​تُقاس عظمة الأمم لا بما تشيّده من عمران وحسب، بل بما تؤسّسه من قيم إنسانية ومؤسسات حضارية تضمن استمرار الخير وتوارثه بين الأجيال. ومن أبهى ما أبدعته الحضارة الإسلامية في هذا المجال مؤسسة «الوقف»، التي حوّلت العطاء من مبادرة فردية عابرة إلى عمل مستدام، وجعلت من المال وسيلة لإعمار الحياة، ومن الإحسان رسالة أبدية تتجاوز عمر صاحبها.

​تكمن خصوصية الوقف في كونه تجسيداً عملياً لقيم التكافل والتراحم؛ حيث يحبس الإنسان أصلاً من ماله ويوجّه منافعه لِوجوه الخير، فتظل ثماره متجدّدة ونفعه مستمراً جيلًا بعد جيل. ولم يكن الوقف في تاريخنا مجرد وسيلة لإعانة المحتاجين، بل كان مؤسسة حضارية واسعة الأثر امتدت خدماتها إلى التعليم والصحة والثقافة والرعاية الاجتماعية، ليشكّل أحد الأعمدة الرئيسية التي استندت إليها المجتمعات الإسلامية في بناء نهضتها وتلبية احتياجاتها، بحماية ورعاية متواصلة من الدول المتعاقبة.

​من هذا الإرث الحضاري العريق، تبرز أهمية أن يفكر كل منا —بحسب استطاعته— في تخصيص جزء من ماله لعمل يبقيه حياً بعد رحيله. فالخير قد يبدأ بعقار صغير، أو مشاركة في علاج مريض، أو دعم مؤسسة صحية، إذ لا تكمن القيمة الحقيقية للوقف في حجمه بل في استدامة نفعه وعظم أثره.

​وفي هذا السياق، تأتي الاتفاقية الأخيرة لإنشاء مركز وقفي متخصص لعلاج الأورام في مدينة مكة المكرمة لتأخذ أهمية تتجاوز حدود المشروع الطبي الذاتي؛ فهي تُرسم صورة مشرقة لتكامل الأدوار بين المؤسسة الوقفية والقطاع الصحي والقطاع الخاص. فبرعاية كريمة من الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، التقت إرادة العمل الوقفي والصحي والقطاع العقاري من خلال اتفاقية جمعت الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض، الرئيس التنفيذي لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، وعماد بن صالح الخراشي، محافظ الهيئة العامة للأوقاف، ومحمد البطي، الرئيس التنفيذي لمجموعة NHC.

​يمثل هذا المشروع نموذجاً عملياً لكيفية تطويع الوقف لمواكبة متطلبات العصر، حيث قدّمت الهيئة العامة للأوقاف دعمًا بقيمة 380 مليون ريال سعودي لتقديم خدمات العلاج الإشعاعي المتقدم، بينما تبرعت مجموعة NHC بأرض مساحتها نحو 15 ألف متر مربع في «وجهة بوابة مكة». وسيساهم هذا المركز في تقريب الخدمات الطبية التخصصية لمرضى الأورام بالقرب من أماكن إقامتهم بطاقة استيعابية تصل إلى 1,200 مريض سنوياً في مرحلته الأولى، مما يرفع عنهم عناء السفر المتكرر، ويخفف الضغط عن المرافق الصحية بالمنطقة الغربية، ويلبّي الاحتياج المتزايد لسكان العاصمة المقدسة وزوّارها من ملايين الحجاج والمعتمرين.

​إن هذا الإنجاز يتناغم تماماً مع مستهدفات «برنامج تحول القطاع الصحي» —أحد برامج رؤية السعودية 2030— التي أحدثت تحوّلاً جذرياً في مفهوم الأوقاف، فنقلته من نطاقه التقليدي إلى رافد اقتصادي وتنموي رئيسي ومستدام.

​ما أجمل أن يتحوّل المال إلى حياة، وأن تصبح ثروة الإنسان سبباً في شفاء مريض وإغاثة محتاج. الأعمار تمضي، والأموال تتداولها الأيدي، لكن الأثر هو ما يبقى. تحية تقدير لمستشفى الملك فيصل التخصصي وربانه القدير الذي جسّد الرؤية واقعاً ملموساً وكان رجلاً من رجالها القادرين على تحقيق تطلعات قيادتنا الرشيدة، والشكر موصول للهيئة العامة للأوقاف، وللمتراحمين والواقفين والمساهمين بالأرض وكل من وضع لبنة في هذا الصرح الإنساني العظيم.