-A +A
طلال صالح بنان
من أهم إسهامات النظام الرئاسي في النظرية والممارسة السياسية، التأكيد على محدودية حركة السلطة وضعفها، تجاه حريات وحقوق الفرد. لم تعد مشكلة النظرية والممارسة السياسية، في ضمان رُشْد الحكومة وعقلانية مؤسسات الدولة، يوم ظهور أول دستور مكتوب ومتواتر الأخذ به، حتى الآن، فحسب.. بل إن الحاجة كانت: إيجاد حكومة تتوفر للمجتمع من خلالها، ومن ذاتية حركتها، آليات وضوابط عملية لضمان عدم انحراف السلطة عن مسارها المرسوم لها. من ثَمّ كان الحل في صيغة الفصل بين السلطات تفصيلياً في الدستور الأمريكي (١٧٨٤).. وسرعان ما ألحقت به وثيقة الحريات (١٧٩).

من هنا شاعت في أدبيات علم السياسة، مقولة: الحكومة الضعيفة هي أفضل أنواع الحكومات! الضعيفة هنا بمعنى: ضعيفة في مواجهة حقوق الأفراد وحرياتهم، لا بالمعنى التقليدي الشائع، بما يعكس بطشها وجبروتها وسطوتها، في حركتها الداخلية والخارجية. كان الحل، إذن: في «تشتيت» السلطة، وإضعاف إمكانات التعاون والانسجام بين رموزها ومؤسساتها، وليس بالضرورة انعدام التكامل بينهم، من أجل الحفاظ على الغاية الأساسية من وجود كيان الدولة نفسه، في الاتحاد والقوة والمنعة وإمكانات والاستمرار والتقدم، بتوكيد مبدأ السيادة للشعب.

مشكلة النظام البرلماني الذي أتت به نظرية العقد الاجتماعي الليبرالية، كانت في خلقِهِ لمؤسسة سياسية واحدة، تنبثق عنها السلطات الأخرى. في النظام البرلماني، تنعكس إرادة الناس، في إيجاد البرلمان الذي من الناحية النظرية، مخولٌ بممارسة السلطة التنفيذية. في المقابل: النظام الرئاسي؛ المواطنون ينتخبون أعضاء السلطة التشريعية (الكونغرس بمجلسيه) وينتخبون رأس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية). هنا يتحقق الفصل بين السلطتين عضوياً.. وما يترتب على ذلك من مساواة في القوة السياسية، عكس ما هو الحال في النظام البرلماني.

لم يكتف النظام الرئاسي بخلق واقع تشتيت قيم السلطة وحركتها، بين السلطتين الرئيسيتين (التشريعية والتنفيذية)، بل إنه لم يستبعد الصراع بينها، تمكيناً لسطوة الإرادة العامة، على مؤسسات الدولة ورموزها. لقد أدخل النظام الرئاسي تمثيل أقاليم الدولة، ولم يكتف بتمثيل السكان فقط. الكونغرس الأمريكي يتكون من غرفتين عليا (مجلس الشيوخ) يمثل الولايات ودنيا (مجلس النواب) يمثل السكان، مع تقسيم صلاحيات السلطة التشريعية، في سن القوانين والرقابة على السلطة التنفيذية، على الغرفتين. كل ذلك في سبيل تحقيق الهدف الإستراتيجي الأسمى من وجود السلطة، بجعلها مشتتة، كأفضل ضمانة عملية للحؤول دون ميلها للاستبداد، ومن ثَمّ احتمال إضرارها بحقوق المواطنين وحرياتهم.. مع ربط شرعية الحكومة نفسها، بالإرادة العامة للناس.

يوم الثلاثاء الماضي أُجريت في الولايات المتحدة انتخابات الكونغرس النصفية، التي أتت بكونغرس مختلف، يبدأ عمله في الثالث من يناير القادم، عن ذلك الذي تشكل في بداية الفترة الرئاسية الأولى للرئيس ترمب يناير (٢٠١٦). بالقطع لن نرى تواتراً لا في سلوك ولا في توجه إدارة الرئيس ترمب، في فترة السنتين القادمتين من ولايته، كما كان في فترة السنتين الأوليين. الرئيس ترمب، ستحكم إدارته في ظل كونغرس نصف معادٍ بعد أن كانت تحكم طوال السنتين الماضيتين بكونغرس صديق. كما أن هناك ملفات عالقة، في قضايا داخلية وذات علاقة بالسياسة الخارجية، كان يتحكم في عدم فتحها حقيقة تمتع إدارة الرئيس ترمب، بالأغلبية في غرفتي الكونغرس، قبل انتخابات الكونغرس النصفية الأخيرة.

من أهم القضايا الداخلية ذات العلاقة بمصير استمرار ولاية ترمب، وكانت تسبب أرقاً، وجاءت نتيجة الانتخابات بما يزيد من حدة هذا الأرق: التحقيقات في شبهة تواطؤ الفريق المكلف بإدارة حملة الانتخابات الرئاسية للحزب الجمهوري ٢٠١٦ مع الروس في التلاعب بتلك الانتخابات، التي يقوم بها المحقق العدلي الخاص المعين من قبل الكونغرس (روبرت مولر). صحيح أن محاكمة الرئيس ترمب تمهيد لعزله، تتم في مجلس الشيوخ، حيث يتمتع حزب الرئيس بالأغلبية فيه، إلا أن النقاش حول الدعوى ورفعها، تتم إجراءاته في مجلس النواب، حيث فقد حزب الرئيس الأغلبية فيه. ويبقى من الصعب على الرئيس وإدارته تجاهل ما قد تتوصل إليه لجنة مولر، اعتماداً فقط على أغلبية الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ.

إدارة الرئيس ترمب ستواجه صعوبة حقيقية في مواجهة كونغرس نصف معادٍ، غير ما كان عليه الأمر في فترتها الأولى. هذا يكفي وحده لتفسير سبب قلق الرئيس قبل إجراء تلك الانتخابات.. وازدياد توتره من نتيجتها.

* كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com