تتميز الدولة الطامحة للنماء بالحيوية والحركة المستمرة وتقييم الأداء لأجهزتها بشكل موضوعي، دون دفن رأسها في التراب عند اكتشاف الأخطاء أو الاسترخاء عند تحقيق الإنجازات، ولهذا فإنها في حالة بحث دائم عن الأفضل، وعن الكفاءات التي تستطيع إنجازه، بحيث يصبح الجميع في حالة سباق في مضمار مفتوح لتقديم أقصى ما يمكن أن يقدمه العقل والخبرة والكفاءة والتميز.

منذ بداية مرحلة الرؤية الوطنية ونحن نعيش وضعاً يختلف جذرياً عن السابق، عندما كان المنصب يكاد يكون منحةً تشريفية طويلة الأجل، وأحياناً مدى الحياة، دون تقييم لمنتج ذلك المنصب، وبالتالي يعيش صاحبه حالة استرخاء عظيمة بالإضافة إلى المزايا الأخرى المكتسبة من خلاله. المساءلة والتقييم والمحاسبة والأهداف والمؤشرات، جميعها غير حاضرة إلا في أوقات نادرة، وفي حالة ثبوت الخلل والفساد والإفساد تكون المكافأة الأخيرة ترك المنصب وعفا الله عما سلف.

ذات مرة سألت أحد المسؤولين الكبار كيف تمضي الأمور وأنتم تعملون مع فريق ولي العهد، همس في أذني قائلاً الله يعين من يعمل معه؛ لأن سقف طموحه أعلى من توقعات أي مسؤول، ولأنه لا تسامح أبداً مع التقصير، قد تدخل اجتماعاً وأنت في منصبك وتخرج من الاجتماع وأنت قد غادرته إذا استنفدت المهلة المتاحة لك لتحقيق ما هو مطلوب من الجهة التي تديرها، أو لم تصحح الأخطاء التي حدثت. الكفاءات موجودة بكثرة، ولذلك لا يعتقد أي مسؤول أن اختياره يعني أنه وحيد زمانه وفريد عصره وأوانه.

من وقت لآخر تصدر قرارات بتعيينات جديدة، وإعفاءات، وتدوير مناصب، ودمج جهات أو فصل بعضها عن بعض، بشكل لم يكن معهوداً في السابق. هذه ظاهرة صحية تدل على الحيوية واستشعار مسؤولية التقييم والمتابعة لأداء كل أجهزة الدولة، وفيها رسائل ضمنية أن الوطن زاخر بالكفاءات، فمن يستطيع تحمل المسؤولية بمقتضيات المرحلة سوف يجد موقعه للمشاركة في المسيرة، ومن كانت المسؤولية أكبر من قدراته واستطاعته نقول له، شكراً ولدينا الكثير غيرك.