قبل 96 عاماً كان الطيار الأمريكي «إلري جيبسن» يعبر بطائرته الصغيرة أجواء لا يعرف من أسرارها إلا القليل، لم تكن أمامه شاشات تدله على الطريق، ولا خرائط جوية تخبره بما ينتظره خلف الجبال، كانت خطوط السكك الحديدية والأنهار والطرق البرية علامات يستدل بها على وجهته، وكان عليه أن يحفظ تضاريس الأرض جيداً حتى يعود سالماً من رحلته.

كان «جيبسن» يعمل في نقل البريد الجوي ويعرف أن الخطأ في تقدير ارتفاع جبل، أو الجهل بموقع حقل يصلح للهبوط الاضطراري، قد يجعل رحلته هي الأخيرة، لذلك قرر ذات يوم أن يشتري دفتراً صغيراً بعشرة سنتات، وبدأ يدوّن فيه ملاحظاته، يرسم الطرق التي يعبرها ويسجل ارتفاعات الجبال والعوائق ومواقع المطارات وأماكن الهبوط الممكنة.

كان أحياناً يصعد المرتفعات ليتحقق بنفسه من ارتفاعاتها، ويسأل المزارعين عن أحوال الطقس في المناطق التي يمر بها ويأخذ أرقام هواتفهم ليسألهم عن الطقس عندهم قبل رحلاته.

لم يكن الطيار الشاب يعرف أن دفتره الصغير سيغيّر تاريخ الملاحة الجوية، وأن تلك الخطوط التي رسمها ليحمي نفسه من أخطار السماء ستصبح يوماً خرائط تقود آلاف الطائرات وملايين المسافرين.

انتشرت حكاية الدفتر بين الطيارين، وبدأ زملاؤه يطلبون منه نسخاً، فصار يبيعها بعشرة دولارات، وفي عام 1934 أسس عملاً متخصصاً في إعداد الخرائط والمعلومات الملاحية، ومع السنوات حوّله إلى شركة عالمية تحمل اسمه وأصبحت خرائط «جيبسن» جزءاً من الحياة اليومية للطيارين في أنحاء العالم.

في عام 1961 باع جيبسن شركته إلى «تايمز ميرور» التي انتقلت لاحقاً إلى مجموعة «تريبيون»، قبل أن تشتريها بوينج عام 2000 بمبلغ 1.5 مليار دولار، ثم باعتها عام 2025 إلى «توما برافو» بقيمة 10.55 مليار دولار.

زادت حركة الطيران ولم تعد الخرائط مجرد خطوط تحدد الطريق بين مطارين، أصبحت سجلاً دقيقاً لتضاريس الأرض وارتفاعاتها ومسارات الطائرات فوقها، وإجراءات المغادرة والاقتراب والهبوط، والقيود التي تنظم الحركة في السماء.

هذه السجلات يستطيع الطيار أن يعرف من خلالها مطاراً لم يسبق له الهبوط فيه، وأن يعرف الطريق الذي ينبغي أن يطير عليه قبل أن تبدأ رحلته.

على امتداد عشرات السنين رافقت الخرائط الورقية أجيالاً من الطيارين، كانوا يتصفحونها في قمرة القيادة قبل الإقلاع، ويراجعونها أثناء الرحلة، وتُحدّث بشكل دوري لمواكبة التغييرات.

آلاف الرحلات انتهت بسلام بفضل معلومة دقيقة وضعها إنسان على ورقة، لكن الطيران الذي غيّر مفهوم المسافات لم يتوقف عن تغيير أدواته، جاءت الأقمار الصناعية وتطورت الحواسيب وأنظمة الملاحة، وانتقلت الخرائط شيئاً فشيئاً من الورق إلى الشاشات، وأصبح تحديث المعلومات وتداولها أكثر سرعة ومرونة، ولم يعد الطيار بحاجة إلى حمل مجموعات كبيرة من الأوراق ليعرف الطريق إلى وجهته.

بداية هذا الأسبوع أعلنت شركة جيبسن إنهاء طباعة خرائطها الورقية، بعد أكثر من تسعين عاماً على البدايات الأولى وبعد سنوات من انتشار الخرائط الرقمية.

القرار يبدو تجارياً وتقنياً، لكنه في تاريخ الطيران يمثل نهاية فصل طويل من العلاقة بين الطيارين والورق، وبداية مرحلة أصبحت فيها المعلومات الرقمية رفيق الرحلة الأول.

هذا لا يعني أن الورق اختفى تماماً من الطيران، أو أن التقنية لا تحتاج إلى وسائل احتياطية، فسلامة الطيران تقوم على الكثير من الاحتياطات ليتمكّن الإنسان من استخدامها في مختلف الظروف.

حصل جيبسن على تكريمات عديدة، منها دخوله قاعة مشاهير الطيران الأمريكية عام 1990، وتسمية صالة الركاب الرئيسية في مطار دنفر الدولي باسمه، وإقامة تمثال برونزي له يبلغ ارتفاعه نحو خمسة أمتار.

توفي جيبسن عام 1996، لكنه ترك قصة إنسانية تستحق التأمل، فقد بدأ مشروعه لأنه أراد أن يعود حياً من رحلاته، ثم تحولت حاجته الشخصية إلى معرفة انتفع بها الطيارون في العالم.

توقفت طباعة الخرائط التي حملت اسمه، لكن الخطوط التي رسمها في دفتره الصغير انتقلت من صفحات الورق إلى ذاكرة الآيباد.

هكذا يكتب الطيران تاريخه.. تتغيّر الأدوات والوسائل، ويبقى الإنسان الذي يبحث عن طريق آمن في السماء هو البداية والنهاية.