تمر عليك في وسائل الإعلام. قد يكون أخطر سؤال يمر عليك كعربي ومسلم.

أذربيجان دولة مسلمة تقيم أمتن علاقة بإسرائيل. تعاون إستراتيجي عسكري، تعاون تجاري، تعاون سياسي بل نفضت يدها من القضية الفلسطينية. علاقتها بإسرائيل علاقة أخوية وليست مجرد علاقة دولة بدولة ومصالح. ورغم ذلك دفعوها للانضمام للسلام الإبراهيمي. لماذا؟!

علينا أن نعلم أن السلام مع إسرائيل هو سلامان، أحدهما يتعالى على الآخر وليس سلاماً واحداً كما هي الحال بين الدول كافة.

هناك سلام مع إسرائيل يقوم على الاعتراف (بوجود دولة إسرائيل)، هذا ما وقّعت عليه مصر والأردن، وهناك سلام آخر يجب أن يقوم على الاعتراف بـ(حق إسرائيل في الوجود)، أي أن يعترف العرب والمسلمون ثقافياً ودينياً وتاريخياً بوجود إسرائيل.

الأول سلام سياسي وسلام ضرورة، والآخر سلام ديني وتاريخي، والسلام الديني التاريخي يفترض أن يحذف أحد الطرفين شيئاً من دينه ومن تاريخه ليتفق مع دين الآخر وتاريخه.

قال نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعد أن مهّد الأوضاع من حوله بالقوة العسكرية: (سنغير الثقافة). ما هي هذه الثقافة التي يريد أن يغيرها؟ ثقافة الشعب هي دين الشعب وتاريخه وعاداته ولغته، وما علاقة ذلك بالتحوّل من كلمة التطبيع إلى السلام الإبراهيمي؟

كيف أتى إبراهيم بعد أكثر من سبعين سنة ليجمع المسلمين مع إسرائيل على سلام غير مسبوق؟

يقول تعالى: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (سورة آل عمران: 67).

هذه الآية الكريمة لا تحتاج إلى تفسير ولا تحتمل التأويل. هل هذا هو إبراهيم الذي يؤمن به اليهود والمسيحيون الإنجليكان.

أم أن الاعتراف (بحق) إسرائيل في الوجود لن يرتكز على إبراهيم المسلم، كما عرفه القرآن وإنما سيرتكز على إبراهيم الذي ورد في التوراة ومن ثم القبول بالعهد الإبراهيمي. ترى ما هو هذا العهد الذي قطعه الرب لبني إسرائيل كما تقول التوراة في سفر التكوين:

سفر التكوين 15: 18: «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ». (3، 4)

سفر التكوين 17: 8: «وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ». (5)

بمقارنة هذه النصوص التوراتية مع الآية الكريمة أعلاه، علينا أن نسأل من هو الشعب الذي سيفرض إبراهيميته وتاريخه على الآخر. هل الاتفاق الإبراهيمي سيستند على إبراهيم المسلم الحنفي الذي حدده القرآن الكريم بوضوح لا لبس فيه، أم إبراهيم الذي منح اليهود والمسيحيين الإنجليكانيين أرض فلسطين قبل أربعة آلاف سنة؟!

وعلى المستوى التاريخي ماذا سنقول لأطفالنا في المدرسة: هل حرر صلاح الدين القدس أم نقول احتلها إلى أن جاء الإسرائيليون وحرروها من أحفاده؟!

00:00 | 13-01-2026

فزعة عبدالرحمن الراشد لبنات الرياض !

كتب الأستاذ عبدالرحمن الراشد تغريدة، تعليقاً على ما طرحته مؤخراً حول نسبة رواية بنات الرياض للاسم الذي خط على غلاف الرواية. لم أفهم هذه التغريدة لا لقصور في قدرة الأستاذ عبدالرحمن على التعبير، ولكن أن يأتي كاتب في شهرته بعد أربعين سنة قضاها في كتابة المقالات وإدارة أهم وسائل الإعلام ليضع نفسه نصيراً للمرأة في زمن لم تعد فيه حاجة لمن يناصرها.

يقول الأستاذ عبدالرحمن، في تغريدته: «أتفق معك، جدار قصير. عادة يغلب التشكيك ربما نتيجة غياب المرأة من المحافل الأدبية. عندما صدرت رواية بنات الرياض كان بعض النقاد يصفها بأنها مجرد سواليف بنات مبعثرة ولا ترقى لمستوى الرواية! وبعد نجاحها أصبح يقال ليس بمقدور بنت أن تكتب هذه الرواية الرائعة. على أية حال هي وجهات نظر، وعلى كاتبة الرواية بدلاً من اللجوء إلى مراكز الشرطة والمحاكم أن تسعد بالهرج والمرج حولها؛ لأنه يبعث على الحياة، فالإنكار نوع من أنواع الإعجاب: كيف لفتاة مراهقة أن تكتب هذا العمل التوثيقي الرائع الذي لا يمكن أن يرويه إلا رجل وكبير في العمر».

كنت سألوم الأستاذ عبدالرحمن على هذا الاطناب للرواية، وتكون المسألة وجهة نظر، لو أنه كتب هذا الرأي أصالة من خلال قراءته للرواية وقراءته لرأيي موضع النقاش، وفند بإحساس من المسؤولية ادعاءاتي، ولكنه أخذ رأيه هذا من تغريدة، صاحبتها لا تتقن حتى قواعد الإملاء.

الإنسان المسؤول، خصوصاً في منصب وشهرة وقامة الأستاذ عبدالرحمن، إما أن يقدّم رأيه مستنداً على المرجعيات التي انطلق منها النقاش أو أن يصمت.

يقول الراشد، في التغريدة أعلاه: «عادة يغلب التشكيك ربما نتيجة غياب المرأة من المحافل الأدبية». لعل الراشد لم يسمع ببدرية البشر وأميمة الخميس ورجاء عالم وفوزية البكر وفوزية أبو خالد وغيرهن من الكاتبات السعوديات اللاتي ساهمن وما زلن يسهمن في إثراء الحياة الثقافية، (المحافل!) ربما جهله هذا نتيجة انشغاله بإبداعات ومشاركات رجاء الصانع المتواصلة في العشرين السنة الماضية. وأذكره أن المرأة حتى أيام الصحوة كانت حاضرة دائماً في (المحافل!) وقدمت إنتاجاً كبيراً على كل المستويات وفي الوقت نفسه لم نسمع أن أحداً نسب أعمالهن لذكور أو شكك فيها؛ «لأنها أعمال أصيلة». من الواضح أن إحساس التفوق الذكوري لم يظهر في ذهن الراشد إلا مع رجاء الصانع اعتماداً على ما قرأ في التغريدة التي زودته بالفكرة التي كتبها والتي شجعته أن يخوض في ساحة لا علاقة له بها.

في بداية علاقتنا بالأدب، علّمونا أن هناك شيئاً اسمه النقد الأدبي، ومع دخول أهل الضجيج الأدبى في الجرائد ظهر لنا شيء اسمه النقد الثقافي، ومع دخول «السوشل ميديا» في حياتنا عرفنا نقداً جديداً اسمه «النقد التفاهي»، وبعد أن نقل بعضهم مراقدهم ومخادهم وكنابلهم واستقروا في (x) تويتر سابقاً، دخلنا مرحلة جديدة في النقد اسمها «النقد الفزعاوي»!.

ميزة «النقد الفزعاوي»، أن الفزعة في حد ذاتها عمل خيري يؤجر عليها فازعها، مع كل فزعة أدبية سوف تكسب أجراً بإذن الله، شريطة أن تردد في سرك قبل أن تبدأ الفزعة «مسيكينة لازم نفزع لها».

إذا كان الأستاذ عبدالرحمن يفزع لرجاء الصانع بوصفها امرأة، أين كان الراشد عندما كنا ككتاب ومثقفين نتصارع أكثر من عشرين سنة مع القيود التي كانت تكبل المرأة. عندما كنا نتعرض للشتائم والتهديدات وقطع الأرزاق والطعن في ديننا وأخلاقنا. لماذا لم تظهر هذه الفزعة آنذاك. لا أعتقد أن إنساناً عاش معنا زمن الصحوة يزايد علي وعلى زملائي الكتاب الشجعان، الذين وقفوا بصلابة مع حقوق المرأة انتصاراً للإنسان وليست مجرد فزعة «تويترية» في سطرين بعد أن صارت عوافي.

كاتب في خبرة الراشد يتوجب عليه عندما يطرح رأياً أن يكون مقيداً بالإحساس بالمسؤولية لا أن يضع تاريخه وسمعته نهباً للنقد «الفزعاوي» المتفشي بين سكان تويتر (إكس)

رغم أن الرواية واحدة من أهم الأجناس الأدبية في العالم، تنافس بجمالياتها جماليات الشعر أصبحت في المملكة جنساً أدبياً مبتذلاً. بفضل تويتر صار أي إنسان حتى لو لم يقرأ رواية واحدة في حياته يستطيع أن يقدم رأياً فيها ويفنّد رأي الآخرين إذا أراد.

ثمة مشكلة أوسع يهددنا بها تويتر (إكس). يستطيع المرء أن يقول كلاماً في الأدب والفكر والفلسفة دون تدبر وحتى لو لم يكن له علاقة بالموضوع أصلاً، فالمسألة كلها سطران لا تكلف صاحبها سوى قليل من الهواجيس.

00:00 | 11-01-2026

النقد «التفاهي».. التنظير لسخف «السوشل ميديا» !

سمعت وبالصدفة رجلاً يتحدث في بودكاست قائلاً (إذا عاملت المرأة ملكة عاملتك عبداً، وإذا عاملت المرأة جارية عاملتك ملكاً). لا أعلم هل هذا ينطبق على التعامل مع الأمهات أيضاً.

لم أغضب ولم أحتج بل ولم أشعر أن ثمة شيئاً يستوجب القلق فالواتساب بين يدي منذ سنوات وأحياناً أتابع «إكس» أو يفرض علي أن أتابعه.

تصلني كما تصلكم مقاطع من تطبيقات «السوشل ميديا» المختلفة. الشيء الذي لم ينتبه له بعض الناس أو لم يولوه الاهتمام الكافي أن البشر كانوا قبل «السوشل ميديا» أصنافاً وأنواعاً: أذكياء وأغبياء، جهلة ومتعلمين، خريجي جامعات وخريجي سجون، طيبين وأنذالاً، بل كان بيننا مثقفون حقيقيون ودجالو ثقافة أيضاً. مع «السوشل ميديا» لم يتغيّر البشر ولم يأتِ جديد، ولكن مع «السوشل ميديا» تساوى الجميع في حق الانتشار. فسخيف حارتنا أصبح متاحاً لكل الحارات، ومعتوه حارتكم أصبح من حقه أن يصل إلينا.

في الماضي في زمن محدودية وسائل الإعلام كانت المنابر تقتصر على عدد قليل من البشر. يمر إنتاجهم الفكري وآراؤهم المتجهة للنشر عبر محررين ومراقبين. لم يختلف البشر الذين كانوا عن البشر اليوم، الذي اختلف (الإتاحة). كان المعتوهون وقليلو الحظ يتحركون في أطرهم المحدودة وبين شللهم في الحارة، وكان الناس الطبيعيون يأخذونهم على قد عقولهم دون أن يخالطوهم بكثرة أو ينقلوا عنهم، وحتى إن حدث هذا يبقى عتههم ينتشر في الدائرة التي يتحركون فيها وربما يفيض قليلاً على الدوائر المجاورة.

من المشاكل الأساسية أن بعض العقلاء هبطت حساسيتهم الكوميدية مع تدفقات الـ«تيك توك» على أجهزتهم فأصبح كل شيء وأي شيء يضحكهم أو يسليهم، فصاروا بوابة لعبور المضحكات الساذجة لحسابات الآخرين (امرأة متينة تسقط في مسبح فيتناثر الماء على مستوى أمواج البحر، أو قرد يخطف موزة من سائح، أو سائق دراجة يدفه خويه في ساقي، أو قطة تبصبص من تحت فستان صاحبتها إلخ). خفة هذه المضحكات وسرعة وصولها وقصر زمنها جعلتها سهلة التداول.

وبالطبع دخل من يسخّف القراءة، والأهم ظهر من ينظر للتفاهة والرداءة. وبلغ الأمر التنظير الاجتماعي والأخلاقي كما قرأتم في مطلع هذا المقال.

من أهم مكاسب هذا السخف المتراكم أنه كشف عن عقلية وثقافة محبي الضجيج الثقافي، فأصبحنا على عتبات الانتقال مما يُطلق عليه أصحابه النقد الثقافي إلى «النقد التفاهي»!!.

00:03 | 22-12-2025

الغش الديني سبيل الطقوسيين إلى الجنة

لا أعرف ما أسميه، فاخترت أن أسميه الغش الديني، رغم تناقض الكلمتين (الدين والغش)، فالدين يحرم الغش، وبالتالي نظريا لا يمكن أن يكون هناك غش ديني. لكن أن يأتي مسلم ويرشي تاجر فيز أو تاجر تهريب لكي يأخذه لمكة كي يؤدي فريضة دينية فهذا غش صريح. فالمسلم البالغ يعرف أن الحج فريضة على من استطاع إليه سبيلا، والاستطاعة إما بالقدرة المالية أو بالصحة البدنية أو توفر السبل والفرص والأمن و الأنظمة والقوانين.

أين تقع مشكلة هؤلاء الذين يسعون للحج بأي طريقة دون مراعاة الجانب الأخلاقي. يعلمون علم اليقين أن الحكومة السعودية لا مصلحة لها في منع المسلم من أداء واجبه الديني، ولا يدرك هؤلاء المسلمون أن رشوة مهربي البشر ليست مجرد أمر عابر. فهذا الشخص المرتشي يرتكب عملا إجراميا. من يعمل على تهريب حجاج لن يتردد أن يعمل على تهريب أي شيء من أجل المال.

كيف يمكن معالجة هذا الأمر المتكرر. القضية ليست في الحج فقط. ثمة مشكلة أخلاقية عامة تـأسست منذ زمن بعيد. تكرست بعد أن فصل الدعاة الشعائر الدينية عن بعدها الأخلاقي والإنساني. حطمت كثير من الفتاوى المضللة ضمائر بعض الناس حتى حلت الفتوى عندهم محل ضمائرهم وأخلاقياتهم الفطرية.

في صباح يوم جمعة الساعة العاشرة تقريبا كنت أسير في أحد شوارع تورونتو الكندية، فشاهدت محل إصلاح جوالات فتذكرت أن شاشة جوالي الاي فون مكسورة، فانتهزت الفرصة لتغييرها. سألت صاحب المحل وهو شاب أفغاني عن تكلفة تغيير الشاشة فقال: الأصلية ستكلفك سبعين دولاراً والتقليد خمسين دولاراً، تذكرت أن سعر الشاشة في متجر ابل يكلف 150 دولاراً، فسألته عن سبب هذا الفارق الكبير في السعر فقال: إن شركة ابل ومتجر ابل يرفعون الأسعار بسبب اسمهم وموقع متجرهم وطمعهم الخ. فوافقت أن يركب الأصلية ولكنه اعتذر لأنه في عجلة من أمره. يريد أن يذهب للبيت ليستعد للصلاة في المسجد. رغم محاولاتي إلا أنه أصر فأكبرت فيه إيمانه. بعد الصلاة عدت إليه وركب الشاشة. بعد أيام طويلة كنت أتجول في الحي الصيني فشاهدت متجرا لإصلاح الجوالات فتذكرت شاشة جوالي وقلقي من فرق السعر الهائل عند ذاك الأفغاني المسلم المتدين وسعر الشاشة في متجر ابل. فقررت أن أختبر حقيقة هذه الشاشة. عرضتها على الصيني. قلبها قليلا وقال هذه تقليد بخمسين دولارا، ثم قال عندي الأصلية ولكنها سوف تكلفك مئة وخمسين دولارا، ثم أردف قائلا: جوالك قديم فلا داع لاستبدال الشاشة.

الصيني، لا أعرف ما هو دينه، كان صادقا وناصحا معي، والأفغاني المسلم الحريص على الصلاة غشني. فتذكرت حالات لا حصر لها في المملكة وفي بلاد المسلمين عامة. سترى حرصا مبالغا فيه على الشعائر والطقوس مصحوبا بضعف في الجانب الأخلاقي. ليس غريبا عليكم أن يرمي أحدهم - وما أكثرهم - سيارته في أي مكان سادا الطريق ويهرع لأداء الصلاة مستهترا بحاجة الناس للمرور. ثمة انفصال كبير بين الأخلاق والشعائر عند هؤلاء الذين اسميهم (الطقوسيين). فالدين عندهم مجرد مجموعة من الطقوس تدخلهم الجنة بضمانة الدعاة. رجل سبق أن أدى فريضة الحج، ربما خمس مرات وما زال يريد أن يحج حتى عن طريق الغش والخداع والمراوغة ودفع رشوة، ثم يعود إلى دياره مهللا مكبرا يتلقى التهاني والتبريكات.
23:56 | 7-06-2025

الرواية وجائزة القلم الذهبي

فجأة ظهر لي أمر تمنيته، ولم أكن أتوقعه أن يحدث، ولم أتوقع أن أكون مساهماً فيه.

أحببت الرواية منذ يفاعتي حتى صارت الروايات في حياتي كالأغنيات أردد قراءة الروايات الجميلة أكثر من عشر مرات. لا يمضي يومي دون قراءة ولو جزء من رواية حتى تبعثرت الروايات تحت سريري. بعض الشخصيات الروائية أصبحوا أصدقائي على حد تعبير أحد النقاد الأمريكان الجنوبيين.

في أواخر السبعينات عندما كنت طالباً التحقت بالحركة الثقافية في المملكة. أصبحت محرراً ثقافيّاً في جريدة الرياض. في الوقت الذي كانت الحركة الثقافية مُلقية بثقلها على القصة القصيرة والشعر الحديث لا ينافسهما سوى تعليقات النقاد، لم يكن بين يدي شيء أكتب عنه سوى الروايات القليلة التي تصدر في المملكة، وفي التسعينات ترجمت عدداً من الحوارات لعدد من الكتّاب العالميين مثل غارسيا ماركيز وهامنقوى وبورخيس وآشبي وغيرهم من الكتاب والروائيين من مجلة أمريكية فرنسية اسمها (ذا باريس رفيو)، نشرتها كسلسلة أسبوعية في جريدة الجزيرة.

مع دخول القرن الواحد والعشرين وانهيار حركة الحداثة بلغت المحاولات الروائية في المملكة مرحلة تتّسم بالجدية والإبداع والروح السعودية.

من يظن أن رؤية 2030 التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان تقود السعودية نحو الرفاهية وتنويع الاقتصاد وتعزيز الأمن وبناء أمة جديدة لم يتأمل في الدور الذي تقوم به هيئة الترفيه. من يتابع إنجازات هيئة الترفيه سيكتشف أن الجمال في صلب رؤية 2030 وأحد أعمدتها، فالهيئة ليست جهازاً تنظيميّاً فحسب، فقد أعادت تأصيل جماليات السعودية التي كادت تندثر، أعادت الإبداع الشعبي للذاكرة والوجدان. سمع الجيل الجديد السامري والخبيتي والينبعاوي وطربات فنانين طواهم النسيان، وحظي مبدعو الفن الراحلون والأحياء بالتقدير والتكريم بعد أن كاد فنهم يطمسه تتابع الزمان والإهمال والمحاصرة. فما تنجزه الهيئة ليس مجرد ترفيه ينتهي في ليلته. أكاد أجزم أن تركي آل الشيخ يشتغل أربعاً وعشرين ساعة. أقام المسارح والاستديوهات، وأنتج أعمالاً فنية، وقدم فنانين من جميع أنحاء العالم. يصنع فناً جديداً، ويرمّم الفن القديم؛ ليتكامل الجمال في وجدان كل الأجيال. ولكي تعرف محمد بن سلمان انظر إلى رجاله الذين اختارهم يعملون تحت قيادته؛ لبناء نهضة شاملة.

جائزة القلم الذهبي لم تكن حتى حلماً ننتظره. رأينا جوائز محدودة وبسيطة، كنا فقط نتمنى استمرار هذه الجوائز على قاعدة المثل الشعبي (العوض ولا القطيعة) حتى العوض لم نشهده، ولم يطمح أي كاتب جاد لنيله. بعض هذه الجوائز مات وبعضها ينتظر من يرفع عنه الأجهزة ليرقد بسلام.

جائزة القلم الذهبي لا تشبهها جائزة أخرى على مستوى العالم. ترعى فنَّيْن من أعظم فنون السرد (الرواية والسينما)، وتدعم الناشرين والمترجمين، وهي الجائزة الأكثر نزاهةً وكرماً، والخالية من تلوث الأيديولوجيا والأجندات الخفية.
00:03 | 25-02-2025

مسرى العُمر..!

راودتني فكرة كتابة مذكراتي: عملت هنا وعملت هناك وسافرت إلى بلاد كثيرة وحققت نجاحات وقابلها عدد من الإخفاقات وتساءلت في النهاية: هل حياتي الهادئة والعادية والمشابهة لحيوات معظم الناس يمكن أن تسرد في كتاب يقرأه الآخرون. لم أنتبه إلى شيء خطير مر في حياتي وحياة جيلي ممن أسعدهم الحظ أن نبدأ الحياة في حقبة الستينات إلى أن قرأت كتاب (مسرى العمر) للدكتور عبدالرحمن التويجري. كشف لي الدكتور بأن جيلنا ليس جيلاً عادياً، نحن النقلة التي قفزتها المملكة من عالم ساكن ممتد في ماضٍ لا تتغير فيه الأشياء إلى عالم تنبت فيه الحياة بكل تجلياتها الحضارية المعاصرة. في جيلنا ظهر التلفزيون وظهرت الرياضة الحديثة، ونحن الجيل الذي مُكِّن من التعليم الحديث، تعلمنا في مدارس مصممة للتعليم، وجيلنا أول من تلقى العلوم الحديثة فيزياء وكيمياء ورياضيات وتربية فنية وبدنية، وخلت أجسادنا من الأمراض والأوبئة التي فتكت بمن سبقنا، لم أدرك بأننا طليعة كل من سيأتي بعدنا.

من سيقرأ كتاب مسرى العمر سيقرأ كتابين لا كتاباً واحداً: تجربة إنسان ناجح وتجربة نجاح أمة. كل إنسان سعودي من جيلي حقق نجاحات سيشاهد نفسه، وكل من يرغب أن يطلع على ملحمة المملكة التنموية وهي تتحرك على الأرض سيشاهدها في هذا الكتاب. تطور الإنسان السعودي من البساطة إلى الحداثة تجعلك ترى إنساناً ولد وترعرع في بلدة صغيرة يصبح مسؤولاً كبيراً في البنك الدولي بواشنطن. سيرة يجب أن تروى. فالمجمعة التي أمضى فيها المؤلف مطلع حياته رغم محدوديتها تمثل نموذجاً مصغراً لمدينة الرياض وربما المدن السعودية الأخرى. التجارب واحدة والظروف واحدة فتجربة الدكتور عبدالرحمن في كتاب مسرى العمر تؤكد أن نهضة السعودية لم تقتصر على المدن كما حصل في بعض البلاد.

يسير الكتاب كما يشي عنوانه (مسرى العمر) كورنولوجي مع تنامي شخصية بطل العمل من الطفولة إلى ساعة انتهائك من قراءة آخر صفحة فيه،

الجزء الأول بعناوين متعددة مثير للحنين، يصف المؤلف الخطوة الأولى التي وضع فيها الإنسان السعودي قدمه على أرض لم يطأها أسلافه كان الراديو سيد الموقف منه يتابع المؤلف ونحن معه مباريات كرة القدم التي يذاع وصف لها فيه، وفرحة المؤلف بالسيكل وزبرقته بالتلبيسة هي فرحة أطفال ذلك الزمن، والسفر على طرق ترابية ثم التحول السريع إلى الطرق المعبدة وانتظار أسماء الناجحين في المرحلة الابتدائية في الراديو وتعلق ذاك الجيل بمجلة العربي الكويتية وقراءة قصص أرسين لوبين والمذاكرة في المسجد والمناشط الفنية كالغناء والمسرح، واستمر هذا حتى نهاية السبعينات عندما جاءت الصحوة وقضت على كل هذا كما أشار المؤلف ويشير التاريخ ويعرفه كل من عاش تلك الأيام الخوالي.

ويمضي الكتاب في مسرى العمر لنرى أول إخفاق للمؤلف بعد أن اقتلعه الطموح من دفء العائلة ليضعه لأول مرة أمام الحياة الحديثة وحيداً: السكن الجامعي ولبس البنطلون والأكل بالملعقة والشوكة وتنتهي به الأمور مغادراً جامعة البترول والعودة إلى الرياض ليبدأ رحلته الحقيقية التي سوف تمتد إلى تقاعده.

تخرّج المؤلف من جامعة الرياض (الملك سعود) وتم تعيينه معيداً استعداداً للابتعاث الذي يبدأ منه تجربة مهمة في حياته وحياة آلاف من السعوديين الذين درسوا في الولايات المتحدة، وبقدر ما كانت حياته الأولى مثيرة للحنين، فتجربته في الولايات ستكون مثيرة لحنين كل من تلقوا تعليمهم في أمريكا في ذلك الزمن، فجاءت تجربته هادئة لم تصادفه فيها صعوبات سوى فقد والدته. كانت تجربة إنسان خلط بين العزوبية في الغربة ورب العائلة، رغم ذلك تحدث عن صعوبات الدراسة وتجربة سريعة مع التجمعات السياسية العربية ولكنه لم يفصح عن أي تجربة لشاب سعودي أعزب في بلاد (الهنك والرنك) على حد تعبير الطيب صالح.

عندما عاد حاملاً شهادة الدكتوراه سوف تصادف في الكتاب تجارب المؤلف ومشاركته في بناء المؤسسات السعودية التي عمّقت حضور المملكة في العصر الحديث وأكدت أنها جزء منه.

كان من مؤسسي جمعية الاقتصاد السعودي التي واجهت بعض الصعوبات عند تأسيسها نتيجة غياب التشريعات التي تنظم مثل هذه المنظمات، وبالكاد انتظم في الجامعة إلا أن قدره لم يكن يسوقه للبقاء أستاذاً في الجامعة، ففي ذلك الزمن تأسس مجلس التعاون الخليجي (1981) فكان في حاجة إلى كوادر متعلمة لتغطية احتياجات فروعه المختلفة فعمل فيه مستشاراً غير متفرغ. ولم يفت المؤلف الإشارة إلى تجربة المجتمع مع التشدد الديني في تلك السنوات التي كادت تطيح بالمكاسب العظيمة التي حققها المجتمع السعودي في مسيرة التقدم والازدهار التي شهد طلائعها جيلنا. وكان لهذا التشدد الديني الذي أطلق عليه أصحابه الصحوة الفضل في تغيير مسار حياته بعد أن تغول في الجامعة، فانتقل للعمل متفرغاً في المجلس وفي تلك الفترة مرت بالمنطقة أحداث.

من تجارب المؤلف المفصلية انتقاله للعمل في صندوق النقد الدولي والعيش مع أسرته ثماني سنوات، وانتقل بعدها للمملكة للعمل أميناً عاماً للمجلس الاقتصادي الأعلى بعد أن شارك في تأسيسه وكان أول موظف فيه و(أتمنى لو أن المؤلف يتفرغ لتأليف كتاب مستقل عن صندوق النقد الدولي ليجلي ما يشاع عنه أنه سبب بلاء كثير من الدول الفقيرة)، ثم أصبح عضواً في مجلس إدارة شركة أرامكو، ولم يكن تعيين الدكتور عبدالرحمن رئيساً لهيئة السوق المالية المنهار مبنياً على خبراته الاقتصادية فحسب ولكن بسببها وبسبب إسهامه في صياغة نظام السوق نفسه.

ومن ميزة هذا الكتاب لم يكن سرداً للحياة العملية بل كان المؤلف يخرج من الحديث عن الوظيفة إلى حياته الخاصة وكأنها فاصل يريحك من الحديث عن تطورات العمل كلما ضاق بك الحديث، ولكي لا يصبح تاريخاً لتطورات النظم الاقتصادية، ورغم ذلك فالكتاب يُقرأ ليعرف القارئ جزءاً من تاريخ البلاد يصعب معرفته دون أن يسطره رجل عاصره وأسهم فيه. ويؤكد فيه أن النجاح في العمل لا بد أن يدعمه نجاح موازٍ في البيت.

بعد انتهاء عمله في سوق المال يكون المؤلف دخل مرحلة التقاعد رغم أنه عمل في مؤسستين تعودان إليه وينتهي الكتاب بجولة في صراع العالم مع فيروس كورونا وتجاربه العائلية مع الحجر.

كما قلت في المقدمة الكتاب ليس سيرة إنسان ناجح فحسب بل سيرة أمة وانتقالها من البساطة والعزلة إلى الانخراط في العصر الحديث، من بين المفاجآت التي كشفها لي الكتاب أن الدكتور عبدالرحمن التويجري لو لم يذهب إلى كلية التجارة وذهب إلى كلية الآداب نكون خسرنا اقتصادياً بارزاً وكسبنا كاتباً مميزاً.
00:09 | 26-09-2024

فيلم الماعز.. حياة الخرفان البشرية..!

وقعنا في الفخ الذي نصبه من استغل الفيلم ليطرح قضية الكفالة في المملكة؛ فالفيلم لا علاقة له بنظام الكفالة، (حياة الماعز) يتحدث عن جريمة اختطاف رجل هندي جاء للعمل في المملكة. فالخاطف لم يكن كفيل الهندي فلماذا نسمح لأنفسنا أن ننجر ونناقش قضية الكفالة مع كل من يريد أن يسيء للمملكة وقياداتها تحت مظلة هذا الفيلم.

نحن أمام فيلم سينمائي هندي بكل المعايير التي نعرفها عن المنتجات الهندية. عندما نشاهد في حياتنا تصرفاً غير معقول ولا يمت للواقع بصلة نقول هذا «فيلم هندي»؛ كلمة «فيلم هندي» تعني خزعبلات وخارج المعقول (رجل يفتح باب الطائرة ويقفز لينتحر، ولكن قدرة الهندي توقعه على شجرة يصادف أن حبيبته كانت تجلس تحتها).

يبدأ الصراع الميلودرامي في الفيلم من لحظة وصول شابين من الهند إلى مطار خليجي. يرسم المخرج بشكل متسارع ملامح متلاحقة تصنع خلفية توحي بمطار سعودي: سيدات سعوديات محجبات، وأذان، ورجال بملابس سعودية، ثم ودون إبطاء يبدأ المخرج في رسم صورة الرجل الذي سوف يختطفهما ويتولاهما بقبحه وفجاجته. معاملة هذا الرجل انكشفت من أول لحظة التقاهما فيها داخل المطار، الأمر الذي سيعطيك صورة عن البنية الدرامية للعمل، فالرجل لم يستدرجهما بالتودد أو باللين أو بالحيلة أو بالتهديد، فمنذ اللحظة الأولى صار يتعامل معهما بكل فجاجة ووقاحة، وأمرهما أن يركبا معه في صندوق سيارة (شاص) مهترئة. الغريب و-ليس غريباً عن الأفلام الهندية- أنهما قفزا معه دون أدنى ممانعة كالخرفان. لحظة الأسر تؤكد لنا أننا نتفرج على فيلم هندي بكل معايير الأفلام الهندية التي نعرفها. القسوة في الفيلم الهندي تكون خارج المعايير الإنسانية والضعف لا يقل عن ضعف الخرفان. هذا الفيلم يُدين الهنود، حيث يقدم الإنسان الهندي بوصفه إنساناً ذليلاً لا يملك أي درجة من التدبر والمقاومة. السؤال: هل مؤلف الرواية كتبها كعمل روائي أم كتبها كمذكرات؟ وللأمانة لم أقرأ روايات هندية لكي أعرف هل الرواية الهندية تنحو منحى السينما الهندية في صناعة المعجزات والمآسي التي يتقطع لها نياط قلب المتفرج الهندي، وهل القارئ الهندي كشقيقه متفرج السينما ينتظر ما يقطع نياط قلبه أيضاً.

عند وصولهما البر بعد رحلة امتلأت بمقطعات نياط قلب صغيرة تم توزيعهما أيضاً كخروفين. لم تظهر منهما أي مقاومة رغم اتضاح المعاملة اللاإنسانية. عندما نام نجيب في الخيمة وهي مكان متواضع غضب منه الكفيل وأخرجه لينام في العراء. لحظة استراحة العامل الهندي في الخيمة كانت فرصة للمخرج لتأسيس مزيد من المأساة الهندية. فنعرف أن الضحية صرف أمواله لشراء (فيزا) للعمل في الخليج. ولرفع درجة المأساة نشاهد عبر الـ(فلاش باك) نفسه أن نجيب كان يعيش في بلاده حياة رومانسية مليئة بالأحلام الجميلة مع شابة عذبة تبادله نفس الأحلام.

بعد أن عرف نجيب مصيره الأسود أُتيحت له فرصة أن يهرب ولكن بقليل من الشجاعة الفطرية. تقدم نجيب من صاحب وايت الماء وطلب منه أن يأخذه معه إلى المدينة فسمع الكفيل الحوار ولم يفهمه، فهبَّ وحاول أن يعرف ما دار بينهما، وأنكرا أن يكون الحوار يخصه، ولكن الكفيل لم يرتح، فأحضر السوط وأخذ يجلد نجيب، فحاول نجيب أن يتفادى الضرب فما كان من الكفيل إلا أن هرع إلى الخيمة وأحضر بندقية وصوبها ناحية نجيب، فأمسك بها نجيب وأبعدها عن مرماه. كان بإمكانه أن يسلبه البندقية ويقوده بسيارته إلى المدينة وتنتهي مأساته، ولكن نجيب أذعن كالخروف.

في النهاية، أي شخصية درامية تكون في داخلها متناقضات كما في الحياة التي نحياها. ثمة شخصية شريرة يبقى في داخلها قليل من الإنسان، وأي شخصية خيرة تنطوي على قليل من الخساسات الصغيرة. حتى الشخصية السوكوباثية التي تقودها المصالح تشكل المصالح ضميراً ينافق به ضحاياه. هذا الخاطف لم يكن مجرماً بل شيطان، بل إن الشيطان الذي نعرفه يستخدم الخداع والتزلف والاستدراج ليوقع ضحاياه في حبائله.

كل شخصية درامية لها خلفية وماضٍ صاغها وأوصلها إلى ما نشاهده في النص، لكن المخرج يعطيك (فلاش باك) على شخصية نجيب الضحية، وبالمقابل ثمة ماضٍ آخر صاغ شخصية الكفيل وجعله شراً محضاً، فالمخرج لم يزودنا بأي جانب إنساني أو فلاش باك عن طفولة هذا الكفيل أو أسرته أو أي شيء يكشف لنا وجهها الدرامي. شخصية منبتة لن توجد أبداً، حتى الشيطان له تاريخ نعرف من خلاله كيف أصبح شيطاناً.

بعد كل هذا فالفيلم طويل ولا يتوفر على حوار درامي يتوالد عند التقاء الشر المحض بالضعف المتهالك في صحراء قاسية. عادة في مثل هذه البيئة يتدخل الفن ليأخذك في جولة في النفس الإنسانية. تمضي مع المخرج حوالي ثلاث ساعات تتفرج على نفس المشهد يتكرر بصور مختلفة ومملة. السؤال الذي طرأ على بالي أخيراً: من موَّل هذا الفيلم؟ ومن يقف وراء مموله؟ أما من أشادوا به فنعرفهم جميعاً.
00:04 | 30-08-2024

مات أبو عبداللطيف

قدّر الله للكاتب محمد بن عبداللطيف آل الشيخ أن يشهد ما تمناه لبلاده، وما قاتل من أجله، وأن يطمئن في رقدته الأخيرة بأن بلاده تسير في الطريق الصحيح. رأيته هادئاً ومطمئناً وهو مستلقٍ ميتاً على مغسلة الراحلين، ورأيت على وجهه الساكت رغم فراغه من الحياة أثراً للابتسامات التي اندلعت في سنوات النصر الأخيرة المتتالية، ذكّرني به في لحظة الإصغاء في منزله مع أصدقاء الفكر والصحافة، ويؤسفني أن غادر قبل أن يرى ثمرات هذا النصر في المشاريع القادمة.

منذ السنوات الأولى من القرن الحالي دخل منزله تاريخ الصراع الفكري المحتدم بين تيارَي الصحوة والتنوير. كرّس أبو عبداللطيف صالون منزله ندوة مفتوحة يتبادل فيها أصحاب الفكر التنويري الآراء والأطروحات فتشكّل فكراً وطنياً مشتركاً لمواجهة تيار الصحوة القوي والمنظم والقابض على المنابر، ورغم عشوائية اللقاءات وتباعدها الزمني وخلوها من الإعداد المسبق يمكن أن تكون موضوعاً لكتاب يؤرخ للصراع وأهم الأسماء التي شاركت في المعارك، خصوصاً أن بيته لم يكن يضم نخبة من كتّاب الرياض فحسب، بل يؤمه كثير من المثقفين الذين يأتون من أنحاء المملكة ومن خارجها. ثمة حقبتان للتاريخ التنويري في منزله؛ الأولى حقبة احتدام الصراع، والأخرى بعد انقشاع تيار الصحوة. كانت الأولى قاسية امتلأت بالتهديد والتشويه والتفجير، والثانية كانت ارتباكاً واحتفالاً بعد سقوط الصحوة بعناصرها ورجالها ومؤسساتها، وكأن البلاد استيقظت من حلم.

رحيله كأنما هو إيذان بنهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، نهاية جيل وبداية جيل جديد، نهاية الصراع مع أهل الماضي وبداية صراع الشباب مع المستقبل، مرحلة ترك الكلام والأوهام والانشغال بالبناء.

أمضى في المستشفى أكثر من ثلاثة أشهر قضاها في معارك ضارية، مرة مع الحياة ومرة مع الموت، مرة مع الأمل والأخرى مع اليأس، كان كثيراً ما ييأس ثم يستعيد آماله، بيد أن ضربات الوجع قلّصت طموحاته إلى أن جاءت يد الرب الرحيم لكي توقف عذاباته وعذابات أسرته وأصدقائه.
00:08 | 12-07-2024