يقول الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن (رحمه الله):
«أشرب عن عيونك ظما
أشرب ظما الشمس
وقلتي عسى جفنك
عسى ما يحترق
حاولت ما أغمض عيوني
ونفترق
حاولت أنا ما نفترق»
يقذفنا بدرنا المضيء إلى الشمس.. إلى «ظمأ الشمس» ثم يتركنا ليشرب هو ظمأها.
كيف لهذا البدر أن يقدم لنا البلاغةَ والجزالةَ والاستعارات (الواقفة) في حضن الشمس والتي لا يجيدها ولا يمسك بناصيتها إلا هو وحده.
كيف تشرب الظمأ الذي يجعل القلب يصغي لصوت قطرةٍ متخيَّلة وتحيلنا لأكوام الأسئلة حول هذه المفردات البارعة التي تنفذ إلى دمانا قطرة.. قطرة.. قطرة.
نغمة.. نغمة، ولهفة؟!
بعدها يحل الحزن كغيمة سوداء.
لا تمطر ماءً.. بل ذكريات.
غيمة تعرف طريقها إلى الصدر،
وتجلس هناك بلا استئذان.
ليس الحزن هنا طارئاً.
إنه نتيجة طبيعية لبلاغة بلغت ذروتها،
فحين يقول: «حاولت ما أغمض عيوني»
نحن لا نقرأ محاولة سهر بل مقاومة النسيان. ممانعة الفقد، وصراع الإنسان مع اللحظة الأخيرة قبل الانكسار.
البدر لا يكتب فراقاً.
هو ينسج ارتباك الروح ساعة الوداع.
«حاولت أنا ما نفترق»
جملة قصيرة، لكنها مثقلة بما لا يُقال:
عجز اللغة، وضيق الحيلة، وانكسار الإرادة أمام قَدَرٍ يمشي بهدوء.
هنا تتحوّل الاستعارة من زينة لغوية
إلى كيان حيّ.
الظمأ ليس عطشاً، والشمس ليست جرماً سماوياً، والجفن ليس عضواً بيولوجياً.
كلها رموز تتبادل الأدوار حتى يصبح العاشق هو الصحراء، وتصبح المحبوبة هي المطر المؤجَّل.
البدر لا يشرح.
لا يفسّر بل يقذف الصورة ثم ينسحب،
ويترك القارئ يتخبط في صداها.
وهذه إحدى حيله الجميلة:
أنه لا يمنح المعنى كاملاً بل يترك فراغاً ذكياً
ليتسلل منه وجع المتلقي.
نحن أمام شاعر لا يراهن على الإيقاع وحده وإنما على المسافة بين الكلمة والقلب.
على ذلك الصمت الذي يلي الجملة، وعلى الرجفة التي تعقب الصورة.
إنه بدرٌ يعرف أن الشعر
ليس ما يُقال.
هو ما يبقى عالقاً بعد أن ينتهي الكلام.




