أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1891.jpg?v=1775997127&w=220&q=100&f=webp

صالح عيسى

هل حجبت التقنية نجومية العازف؟

كان الجمهور ينتظر من العازف ما ينتظره من المطرب؛ مقدمة موسيقية تستوقفه، أو تقاسيم تمنحه لحظة طرب، أو حواراً بين الصوت والآلة يضيف إلى الأغنية جمالاً آخر. وكان لبعض العازفين حضور تعرفه الأذن قبل أن تتعرف العين على صاحبه، حتى ارتبطت أسماؤهم بآلاتهم، وأصبح أداؤهم جزءاً من متعة الاستماع وذاكرة العمل.

اليوم، يطرح تطور الإنتاج الموسيقي سؤالاً يستحق النقاش: هل منحت التقنية العازف أدوات أوسع للإبداع، أم أسهم الاعتماد عليها في حجب مهارته وتراجع حضوره أمام الجمهور؟

قيمة العازف تتجاوز إتقان النوتة؛ إذ تتجلى موهبته في تفسير الجملة الموسيقية، وفي إحساسه بتوقيتها، وقدرته على محاورة المطرب وبقية الآلات. وقد تستقر نغمة في ذاكرة المستمع بسبب الطريقة التي أُدّيت بها، بما تحمله من شخصية يصعب اختزالها في سلامة التنفيذ وحدها. فالموسيقى تحتمل أداءً صحيحاً، وأداءً آخر يمنح الصحيح روحه.

عرفت الأغنية السعودية والعربية أسماءً صنعت هذا الحضور؛ إذ اقترن مدني عبادي بآلة القانون، ومحمود سرور بالكمان، وبرز مجدي الحسيني على الأورج، وعمر خورشيد على الجيتار. وهي تجارب مختلفة، تذكّرنا بأن العازف يستطيع أن يكتسب مكانته الخاصة، وأن يمنح آلته صوتاً يتعرف الجمهور من خلاله على صاحبه.

ويظهر التداخل بين موهبتي الغناء والعزف لدى فنانين مثل عبادي الجوهر ورابح صقر وعبدالله الرويشد، وقبلهم طلال مداح، وكذلك محمد عبده. ويتيح هذا الجمع للمستمع متابعة علاقة مباشرة بين الفنان وآلته، وفهم ما يضيفه العزف إلى التعبير الغنائي، وكيف تنشأ المتعة من التفاعل بينهما.

ومع اتساع إمكانات التسجيل والمعالجة والبرمجة، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً بشأن المساحة المتاحة لهذه الشخصية الموسيقية. فالعمل الذي يضع الأداء الحي في قلبه يمنح العازف فرصة للاجتهاد والتعبير، بينما قد يؤدي الإفراط في تسوية التفاصيل وتصحيحها إلى إضعاف الفروق التي تميز أداءً عن آخر. وهذه مسألة تتصل بالاختيارات الفنية وطريقة توظيف الأدوات، بقدر اتصالها بالأدوات نفسها.

وتجربة الأورج والجيتار جديرة بالتأمل هنا؛ فقد اقترنت نجومية بعض العازفين بآلات كهربائية، بما يوضح، أن التطور التقني يستطيع أن يفتح باباً للبصمة الفردية. والعبرة بما يطلبه المنتج والملحن من التقنية، وبالمكانة التي يمنحانها للموسيقي داخل العمل.

كما أن بروز العازف مسؤولية تتشارك فيها صناعة الأغنية والتغطية الإعلامية. فالجمهور يحتاج إلى معرفة أسماء المشاركين، وفهم أدوارهم، ومشاهدة مهاراتهم. وتستطيع الحفلات أن تمنح العزف المنفرد مساحة محسوبة، كما تستطيع الصورة أن تتبع صاحب الجملة الموسيقية أثناء أدائها، بدلاً من أن يظل مسموعاً وغائباً عن الانتباه.

ومن المهم أيضاً، أن يمتد الاهتمام إلى المواهب الجديدة؛ فالحديث عن أسماء تركت أثرها ينبغي أن يقود إلى البحث عمّن يملكون اليوم مهارات تستحق الإصغاء والتقديم. فاكتشاف العازف، وصقل موهبته، ومنحه فرصة الظهور، جزء من تجدد الأغنية نفسها.

التقنية قادرة على توسيع خيارات الموسيقي، لكن جمال العمل يظل مرتبطاً بما يفعله بهذه الخيارات. وكلما احتفظت الأغنية بمساحة لاجتهاد العازف وحساسيته، ازدادت فرصتها في اكتساب ملامحها الخاصة. فالجمهور الذي يحفظ صوت المطرب يستحق أن يعرف أيضاً أصحاب الأنامل التي أسهمت في صناعة طربه.

00:07 | 21-10-2026

«سلام سلام يا أهل مكة».. حين غنّت الكويت بلسان جدة

«سلام سلام يا أهل مكة.. ويا حظ من زار جدة».. بهذه الأهزوجة السعودية التي طالما حضرت في أفراح المنطقة الغربية ومناسباتها، استقبل أعضاء مجموعة «الموج الأزرق» الكويتية بطولة الخليج. انطلقت الأغنية مع بداية البطولة، وسرعان ما لقيت استحساناً واسعاً وتصدرت قوائم التداول. كان الصوت كويتياً، لكن الكلمات واللحن جاءا من ذاكرة المكان الذي يستضيف المنافسات.

نجاح العمل لم تصنعه المناسبة وحدها، فقد اختار الأشقاء الكويتيون لوناً من الموروث الشعبي السعودي، وقدموه لجمهور يعرفه ويأنس إليه، ولجمهور خليجي يكتشف عبره شيئاً من روح مكة وجدة. وفي اختيارهم تقدير لثراء التراث الغنائي في المملكة، وذكاء فني يليق بمكانة الكويت وريادتها الفنية في الخليج. لقد صافحوا الجمهور بما يحبه، فوجدت الأغنية طريقها إلى الناس.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز الإعجاب بالعمل: ما الذي أعددناه نحن فنياً لبطولة تقام على أرضنا؟ فبطولة الخليج، التي تعود فكرتها إلى الأمير خالد الفيصل، تجمع الناس حول الكرة، وتفتح للفن مساحة واسعة ليحكي عن المدينة المضيفة وأهلها. واللون السعودي، بتنوعه وثرائه، قادر على أن يقدم للبطولة أعمالاً جديدة تبقى في الذاكرة بعد صافرتها الأخيرة.

أهدانا «الموج الأزرق» مثالاً جميلاً على ما يمكن أن تفعله أغنية تعرف جمهورها ومكانها. وهي فرصة لفنانينا كي يقدموا أعمالاً تنطلق من تراثنا، وتحمل توقيعهم، وتضيف إلى أفراح البطولة صوتاً سعودياً يوازي حضورها على أرضنا.

00:01 | 29-09-2026

الأمومة وصناعة المحتوى.. يوميات عادية تصنع حضوراً رقمياً

فتحت منصات التواصل أمام التجارب اليومية مساحة جديدة للظهور والتأثير، وأصبحت التفاصيل المرتبطة بالأسرة والأمومة والمنزل مادة قادرة على بناء محتوى يجد صداه لدى الجمهور، بقدر ما يعكس واقعًا مألوفًا وتجارب مشتركة. وضمن هذا المسار، برزت نماذج اختارت تقديم حياتها اليومية بلغة قريبة، من بينها صانعة المحتوى ميساء إبراهيم.

بدأت تجربة ميساء من مشاركة موضوعات ترتبط بالأمومة والمنزل والطبخ والجمال والسفر، إلى جانب مواقف يومية تشبه حياة كثير من النساء. ومع اتساع حضورها الرقمي، تنوع محتواها بين الجوانب العائلية والاجتماعية والتحفيزية، دون الالتزام بقالب محدد.

وتحتل تجربة الأم جانبًا بارزًا في ما تقدمه، إذ تستعرض مواقف من يومياتها وما يصاحبها من تحديات ومسؤوليات، بعيدًا عن تقديم صورة مثالية للحياة. وأسهم هذا الأسلوب في تكوين علاقة مباشرة مع جمهورها، قائمة على بساطة الطرح وقرب موضوعاته من الواقع.

كما تتناول، في بعض محتواها، موضوعات الثقة بالنفس، وتجاوز التحديات، والتعامل مع نظرة الآخرين، مستفيدة من تجربتها الشخصية في تقديم رسائل تشجع على تقبل الذات والتعبير عنها.

ويعكس تنوع حضورها، عبر «سناب شات» و«تيك توك» و«إنستغرام»، طبيعة التحول الذي طرأ على صناعة المحتوى، إذ لم يعد التأثير الرقمي مرتبطًا بالمحتوى المتخصص وحده، بل أصبح قادرًا على الانطلاق من تفاصيل الحياة اليومية وصياغتها بطريقة تحمل أسلوب صاحبها.

وتقدم تجربة ميساء نموذجًا لصانعة محتوى، وجدت في الأمومة والحياة المنزلية نقطة انطلاق، ثم وسعت دائرة موضوعاتها لتشمل الجمال والسفر والطبخ والرسائل الاجتماعية. وهي تجربة تكشف كيف يمكن للتفاصيل المعتادة أن تتحول، عبر الاستمرار والتواصل مع الجمهور، إلى حضور رقمي ذي طابع شخصي.

00:12 | 22-09-2026

الثنائيات الإذاعية.. نجوم خلف الميكروفون

تملك الإذاعة قدرة نادرة على بناء علاقة حميمة مع المستمع. يكفي صوت يخرج من الميكروفون ليصنع مساحة من الألفة، ويمنح المتلقي شعوراً بأن أحداً يشاركه الطريق أو الصباح أو لحظة التأمل. ومنذ أجهزة الترانزستور، رافقت الإذاعة تفاصيل الحياة اليومية، وظلت وسيلة حاضرة في نقل الأخبار وتقديم البرامج العامة والفنية والغنائية والمنوعات.ومع اتساع التجربة الإذاعية وظهور الإذاعات الخاصة، برزت أسماء امتلكت حضوراً خاصاً خلف الميكروفون. نجومية المذيع لا تصنعها نبرة الصوت وحدها، بل تتكون من المعرفة، وسرعة البديهة، وحسن إدارة الحوار، والقدرة على اختيار الموضوع وتقديمه بطريقة تترك أثراً لدى المستمع. لذلك بقي بعض المذيعين حاضراً في الذاكرة، حتى بعد انتهاء البرنامج.

وتمنح الثنائيات الإذاعية هذا الحضور بعداً مختلفاً. فالمستمع يتابع صوتين، لكنه يكتشف بينهما إيقاعاً ثالثاً تصنعه الكيمياء المهنية. لكل مذيع شخصيته وطريقته في التفكير والتعبير، وعندما يلتقي صوتان متكاملان، يتحول الحوار إلى مساحة مفتوحة للأفكار، تتنوع فيها زوايا النظر، وتتسع قدرة البرنامج على ملامسة اهتمامات الجمهور.

يمثل الإذاعي أحمد الحامد أحد نجوم التقديم الإذاعي، بما قدمه خلال مشواره من برامج فنية وبرامج منوعات، وما حققه من حضور مهني أهله للفوز بلقب أفضل مذيع في أكثر من استفتاء أجرته صحف ومجلات. ومع انضمامه إلى إذاعة روتانا FM، واصل تقديم عدد من البرامج، مستنداً إلى خبرة طويلة وأسلوب يجمع الحضور والمرونة.

وفي برنامج «بغض النظر»، يلتقي أحمد الحامد بالمذيع خالد عبدالعزيز، في ثنائية تقوم على تنوع الطرح واختيارات الموضوعات واتساع مجالاتها. ويضيف خالد إلى التجربة خبرته في تقديم برامج عدة، من بينها «الصباح للكل» و«مخرج 88»، فضلاً عن قدرته على الانتقال بين القوالب الإذاعية المختلفة.

تقدم هذه الثنائية رسالة تتجاوز البرنامج ذاته: الإذاعة تتجدد بأصواتها، والنجاح يكتمل عندما تتحول الشراكة بين المذيعين إلى حوار حي يثق به المستمع. وتبقى قيمة الميكروفون في الإنسان الذي يقف خلفه، وفي الأثر الذي يتركه صوته بعد انتهاء البث.

00:02 | 16-09-2026

سباق اليوم الوطني.. الفكرة قبل الإنتاج

مع اقتراب اليوم الوطني السعودي، تتسارع وتيرة الإنتاج الإبداعي بين المؤسسات والعلامات التجارية ووكالات الإعلان وصناع المحتوى، بحثًا عن فكرة قادرة على اختراق ازدحام الرسائل الوطنية والوصول إلى ذاكرة الجمهور. فالمنافسة لا تدور حول كثرة ما سينتج وينشر، بل حول العمل الذي يملك معنى مختلفًا، وصورة أكثر صدقًا، وقدرة على البقاء بعد انقضاء المناسبة.

تتحول المناسبة كل عام إلى موسم واسع لصناعة المحتوى. أفلام قصيرة، أغانٍ، حملات إعلانية، تصاميم بصرية، أعمال فنية، قصص إنسانية ومقاطع مخصصة لمنصات التواصل الاجتماعي. كل جهة تريد أن تثبت حضورها، وكل صانع محتوى يبحث عن الزاوية التي تمنحه فرصة الظهور وسط سيل متتابع من الأعمال المتشابهة.

هذا الاتساع رفع سقف التوقعات. الجمهور الذي اعتاد مشاهدة أعمال عالية الإنتاج، وسريعة الإيقاع، ومبنية على أفكار واضحة، لم يعد يتوقف طويلًا أمام خطاب مكرر أو صورة مستهلكة. أصبحت الثواني الأولى كافية للحكم على العمل، وأصبح الانتقال من مقطع إلى آخر أسرع من قدرة كثير من الأفكار على بناء أثرها.

السباق الحقيقي، إذن، هو سباق الفكرة.

الفكرة الوطنية الجيدة لا تحتاج إلى ضجيج كي تصل، ولا إلى تكديس الشعارات حتى تبدو مؤثرة. قد تختصر علاقة الإنسان بوطنه في موقف يومي بسيط، أو حكاية شخصية، أو تفصيل لا يراه إلا من عاش المكان. صورة أم تتابع نجاح ابنها، أو شاب يحاول تحويل طموحه إلى مشروع، أو عامل يبدأ يومه قبل الجميع، يمكن أن تقول عن الوطن ما لا تقوله عشرات العبارات المنمقة.

المشكلة، أن بعض الأعمال تتعامل مع اليوم الوطني باعتباره موسمًا للتزيين البصري. العلم حاضر، والألوان حاضرة، والمعالم حاضرة، لكن الإنسان يغيب. تتحول المدن إلى خلفيات، والإنجازات إلى عناوين، والوطن إلى مجموعة من الرموز المتجاورة من دون قصة تجمعها.

الوطنية لا تقاس بارتفاع النبرة، ولا بعدد مرات تكرار كلمة الوطن. قيمتها تظهر في القدرة على تقديم علاقة الناس ببلادهم كما يعيشونها فعلًا، بما فيها من ذاكرة وحلم وتعب وانتظار وإنجاز. كلما اقترب العمل من التفاصيل الحقيقية، ابتعد عن التصنع، وامتلك فرصة أكبر للبقاء.

في سباق اليوم الوطني، لا يفوز بالضرورة صاحب الإنتاج الأكبر، بل صاحب الفكرة الأصدق. فالمحتوى الذي يضيف صورة أخرى إلى الأرشيف قد ينجح لحظيًا، أما المحتوى الذي يضيف معنى إلى الذاكرة الوطنية، فيبقى بعد أن تنتهي الموسيقى، وتنطفئ الشاشات، وتغادر المناسبة يومها.

00:45 | 9-09-2026

مهندس الصوت.. صانع دقيق لا يقف تحت الضوء

تُولد الأغنية في أذن الجمهور باسم مطربها، وتبقى في الذاكرة بلحنها وكلماتها، غير أن العمل الفني، قبل أن يصل صافياً ومتماسكاً، يمر على يد صانع دقيق لا يقف تحت الضوء غالباً. ذلك الصانع هو مهندس الصوت، الذي يتعامل مع الأغنية ككائن حي، يضبط أنفاسها، ويوازن طبقاتها، وينقذها أحياناً من فوضى الأداء أو رداءة التسجيل أو ازدحام الآلات.

اختزال الأغنية في صوت الفنان وحده ظلم للصناعة كلها. فالصوت الجميل قد يضيع في تسجيل سيئ، واللحن الجيد قد يفقد أثره إذا اختلت الموازنة، والكلمة العذبة قد لا تصل إذا ابتلعها التشويش أو طغت عليها الموسيقى. هنا تبدأ قيمة مهندس الصوت، لا بوصفه موظفاً خلف جهاز، بل شريكاً فنياً وتقنياً في صناعة العمل.

مهندس الصوت مسؤول عن تسجيل الأصوات، وضبط الميكروفونات، ومراقبة مستويات الإشارات، ومعالجة التشويش، وتحسين الوضوح، ثم مزج الأصوات وتقويتها عبر البرامج والأجهزة الحديثة. وفي الموسيقى والغناء تحديداً، لا تكفي المعرفة التقنية وحدها. فالمهندس الجيد يحتاج إلى أذن موسيقية تفهم المقامات، وتحسّ بصعود صوت الفنان ونزوله، وتدرك علاقة الإيقاع بالجملة اللحنية، وتعرف متى يكون التدخل ضرورة، ومتى يكون الصمت احتراماً لجمال الأداء.

سنوات قريبة مضت كان الفنان السعودي، عند التفكير في إصدار ألبوم غنائي، يتجه غالباً إلى خارج المملكة، إلى مصر أو الكويت أو بعض الدول الأوروبية، بحثاً عن الاستديوهات المتقدمة والخبرات المتخصصة في التسجيل والمكساج والتنقية الصوتية.

تلك المرحلة كانت مفهومة في وقتها، لكنها كشفت أيضاً حاجة السوق المحلي إلى صناعة صوتية مكتملة، لا تكتفي بالمطرب والملحن والشاعر، بل تحتضن المهندس والاستديو والتقنية.

اليوم تغيرت الصورة. الكوادر السعودية أصبحت أكثر حضوراً وتأهيلاً، مع اتساع فرص التدريب في الكليات والمعاهد التقنية، وتوفر أجهزة وبرامج حديثة تواكب التحولات الكبرى في عالم الصوت. كما أن اتجاه عدد من النجوم إلى تجهيز استديوهات خاصة، مثل فنان العرب محمد عبده، والفنان عبدالمجيد عبدالله، والموسيقار رابح صقر، أسهم في نقل جزء مهم من صناعة الأغنية إلى الداخل.

ودخول الشركات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها روتانا، عزز هذا التحول، خاصة مع الشراكات والاستديوهات التي باتت تستقطب أعمالاً غنائية لنجوم من داخل المملكة وخارجها. وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد تسجيل أغنية، بل بناء بيئة إنتاج فني قادرة على المنافسة.

بقي التحدي الأهم، أن نحمي هذه الصناعة من الارتجال. فمهندس الصوت ليس من يجيد استخدام البرنامج فقط، بل من يملك ذائقة، وثقافة موسيقية، وصبراً، وأمانة فنية. الأغنية الناجحة لا تحتاج صوتاً عالياً بقدر ما تحتاج صوتاً صحيحاً، وهنا بالضبط تقاس براعة مهندس الصوت.

00:14 | 1-09-2026

من جمهور يحجز «نسخة الألبوم».. إلى إصبع يتصفح أغنية في لمحة !

تغيّرت الأغنية، لكن التحول الأكبر حدث في علاقتنا بها. انتقلت من عمل نذهب إليه وننتظره إلى محتوى يعرف طريقه إلينا قبل أن نبحث عنه. وبين المسافتين تبدلت صناعة كاملة، وتغير معها مقدار ما نبذله من وقت وانتباه للفن.

أتذكر جيدًا محلات الكاسيت في جدة. لم يكن صدور ألبوم لفنان كبير خبرًا عابرًا بالنسبة لي، بل كان موعدًا يعرفه المهتمون، ويسألون عنه قبل أيام. نذهب إلى المحل، نحجز نسختنا، وقد نقف في طابور طويل للحصول عليها. لم يكن في ذلك ما يزعجنا. على العكس، كان الانتظار جزءًا من علاقتنا بالألبوم، وربما أول استثمار عاطفي فيه.

نعود بالشريط ونستمع إليه كاملًا. نقرأ أسماء الشعراء والملحنين والموزعين، ونعرف الأغنية الأولى والثانية، ونختلف حول أجملها، ثم نمنح الألبوم فرصة أخرى بعد أيام. بعض الأغنيات التي لم تلفتنا في الاستماع الأول أصبحت لاحقًا الأقرب إلينا. كان الفن يجد الوقت الكافي لكي ينمو في ذائقتنا.

وفي الجهة الأخرى، كان الفنان يدفع ثمن هذا الانتظار عملًا. ألبوم واحد قد يستغرق شهورًا من اختيار النصوص والألحان والتسجيل والتوزيع والمراجعة. وكان صدوره مشروعًا متكاملًا، غلاف، وإعلانات، ومقابلات، وحضور في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، ثم حكم الجمهور الذي لا تظهر نتائجه في عداد رقمي بعد ساعات.

اليوم اختُصرت الرحلة كلها تقريبًا.

يمكن لأغنية أن تُنجز وتُطرح وتصل إلى ملايين المستمعين في وقت قياسي. ويمكن تعديلها وإعادة توزيعها وتسويقها وقياس انتشارها بسرعة لم تكن متصورة قبل سنوات. المنصات منحت الفنان استقلالًا أكبر، وفتحت الباب لأصوات كان من الصعب أن تجد طريقها للشهرة. وهذه مكاسب حقيقية لا يصح التعامل معها بمنطق أن الماضي أفضل لمجرد أنه ماضٍ.

المشكلة في مكان آخر، سهولة الوصول غيّرت مقدار الانتباه الذي نمنحه لما يصل.

كنا نشتري ألبومًا فنمنحه وقتًا، لأن الوصول إليه كلّفنا وقتًا ومالًا وانتظارًا. اليوم لدينا ملايين الأغنيات، ولهذا أصبحت الأغنية تدخل في منافسة قاسية لا مع أغنية أخرى فقط، وإنما مع كل شيء على الشاشة. وقد أصبح مطلوبًا منها أن تلفت المستمع سريعًا، وأن تمنحه عبارتها الأشد تأثيرًا مبكرًا، وأن تنتج مقطعًا قابلًا للتداول، لأن ثواني قليلة قد تقرر استمرار المستمع أو انتقاله.

حتى مفهوم النجاح تغيّر. مبيعات الأشرطة كانت رقمًا له دلالة واضحة، أما اليوم فهناك المشاهدات والاستماعات والترند والمشاركة وإعادة الاستخدام. يستطيع فنان جديد، أن يصل خلال أيام إلى أرقام كان تحقيقها يحتاج سنوات، لكن الوصول السريع لا يعني بالضرورة تكوين قيمة فنية بالسرعة نفسها.

وهنا تكمن مفارقة هذا العصر، لم تكن الموسيقى في تاريخها أقرب إلينا مما هي اليوم، وربما لم يكن الاحتفاظ بانتباهنا أصعب مما هو اليوم.

لا أحن إلى الكاسيت باعتباره قطعة بلاستيكية، ولا أعتقد أن جودة الفن كانت مضمونة لمجرد أننا اشتريناه من متجر.

ما أفتقده هو علاقتنا بما نسمع، مقدار الصبر الذي كنا نمنحه للأغنية قبل الحكم عليها، والوقت الذي يسمح لها بأن تصبح ذكرى لا مجرد رقم في قائمة الاستماع.

التقنية لم تقلل قيمة الفن، لكنها ألغت مشقة الوصول إليه. وهنا أصبح العبء أكبر على الفنان نفسه، في السابق كان عليه أن يصل إلينا، أما اليوم فعليه أن يعرف كيف يبقى معنا بعد أن أصبح الوصول إلى الجميع أسهل من أي وقت مضى.

00:00 | 18-08-2026

إيقاع يضبط الحياة والموسيقى

نعيش على الإيقاع، وإن كنا لا ننتبه إليه دائمًا. دقات القلب إيقاع، والتنفس إيقاع، والنوم والاستيقاظ إيقاع، وتعاقب الليل والنهار والفصول وحركة المد والجزر، صور مختلفة لنظام يقوم في جوهره على التكرار والانتظام والتوقيت.

لهذا لا يرتبط مفهوم الإيقاع بالموسيقى وحدها.

في علم الأحياء، تعمل الساعة البيولوجية على تنظيم كثير من وظائف الجسم، وفي حياتنا اليومية نصنع إيقاعاتنا الخاصة من مواعيد العمل والطعام والنوم والراحة.

وعندما يضطرب هذا النظام، يظهر أثره على النشاط والتركيز والمزاج وجودة الحياة.

الموسيقى تقدم الصورة الأكثر وضوحًا لهذا المفهوم؛ فالإيقاع فيها هو تنظيم، وتحديد حركة النغم وسرعته وتتابعه تنظيم. وقد يبدو للمستمع أن الإيقاعي يؤدي دورًا مصاحبًا للمغني واللحن، بينما هو في الحقيقة أحد العناصر التي تحفظ تماسك العمل، وتمنح بقية العازفين أرضية زمنية مشتركة.

ويقدم الإيقاعي سليمان البيطار، مثلًا، نموذجًا لهذه المهنة التي تعمل غالبًا بعيدًا عن الضوء، رغم حضوره المؤثر على المسرح. فقد عمل مع أسماء كبيرة في الأغنية العربية، من بينها محمد عبده، وعبدالمجيد عبدالله، وماجد المهندس، وأميمة طالب، وعبادي الجوهر.

عمل الإيقاعي لا يقوم على الضرب المتتابع على الآلة كما قد يتصور البعض، وإنما على معرفة دقيقة بالزمن الموسيقي، والسرعة، والميزان، ومواقع الدخول والتوقف، وقدرته على التفاعل مع المطرب والعازفين وتغيرات الأداء الحي.

واللافت، أن وظيفة الإيقاعي تشبه، بصورة ما، وظيفة الإيقاع في حياتنا. فالانتظام لا يعني التكرار الممل، بل توزيع الحركة والسكون بطريقة تحفظ التوازن.

من دقة القلب إلى دقة الإيقاعي، تبدو الفكرة واحدة: لكل حياة ميزان، ولكل موسيقى زمن، والخلل يبدأ عندما نفقد الإيقاع.

23:58 | 10-08-2026

منصات حياة تصنع الحراك في المدن

الفن مساحة واسعة لا يمكن حصرها في شكل واحد أو قالب محدد. فهو يظهر في المسرح، والموسيقى، واللوحة، والزي، والطعام، والكتاب، وفي كل تفصيل قادر على أن يمنح الإنسان معنى أجمل للحياة. ومن بين هذه المساحات، تأتي المهرجانات باعتبارها صورة حية للفن حين يخرج من حدوده الخاصة إلى الناس، ويتحول إلى احتفال جماعي يلتقي فيه الذوق بالذاكرة، والمتعة بالمعرفة، والهوية بالتجربة.

والمهرجان في مفهومه العام ليس فعالية عابرة، بل مناسبة منظمة تحمل هدفًا واضحًا؛ قد تكون احتفاءً بحدث سعيد، أو استحضارًا لذكرى وطنية أو تاريخية، أو مناسبة لتبادل الثقافات والفنون، أو نافذة للتعريف بمنتج محلي وموروث اجتماعي. لذلك تتعدد المهرجانات بتعدد أغراضها، ولا يمكن اختزالها في الحفلات الفنية وحدها، مهما كان حضورها لافتًا ومؤثرًا.

فهناك مهرجانات ترتبط بالوقت وطبيعة النشاط؛ فالأمسيات الفنية غالبًا ما تجد حضورها في الليل، حيث ينسجم المسرح مع الإضاءة والجمهور والأجواء الاحتفالية. وفي المقابل، تأتي مهرجانات المنتجات الزراعية والأنشطة الشعبية في النهار، لأنها أكثر التصاقًا بالسوق، والمزارع، والحرف، والتجربة المباشرة للزائر، مثل مهرجانات التمور، والفلفل، والقهوة، وغيرها من المواسم التي تحول المنتج من مجرد سلعة إلى حكاية وموروث وفرصة اقتصادية.

كما أن للمهرجانات وجوهًا أخرى لا تقل أهمية؛ فهناك مهرجانات للأزياء تكشف جانبًا من الذوق والهوية، ومهرجانات للطبخ تروي ذاكرة المجتمعات من خلال المائدة، ومعارض للكتاب تمثل احتفالًا بالفكر والمعرفة، وتفتح المجال أمام الكاتب والناشر والقارئ في لقاء ثقافي ممتد.

لهذا تبدو المهرجانات أكثر من مجرد تجمعات جماهيرية. إنها منصات حياة، تصنع الحراك في المدن، وتدعم السياحة، وتنعش الاقتصاد المحلي، وتمنح المجتمع فرصة للاحتفاء بما يملكه من فنون ومواسم ومنتجات وقصص. فالمهرجان الناجح لا ينتهي بانطفاء أضوائه، بل يبقى أثره في الذاكرة، وفي السوق، وفي صورة المكان.

00:00 | 4-08-2026

الغناء «الحلمنتيشي».. بين الفكاهة والطرب

ظهر الغناء الحلمنتيشي ليجعل من المفارقة والتهكم مادة فنية، ووسيلة للوصول إلى الجمهور، ولم يكن خروجًا على الفن بقدر ما كان استجابة لذائقة اجتماعية تبحث عن المتعة والابتسامة، في زمن تتعاظم فيه الضغوط.

في الوطن العربي، ارتبط هذا اللون بأسماء تركت أثرًا واضحًا، يأتي في مقدمتها الفنان المصري أحمد عدوية، الذي أحدث نقلة في الأغنية الشعبية، مقدّمًا لغة الشارع بإيقاعات جذابة، قبل أن يواصل آخرون هذا المسار، ومن أبرزهم شعبان عبدالرحيم، الذي مزج بين التعليق الاجتماعي واللغة المباشرة، حتى أصبحت أغانيه وثائق شعبية ترصد نبض الشارع أكثر من كونها أعمالًا موسيقية تقليدية.

أما في الخليج، فقد عرف هذا الاتجاه حضورًا لافتًا، خاصة في المنطقة الغربية، حيث برز الفنان طاهر كتلوج، الذي استطاع أن يحول الموقف اليومي إلى مادة غنائية ساخرة، تستند إلى المفردة المحلية وخفة الروح، فصنع لنفسه جمهورًا واسعًا ما زال يتداول أعماله حتى اليوم. كما برز الفنان خالد الملا، الذي قدم نموذجًا قريبًا في توظيف الشعر الشعبي البسيط والفكاهة داخل الأغنية الخليجية، مؤكدًا أن هذا اللون ليس حكرًا على بيئة واحدة، بل هو امتداد لثقافة شعبية عربية واسعة.

ورغم أن هذا النمط ظل عرضة لانتقادات من الذين رأوا فيه ابتعادًا عن جماليات الشعر واللحن، فإنه استطاع أن يفرض حضوره لعقود، لأن نجاح أي لون فني لا يُقاس فقط بمعايير النخبة، بل أيضًا بقدرته على الوصول إلى الناس والتعبير عنهم. فالفنون الشعبية، بطبيعتها، تنشأ من المجتمع وتستمد مشروعيتها من تفاعل الجمهور معها، لا من رضا النقاد وحدهم.

ومن اللافت، أن ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه لونًا هامشيًا، عاد اليوم بصيغ جديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الأغنية الساخرة، والمقطع القصير، والكلمة الخفيفة، أكثر قابلية للانتشار، حتى غدت كثير من هذه الأعمال تتصدر قوائم التداول، وتحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات. وهكذا أعادت المنصات الرقمية إنتاج الفكرة نفسها، وإن اختلفت الأدوات والوسائط.

في النهاية، يبقى الغناء الحلمنتيشي جزءًا من التنوع الفني العربي، لا بديلًا عن الطرب الأصيل ولا خصمًا له. إنه لون يعكس جانبًا من الشخصية الشعبية العربية؛ شخصية تعرف كيف تضحك على همومها، وتحوّل تفاصيلها اليومية إلى مادة فنية خفيفة، تؤكد أن للفكاهة مكانًا في الثقافة، تمامًا كما للطرب مكانته، وأن الفن، في النهاية، يتسع لكل ما يلامس الإنسان ويعبر عن حياته.

00:01 | 28-07-2026