-A +A
أسعد عبدالكريم الفريح
«الله وليك يا صائم» عبارة جميلة عندما أتذكرها، يفتح معي دفتر الذكريات الحلوة وصندوق الأحلام الجميلة المنقرضة، كانت كلمات تشرح النفس، تخرج من القلب قبل الفم ولم يبق منها إلا بعض الوميض هنا وهناك، فها هي تمضي السنون عاما بعد آخر، ويأتي رمضان ويودع ومن بعده العيد، ونردد في كل عام نفس الكلام، ويتزاور من فيهم شدة، وبعض بقايا الحفاظ على أواصر الأسرة وبقية من العلاقات الحميمة مع ثلة من الأصدقاء، وهؤلاء ما باتوا يشكلون إلا الجزء الأقل من أفراد المجتمع، فكثير منا لم يعد يعرف حتى أسماء الجيران، خصوصا بعدما تفرقت العوائل وساكنو الأحياء الشعبية التي كان الواحد منا، يعرف اسم ليس سابع جار، بل ربما معظم بيوت الحارة.

الحارة هذه أم الود وأخت الرجال، والوالد الحنون لكل من راح وجاء، اللقمة الحلوة تدور على معظم الجيران واليد الكريمة على ما قسم تمتد لتحنو على الأبناء سواء ببعض ما تيسر من قروش قليلة، كانت تعني لنا أشياء كثيرة، أو حتى ببسمة من القلب أو لمسة رقيقة تطمن البال وتنعش القلب «وتفرفش» الخاطر، إنه الوفاء والطيبة في قالب من البساطة والعفوية، أصبحنا الآن نأخذ الجوال، ونمرر رسالة تهنئة للجميع سواسية كأسنان الفرشاة، لأن أسنانها عد واغلط، نقول إنها تهنئة حارة، وهي في الواقع كصقيع الإسكيمو في عز الشتاء.

تباعدت المسافات فتباعدت الأجسام ومعها القلوب، نرمي بتلك الرسائل على قارعة الجوال، ونحن لا ندري من يمر عليها مرور الكرام ومن لا يقرأها أساسا، أصبحت مادة وعبارات روتينية لا تقدم ولا تؤخر، ثم يمضي كل منا إلى غايته، نعم كل منا بمفرده وليس حتى كل كعائلة، لا نعلم من هجرناه هذا العام، هل سيهل عليه أو علينا؟، ونكون على وجه هذه الدنيا فنعوده، هل يمكن أن نعوض ما فات؟ وأم هي حلقة تدور فنعود إلى نفس البداية المتكررة كل عام، هذا إذا لم يمض العمر يا ولدي، هل هذه مسيرة تكر على هذه الوتيرة إلى ما شاء الله؟. أخشى في يوم ولا أحد يقول لي إنه من المستحيلات، أخشى أن يعيش كل نَفَر في غرفة بمفرده فقط، لا غير ويقف أمام المرآة ويتساءل من هذا؟! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هو أنا ناقص نكد، وعلى نفس الطريقة أقول كل عام وأنتم بخير بمناسبة قدوم رمضان والعيد من بعده وعشان نريحكم من كثر اللت والعجن ولا نشغلكم وأنتم أصلا مو فاضيين، حتردوا على مين وتخلوا مين! ونخليها شيلة بيلة واتركونا من التقاليد البالية، عيدكم الأضحى مبارك قبل الزحمة. واعذروني وليعذرني أيضا أخي رئيس التحرير، ففي رمضان سأترجل مؤقتا عن الكتابة وعساكم من عواده.