ما شهدته فرنسا في السابع عشر من أكتوبر 2026 لا يمكن اختزاله في موجة احتجاجات اجتماعية تحوّلت إلى أعمال عنف، بل يمثل مؤشراً على أزمة أعمق تعيشها الجمهورية الخامسة، عنوانها تآكل الثقة بين المجتمع والسلطة السياسية، وتراجع قدرة المؤسسات على تحويل المطالب الاجتماعية إلى تسويات مقبولة. فخروج ما بين 550 ألفاً و800 ألف متظاهر إلى الشوارع، بالتزامن مع مواجهات أمنية وأعمال تخريب طالت باريس وليون ومرسيليا وليموج ومدناً أخرى، يعكس حالة من الاحتقان تتجاوز مسألة القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العامة، لتطرح سؤالاً أكثر خطورة يتعلق بقدرة النظام السياسي الفرنسي على إنتاج الاستقرار في ظل الانقسام البرلماني والضغوط الاقتصادية واقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2027. وما يميّز هذه الحركة عن الاحتجاجات التقليدية هو انطلاقها من الأوساط الطلابية قبل اتساعها لتشمل النقابات ومجموعات من السترات الصفراء وتيارات يسارية وفئات اجتماعية مختلفة، بما يشير إلى احتمال تشكّل جبهة احتجاجية واسعة، لكنها تفتقر حتى الآن إلى قيادة موحدة وبرنامج سياسي متماسك. وتكمن المفارقة في أن غياب القيادة المركزية يمنح الحركة مرونة في التعبئة ويصعّب احتواءها أمنياً، لكنه يضعف قدرتها على التفاوض وتحويل الغضب الشعبي إلى مكاسب سياسية ملموسة. وفي المقابل، كشفت أعمال العنف، ولا سيما إحراق مبنى بلدية ليموج والاعتداء على مؤسسات عامة ومتاجر، عن تحوّل خطير في بعض مظاهر الاحتجاج، حيث باتت رموز الدولة نفسها أهدافاً للاعتداء، وهو ما يمنح الحكومة مبرراً لتشديد الإجراءات الأمنية، لكنه لا يعفيها من مسؤولية معالجة الأسباب الاجتماعية للأزمة. ومن الخطأ اعتبار جميع المتظاهرين مسؤولين عن هذه الاعتداءات، مثلما سيكون من الخطأ التقليل من خطورة المجموعات التي تستغل الحشود لممارسة العنف. أما سياسياً، فإن الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومة سيباستيان لوكورنو يواجهان معضلة مزدوجة؛ فالتشدّد الأمني قد يؤدي إلى مزيد من التعبئة الشعبية، بينما قد يُفسر التساهل باعتباره عجزاً عن حماية مؤسسات الجمهورية. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً بسبب محدودية الهامش المالي المتاح للحكومة، في وقت تتطلب فيه معالجة المطالب الاجتماعية إنفاقاً إضافياً يتعارض مع أهداف تقليص العجز وإعادة ضبط المالية العامة. والأخطر أن الأزمة تتزامن مع اقتراب نهاية عهد ماكرون، حيث تتراجع قدرته على فرض التسويات السياسية، بينما تتجه الأحزاب إلى حسابات الانتخابات الرئاسية أكثر من اهتمامها بتشكيل توافقات وطنية. وفي هذا السياق، يسعى التجمع الوطني إلى استثمار المخاوف الأمنية وتقديم نفسه باعتباره بديلاً قادراً على استعادة النظام، فيما يحاول اليسار الراديكالي توظيف الغضب الاجتماعي لتعزيز حضوره السياسي، وهو ما يهدّد بتحويل الأزمة من مواجهة بين الشارع والحكومة إلى صراع أوسع بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل فرنسا. ويمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة للتطورات المقبلة: أولها تراجع الاحتجاجات تدريجياً إذا نجحت الحكومة في تقديم تنازلات اجتماعية محدودة وعزل المجموعات العنيفة عن الأغلبية السلمية؛ وثانيها استمرار التعبئة بصورة متقطعة، مع انتقال الاحتجاجات بين المدن والقطاعات المهنية، وهو السيناريو الذي يبدو أكثر ترجيحاً في المدى القريب؛ أما الثالث فيتمثل في تصاعد المواجهات واتساع المشاركة النقابية، بما قد يحوّل الأزمة الاجتماعية إلى أزمة حكم تهدّد استقرار الحكومة وتعقّد تمرير الموازنة. ومع ذلك، فإن استحضار تجربة السترات الصفراء لا يعني بالضرورة تكرارها، لأن السياق السياسي والتنظيمي مختلف، كما أن اتساع الاحتجاجات لا يترجم تلقائياً إلى تغيير في موازين القوى الانتخابية. والخلاصة أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه فرنسا لا يتعلق فقط باستعادة الهدوء في الشوارع، وإنما بإعادة بناء الثقة في قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الأمن في آن واحد. وإذا أخفقت السلطة في الجمع بين هذين الهدفين، فقد تتحوّل أحداث السابع عشر من أكتوبر من أزمة عابرة إلى محطة مفصلية في إعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي قبل انتخابات 2027، مع احتمال استفادة القوى الأكثر راديكالية من استمرار الاستقطاب وتراجع ثقة المواطنين بالأحزاب والمؤسسات التقليدية.