تنشط التهاني مع دخول شهر رمضان المبارك، يليه عيد الفطر، ثم عيد الأضحى.

وهذه ظاهرة جميلة في أصلها؛ إذ تعكس ترابط المجتمع وحرص أفراده على مشاركة الفرح والمواسم مع من يحبون.

وأقول تنشط هنا لأن الكثير للأسف بات يتعامل مع التهنئة كسلعة يُعاد تدويرها دون روح، لتصبح المشاعر إجراءً رقمياً.

بل إن هذا التطوّر السقيم قادنا لأن تتحوّل التهاني والتبريكات إلى ما يشبه «الزر الجاهز»؛ فلم يعد الأمر مجرد نصوص تُرسل معلبة بلا إحساس أو شعور صادق، بل باتت تُرسل بضغطة زر إلى الجميع.. أحياءً وأمواتاً.

تهنئة بلا هدف، ولا معنى — على الأقل عند من يُقدّر الكلم الطيب، ويعرف قيمة اللغة بروحها وشكلها ونغمها. إن التعامل مع التهاني بهذه الطريقة يسهم في تسطيح أثر اللغة وتأثيرها، بينما للكلمة حضورها وبريقها في العين، وطيب أثرها في النفس.

ليس أسوأ من أن يتحوّل سحر الكلمة وجمال الحرف من ميزة إلى عبء يمتلئ به الهاتف، عبر رسالة روتينية مملة تصل إلى آلاف البشر. فالعلاقات الإنسانية لا تُقاس بعدد الرسائل المرسلة، بل بصدقها وملاءمتها وسياقها.

لست مجبراً على تهنئة أحد بهذه الطريقة، وإن فعلت.. فمن يقرأك ليس مجبراً على الرد.

لا تُغريني الرسائل الجماعية المزخرفة المجوفة، ولا أتعاطى معها. أرفض أن أكون مجرد رقم عابر سُجل يوماً ما لسببٍ ما في هاتفك. كما لا أقبل أن تفقد الحروف هيبتها، وتفقد المشاعر قيمتها وقِيَمها بسبب خيار اسمه «تحديد الكل».

بل إن الأدهى والأمرّ أن التهاني اليوم تحوّلت إلى «ستيكرات»، وعليك فتح المحادثة والرد عليها، وإن لم يكن هاتفك يحمل ستيكرات متنوعة ستضطر للكتابة.

يا لها من مفارقة..

أن تصبح الكتابة اضطراراً.. في زمنٍ سيطرت فيه السرعة.. ومات فيه المعنى.

ربما آن الأوان لأن نعيد التفكير في طريقة تعبيرنا عن مشاعرنا..

أن نختار كلمات أقل.. لكن أصدق. أن نهنئ من نعنيهم فعلاً، بطريقة تشبه علاقتنا بهم، لا بطريقة تشبه قائمة الأسماء في الهاتف.

شهر مبارك..

وكل عام وأنتم بخير.