كان الجمهور ينتظر من العازف ما ينتظره من المطرب؛ مقدمة موسيقية تستوقفه، أو تقاسيم تمنحه لحظة طرب، أو حواراً بين الصوت والآلة يضيف إلى الأغنية جمالاً آخر. وكان لبعض العازفين حضور تعرفه الأذن قبل أن تتعرف العين على صاحبه، حتى ارتبطت أسماؤهم بآلاتهم، وأصبح أداؤهم جزءاً من متعة الاستماع وذاكرة العمل.

اليوم، يطرح تطور الإنتاج الموسيقي سؤالاً يستحق النقاش: هل منحت التقنية العازف أدوات أوسع للإبداع، أم أسهم الاعتماد عليها في حجب مهارته وتراجع حضوره أمام الجمهور؟

قيمة العازف تتجاوز إتقان النوتة؛ إذ تتجلى موهبته في تفسير الجملة الموسيقية، وفي إحساسه بتوقيتها، وقدرته على محاورة المطرب وبقية الآلات. وقد تستقر نغمة في ذاكرة المستمع بسبب الطريقة التي أُدّيت بها، بما تحمله من شخصية يصعب اختزالها في سلامة التنفيذ وحدها. فالموسيقى تحتمل أداءً صحيحاً، وأداءً آخر يمنح الصحيح روحه.

عرفت الأغنية السعودية والعربية أسماءً صنعت هذا الحضور؛ إذ اقترن مدني عبادي بآلة القانون، ومحمود سرور بالكمان، وبرز مجدي الحسيني على الأورج، وعمر خورشيد على الجيتار. وهي تجارب مختلفة، تذكّرنا بأن العازف يستطيع أن يكتسب مكانته الخاصة، وأن يمنح آلته صوتاً يتعرف الجمهور من خلاله على صاحبه.

ويظهر التداخل بين موهبتي الغناء والعزف لدى فنانين مثل عبادي الجوهر ورابح صقر وعبدالله الرويشد، وقبلهم طلال مداح، وكذلك محمد عبده. ويتيح هذا الجمع للمستمع متابعة علاقة مباشرة بين الفنان وآلته، وفهم ما يضيفه العزف إلى التعبير الغنائي، وكيف تنشأ المتعة من التفاعل بينهما.

ومع اتساع إمكانات التسجيل والمعالجة والبرمجة، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً بشأن المساحة المتاحة لهذه الشخصية الموسيقية. فالعمل الذي يضع الأداء الحي في قلبه يمنح العازف فرصة للاجتهاد والتعبير، بينما قد يؤدي الإفراط في تسوية التفاصيل وتصحيحها إلى إضعاف الفروق التي تميز أداءً عن آخر. وهذه مسألة تتصل بالاختيارات الفنية وطريقة توظيف الأدوات، بقدر اتصالها بالأدوات نفسها.

وتجربة الأورج والجيتار جديرة بالتأمل هنا؛ فقد اقترنت نجومية بعض العازفين بآلات كهربائية، بما يوضح، أن التطور التقني يستطيع أن يفتح باباً للبصمة الفردية. والعبرة بما يطلبه المنتج والملحن من التقنية، وبالمكانة التي يمنحانها للموسيقي داخل العمل.

كما أن بروز العازف مسؤولية تتشارك فيها صناعة الأغنية والتغطية الإعلامية. فالجمهور يحتاج إلى معرفة أسماء المشاركين، وفهم أدوارهم، ومشاهدة مهاراتهم. وتستطيع الحفلات أن تمنح العزف المنفرد مساحة محسوبة، كما تستطيع الصورة أن تتبع صاحب الجملة الموسيقية أثناء أدائها، بدلاً من أن يظل مسموعاً وغائباً عن الانتباه.

ومن المهم أيضاً، أن يمتد الاهتمام إلى المواهب الجديدة؛ فالحديث عن أسماء تركت أثرها ينبغي أن يقود إلى البحث عمّن يملكون اليوم مهارات تستحق الإصغاء والتقديم. فاكتشاف العازف، وصقل موهبته، ومنحه فرصة الظهور، جزء من تجدد الأغنية نفسها.

التقنية قادرة على توسيع خيارات الموسيقي، لكن جمال العمل يظل مرتبطاً بما يفعله بهذه الخيارات. وكلما احتفظت الأغنية بمساحة لاجتهاد العازف وحساسيته، ازدادت فرصتها في اكتساب ملامحها الخاصة. فالجمهور الذي يحفظ صوت المطرب يستحق أن يعرف أيضاً أصحاب الأنامل التي أسهمت في صناعة طربه.