من الصعب أن تفهم هذا الاندفاع لتحويل الروايات إلى سينما. الرواية لم تخلق لهذا. كُتبت الرواية لتقرأ. قوامها اللغة وباللغة تبنى المشاعر والشخصيات والأمكنة والأزمنة، والأهم أن جوهر الرواية يقوم على خلق مستمر بين طرفين لا ثالث لهما. إبداع مشترك بين الكاتب والقارئ، فالكاتب أثناء الكتابة لا يعرف ما الذي سوف يجري في الصفحة البيضاء التالية كما هو حال القارئ عندما يقرأ الرواية لأول مرة.

كل قارئ للرواية سوف يشاهد المرأة الجميلة في النص الروائي حسب رؤيته للجمال وثقافته وتجربته، فالياباني عندما يقرأ رواية سعودية لن يرى فيها المرأة السعودية التي تخلقت في ذهن الكاتب السعودي. سوف يستدني نموذج جمال الفتاة اليابانية المتشكل في وجدانه. هذه المرأة الجميلة في الرواية سوف تخلق من جديد مع كل قراءة في مكان آخر وفي ثقافة أخرى، بل حتى القارئ السعودي سيراها وفقاً لتشكلات الجمال في وجدانه وذاكرته وتجاربه وسنه.

العمل السينمائي سيكسر هذا الخلق المستمر للجمال في الرواية ويرسيه على جمال الممثلة التي اختارها، فكل من يشاهد الفيلم سيرى نفس المرأة سواء إن كان في الرياض أو طوكيو، عندئذ تنتهي جماليات الرواية وتبدأ جماليات السينما.

الشخصية في الرواية امرأة أو رجلاً ليست مجرد وجه وجسد وحركات وحوار، هي إنسان خارجي وداخلي: مشاعر وهموم وأفراح وأزمنة وأمكنة وتاريخ ومجتمع وحالة وجود إنساني يسهم في بنائها المؤلف باللغة وكل قارئ تقع بين يديه الرواية سيعيد بناءها بخياله من خلال اللغة أيضاً.

من هو هذا الإنسان الذي وضع في رؤوسنا أن الرواية مجرد سيناريو أو هي مجرد الحكاية التي تحتويها أو أنها مشروع كُتب لينتظر من يحوله إلى سينما أو مسلسل.

الرواية هي اللغة، هي في النهاية حالة شعرية وليست عملية سردية فحسب (فكونا من كلمة سردية تكفون). السرد واحد من عناصرها، بل إن كاتباً فرنسياً يدعى إلن روب جرييه سعى في زمن الحداثة إلى اقتلاع السرد من النص الروائي نهائيا. من يستطيع أن يحول رواية يولسس أو رواية صورة الفنان في شبابه لمؤلفهما جيمس جويس إلى فيلم سينمائي أو مسلسل. من يستطيع أن يحول أشباه تلك الروايات فيما يعرف بتيار الوعي إلى مسلسل أو فيلم سينمائي.

كلما قلت القيم الروائية في النص كلما استند مؤلفها على الحكاية أو السالفة إذا أردنا الدقة وبالتالي كل واحد يستطيع أن يكتب رواية. عندئذ تكون أقرب إلى التحول إلى عمل سينمائي؛ لأن قدرة الكاتب الإبداعية لم ترتق إلى المستوى الروائي وخاصة اللغوي فيتكئ على الحكاية، لذا نلاحظ أن أفضل الأعمال الروائية التي تصلح فيلما سينمائيا هي القصص البوليسية كقصص أجاثا كرستي وإيان فلمنق (ارسل لوبين) أو هاري بوتر لما تحتويه من توقع ومفاجآت وتحولات تشد المشاهد مع تدني مستوى اللغة.

عندما تشاهد فيلماً سينمائياً قام على رواية سبق أن قرأتها سوف تصدم، فكل الشخصيات والأماكن والأزمنة التي رأيتها في الرواية ليسوا هؤلاء الذين تراهم على الشاشة. في الرواية أسهمت في خلق الشخصيات، أنت الذي تخيل الأمكنة والأزمنة والأجواء.

أستطيع أن ألخّص لك رواية الحرب والسلام في مئة صفحة وستقرأها في عشرين دقيقة أو ساعة واحدة، عندئذ تستطيع أن تحاجج أنك قرأتها، بيد أن ما قرأته ليس سوى الحكاية وملخص لتاريخ روسيا المنطوي فيها. أين ذهبت الألفا صفحة التي احتوتها الرواية. ما استعصى على التلخيص هو ذلك الشيء الذي اسمه رواية وما حصلت عليه في الملخص والفيلم السينمائي هو الحكاية والحكاية ليست سوى جزء بسيط من الرواية المحتشدة في الألفي صفحة التي سطرها المؤلف في سنوات.

السرد متعدد: القصة القصيرة، المذكرات، سواليفنا عن الحوادث، والجن، والسباحين، وألف ليلة وليلة، وقصة عنتر إذا كان الأمر كذلك، لم لا نطلق على ألف ليلة وليلة رواية؟، لماذا لا نطلق على قصة عنتر رواية؟، لماذا لا نطلق على أساطير الجهيمان روايات؟.

الحديث عن تحويل العمل الروائي إلى سينمائي ليس سوى عدم فهم لطبيعة الفنين المختلفين والأخطر هو التقليل من قيمة الرواية كجنس أدبي عظيم. عندما اقتحم أدعياء النقد وعوام تويتر عالم الرواية ألاحظ أن الرواية على وجه الخصوص تم تتفيهها صارت في أحسن الأحوال مجرد سيناريو ينتظر من يستفيد منه.

الموسيقى ليست تناغم آلات تنتج أصواتاً وليس كلمات الأغنية فقط: مجموعة من المشاعر تتخلق في داخلك ترقى أحياناً إلى الحزن وأحياناً للحنين وقد تورد البكاء.

نقل الرواية إلى السينما كأنك تنقل كلمات أغنية لتمنحها لحناً آخر وتوزيعاً موسيقياً آخر ومغنياً آخر ومتلقياً مختلفاً، حتى لو كانت هي نفس الكلمات، فهي ليست نفس الأغنية ولن تكون.

لنقرأ هذا النص:

(انقضت العقبان على شرفات القصر الرئاسي خلال نهاية الأسبوع، فحطمت شباك النوافذ المعدنية بضربات مناقيرها، وحركت الزمن الراكد في الداخل برفيف أجنحتها ومع بزوغ شمس يوم الاثنين استيقظت المدينة من سبات قرون عديدة على نسمة رقيقة ودافئة، نسمة ميت عظيم ورفعة متعفنة. عندئذ فقط تجرأنا على الدخول، من دون مناطحة الجدران الحصينة منزوعة الملاط، كما يرى أكثرنا إقداماً ومن دون خلع المدخل الرئيسي بأعمدة نير الجواميس، كما اقترح آخرون، إذ إن دفعة واحدة كانت كافية لخلع الأبواب الثقيلة المصفحة عن مفاصلها، تلك الأبواب التي صمدت خلال عصر البطولات لمنجنيق وليم دان بييه. لقد خيّل إلينا أننا كنا ندخل أجواء عصر آخر، إذ إن الهواء كان أكثر خفة في مستنقعات أنقاض هذا العرين الرحب للسلطة وكان الصمت فيها أكثر قدماً ورؤية الأشياء صعبة في الضوء الذاوي على امتداد الباحة الأولى التي تزحزح بلاطها بضغط الأعشاب الطفيلية من تحت الأرض....) إلى آخر الرواية.

هذا مطلع رواية خريف البطريرك للكاتب الكولمبي غارسيا ماركيز. آثار المؤلف خيال القارئ صوب الجمال لا صوب الحكاية، كان يمكن أن يقول (حطمنا باب القصر واقتحمناه ودخلنا)، ولكن المؤلف ركب في هذا النص القصير التاريخ والطبيعة والحدث الأدنى وطاقته اللغوية، فإذا كنت تحب الشعر فأنت أمام قصيدة مفعمة بالجمال. تخيل كم مرة أعاد الكاتب كتابة هذا النص حتى بلغ ما جعلنا نراوح بين السرد والشعر. نذهب إلى الماضي قرونا ثم نعود مرة أخرى إلى حاضر الحدث. كل هذا في ثلاثة أو أربعة أسطر فقط. هذا ما يجعل الرواية نتاج سنوات من العمل اليومي الشاق والممتع، تجلى ثراء الكاتب اللغوي. في أسطر قليلة حصلت على تاريخ القصر وحصلت على صراع مع الطبيعة وحصلت على فارق الزمان بين ماضي الدكتاتور وحاضره فما بالك إذا أكملت قراءة الثلاثمائة صفحة المتبقية.

إذا كانت لغة الكاتب مسطحة أو مباشرة أو محدودة الألفاظ فسيكون خياله متدنياً فسيفتقر نصه للشعرية عندئذ سيسقط منه الجمال ويخرج من عالم الفن إلى السواليف. فكاتب السواليف ليس روائياً كلنا نستطيع أن نسولف ونكتب عشرات الصفحات عن (رجل دخل فيه جني وعض أمه وصرنا نطارده وصب دم وطلع الدم أخضر... إلخ).

الوحيد الذي يستطيع أن يقرر أن هذه الرواية تصلح للسينما هو المخرج السينمائي، هو من سيرى في هذا النص جماليات سينمائية يمكن التقاطها وإعادة تعميرها بالكاميرات والممثلين وما سوف تراه في النص السينمائي وهي العلاقة بما كنت تقرأه في الرواية. التشابه بين سعيد ومبارك لا يعني أنك تستطيع أن تحول سعيد إلى مبارك، فكلاهما تخلق بنطف مختلفة حتى وإن جاءا من رحم واحد.

صحيح أن هناك من الإخوة كتاب الرواية من يتمنى أن تتحول روايته إلى مسلسل أو سينما.. (أتحدث هنا عن الروائي الجاد فقط)، يريد لروايته أن تنتشر أو يكسب قرشين ولكنه لا يعتبر هذا مجدا لعمله لأن عمله بقي على الورق لم يمس.

ستمر الرواية التي يراد لها أن تتحول إلى سينما أو مسلسل بمراحل يجرى عليها تغييرات (جوهرية). كاتب السيناريو سينتزع منها ما يراه ويهمل الكثير ثم المنتج ثم المخرج ثم الممثلون والأهم التمويل المالي وأخيراً ستقوم الجهة الرقابية بشغلها دون أدنى علاقة لها بالفن أصلاً. كل هؤلاء هم مؤلفو الفيلم أو المسلسل، أما الرواية فليس لها سوى مؤلف واحد.

الرواية عمل فردي محض، بينما السينما عمل جماعي وقرارات إدارية متعددة من جهات مختلفة.

أحياناً يكون انتشار العمل وعدد القراء مدعاة لتحويلها إلى سينما؛ لأن زبون الفيلم جاهز، مثل هاري بوتر. الهدف هو استغلال اسم المؤلف ذائع الصيت أو انتشار الكتاب best sellers وأسباب كثيرة لتحويل العمل الروائي إلى سينما، لكن يبقى أهمها الربح المادي، فالشركات التي تنتج الأفلام السينمائية والتلفزيونية وتبذل فيها المال شركات تجارية لا شركات خيرية تدعم الإبداع والثقافة.

الرواية كُتبت لتُقرأ فقط.