أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1891.jpg?v=1775997127&w=220&q=100&f=webp

صالح عيسى

الثنائيات الإذاعية.. نجوم خلف الميكروفون

تملك الإذاعة قدرة نادرة على بناء علاقة حميمة مع المستمع. يكفي صوت يخرج من الميكروفون ليصنع مساحة من الألفة، ويمنح المتلقي شعوراً بأن أحداً يشاركه الطريق أو الصباح أو لحظة التأمل. ومنذ أجهزة الترانزستور، رافقت الإذاعة تفاصيل الحياة اليومية، وظلت وسيلة حاضرة في نقل الأخبار وتقديم البرامج العامة والفنية والغنائية والمنوعات.ومع اتساع التجربة الإذاعية وظهور الإذاعات الخاصة، برزت أسماء امتلكت حضوراً خاصاً خلف الميكروفون. نجومية المذيع لا تصنعها نبرة الصوت وحدها، بل تتكون من المعرفة، وسرعة البديهة، وحسن إدارة الحوار، والقدرة على اختيار الموضوع وتقديمه بطريقة تترك أثراً لدى المستمع. لذلك بقي بعض المذيعين حاضراً في الذاكرة، حتى بعد انتهاء البرنامج.

وتمنح الثنائيات الإذاعية هذا الحضور بعداً مختلفاً. فالمستمع يتابع صوتين، لكنه يكتشف بينهما إيقاعاً ثالثاً تصنعه الكيمياء المهنية. لكل مذيع شخصيته وطريقته في التفكير والتعبير، وعندما يلتقي صوتان متكاملان، يتحول الحوار إلى مساحة مفتوحة للأفكار، تتنوع فيها زوايا النظر، وتتسع قدرة البرنامج على ملامسة اهتمامات الجمهور.

يمثل الإذاعي أحمد الحامد أحد نجوم التقديم الإذاعي، بما قدمه خلال مشواره من برامج فنية وبرامج منوعات، وما حققه من حضور مهني أهله للفوز بلقب أفضل مذيع في أكثر من استفتاء أجرته صحف ومجلات. ومع انضمامه إلى إذاعة روتانا FM، واصل تقديم عدد من البرامج، مستنداً إلى خبرة طويلة وأسلوب يجمع الحضور والمرونة.

وفي برنامج «بغض النظر»، يلتقي أحمد الحامد بالمذيع خالد عبدالعزيز، في ثنائية تقوم على تنوع الطرح واختيارات الموضوعات واتساع مجالاتها. ويضيف خالد إلى التجربة خبرته في تقديم برامج عدة، من بينها «الصباح للكل» و«مخرج 88»، فضلاً عن قدرته على الانتقال بين القوالب الإذاعية المختلفة.

تقدم هذه الثنائية رسالة تتجاوز البرنامج ذاته: الإذاعة تتجدد بأصواتها، والنجاح يكتمل عندما تتحول الشراكة بين المذيعين إلى حوار حي يثق به المستمع. وتبقى قيمة الميكروفون في الإنسان الذي يقف خلفه، وفي الأثر الذي يتركه صوته بعد انتهاء البث.

منذ ساعتين

سباق اليوم الوطني.. الفكرة قبل الإنتاج

مع اقتراب اليوم الوطني السعودي، تتسارع وتيرة الإنتاج الإبداعي بين المؤسسات والعلامات التجارية ووكالات الإعلان وصناع المحتوى، بحثًا عن فكرة قادرة على اختراق ازدحام الرسائل الوطنية والوصول إلى ذاكرة الجمهور. فالمنافسة لا تدور حول كثرة ما سينتج وينشر، بل حول العمل الذي يملك معنى مختلفًا، وصورة أكثر صدقًا، وقدرة على البقاء بعد انقضاء المناسبة.

تتحول المناسبة كل عام إلى موسم واسع لصناعة المحتوى. أفلام قصيرة، أغانٍ، حملات إعلانية، تصاميم بصرية، أعمال فنية، قصص إنسانية ومقاطع مخصصة لمنصات التواصل الاجتماعي. كل جهة تريد أن تثبت حضورها، وكل صانع محتوى يبحث عن الزاوية التي تمنحه فرصة الظهور وسط سيل متتابع من الأعمال المتشابهة.

هذا الاتساع رفع سقف التوقعات. الجمهور الذي اعتاد مشاهدة أعمال عالية الإنتاج، وسريعة الإيقاع، ومبنية على أفكار واضحة، لم يعد يتوقف طويلًا أمام خطاب مكرر أو صورة مستهلكة. أصبحت الثواني الأولى كافية للحكم على العمل، وأصبح الانتقال من مقطع إلى آخر أسرع من قدرة كثير من الأفكار على بناء أثرها.

السباق الحقيقي، إذن، هو سباق الفكرة.

الفكرة الوطنية الجيدة لا تحتاج إلى ضجيج كي تصل، ولا إلى تكديس الشعارات حتى تبدو مؤثرة. قد تختصر علاقة الإنسان بوطنه في موقف يومي بسيط، أو حكاية شخصية، أو تفصيل لا يراه إلا من عاش المكان. صورة أم تتابع نجاح ابنها، أو شاب يحاول تحويل طموحه إلى مشروع، أو عامل يبدأ يومه قبل الجميع، يمكن أن تقول عن الوطن ما لا تقوله عشرات العبارات المنمقة.

المشكلة، أن بعض الأعمال تتعامل مع اليوم الوطني باعتباره موسمًا للتزيين البصري. العلم حاضر، والألوان حاضرة، والمعالم حاضرة، لكن الإنسان يغيب. تتحول المدن إلى خلفيات، والإنجازات إلى عناوين، والوطن إلى مجموعة من الرموز المتجاورة من دون قصة تجمعها.

الوطنية لا تقاس بارتفاع النبرة، ولا بعدد مرات تكرار كلمة الوطن. قيمتها تظهر في القدرة على تقديم علاقة الناس ببلادهم كما يعيشونها فعلًا، بما فيها من ذاكرة وحلم وتعب وانتظار وإنجاز. كلما اقترب العمل من التفاصيل الحقيقية، ابتعد عن التصنع، وامتلك فرصة أكبر للبقاء.

في سباق اليوم الوطني، لا يفوز بالضرورة صاحب الإنتاج الأكبر، بل صاحب الفكرة الأصدق. فالمحتوى الذي يضيف صورة أخرى إلى الأرشيف قد ينجح لحظيًا، أما المحتوى الذي يضيف معنى إلى الذاكرة الوطنية، فيبقى بعد أن تنتهي الموسيقى، وتنطفئ الشاشات، وتغادر المناسبة يومها.

00:45 | 9-09-2026

مهندس الصوت.. صانع دقيق لا يقف تحت الضوء

تُولد الأغنية في أذن الجمهور باسم مطربها، وتبقى في الذاكرة بلحنها وكلماتها، غير أن العمل الفني، قبل أن يصل صافياً ومتماسكاً، يمر على يد صانع دقيق لا يقف تحت الضوء غالباً. ذلك الصانع هو مهندس الصوت، الذي يتعامل مع الأغنية ككائن حي، يضبط أنفاسها، ويوازن طبقاتها، وينقذها أحياناً من فوضى الأداء أو رداءة التسجيل أو ازدحام الآلات.

اختزال الأغنية في صوت الفنان وحده ظلم للصناعة كلها. فالصوت الجميل قد يضيع في تسجيل سيئ، واللحن الجيد قد يفقد أثره إذا اختلت الموازنة، والكلمة العذبة قد لا تصل إذا ابتلعها التشويش أو طغت عليها الموسيقى. هنا تبدأ قيمة مهندس الصوت، لا بوصفه موظفاً خلف جهاز، بل شريكاً فنياً وتقنياً في صناعة العمل.

مهندس الصوت مسؤول عن تسجيل الأصوات، وضبط الميكروفونات، ومراقبة مستويات الإشارات، ومعالجة التشويش، وتحسين الوضوح، ثم مزج الأصوات وتقويتها عبر البرامج والأجهزة الحديثة. وفي الموسيقى والغناء تحديداً، لا تكفي المعرفة التقنية وحدها. فالمهندس الجيد يحتاج إلى أذن موسيقية تفهم المقامات، وتحسّ بصعود صوت الفنان ونزوله، وتدرك علاقة الإيقاع بالجملة اللحنية، وتعرف متى يكون التدخل ضرورة، ومتى يكون الصمت احتراماً لجمال الأداء.

سنوات قريبة مضت كان الفنان السعودي، عند التفكير في إصدار ألبوم غنائي، يتجه غالباً إلى خارج المملكة، إلى مصر أو الكويت أو بعض الدول الأوروبية، بحثاً عن الاستديوهات المتقدمة والخبرات المتخصصة في التسجيل والمكساج والتنقية الصوتية.

تلك المرحلة كانت مفهومة في وقتها، لكنها كشفت أيضاً حاجة السوق المحلي إلى صناعة صوتية مكتملة، لا تكتفي بالمطرب والملحن والشاعر، بل تحتضن المهندس والاستديو والتقنية.

اليوم تغيرت الصورة. الكوادر السعودية أصبحت أكثر حضوراً وتأهيلاً، مع اتساع فرص التدريب في الكليات والمعاهد التقنية، وتوفر أجهزة وبرامج حديثة تواكب التحولات الكبرى في عالم الصوت. كما أن اتجاه عدد من النجوم إلى تجهيز استديوهات خاصة، مثل فنان العرب محمد عبده، والفنان عبدالمجيد عبدالله، والموسيقار رابح صقر، أسهم في نقل جزء مهم من صناعة الأغنية إلى الداخل.

ودخول الشركات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها روتانا، عزز هذا التحول، خاصة مع الشراكات والاستديوهات التي باتت تستقطب أعمالاً غنائية لنجوم من داخل المملكة وخارجها. وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد تسجيل أغنية، بل بناء بيئة إنتاج فني قادرة على المنافسة.

بقي التحدي الأهم، أن نحمي هذه الصناعة من الارتجال. فمهندس الصوت ليس من يجيد استخدام البرنامج فقط، بل من يملك ذائقة، وثقافة موسيقية، وصبراً، وأمانة فنية. الأغنية الناجحة لا تحتاج صوتاً عالياً بقدر ما تحتاج صوتاً صحيحاً، وهنا بالضبط تقاس براعة مهندس الصوت.

00:14 | 1-09-2026

من جمهور يحجز «نسخة الألبوم».. إلى إصبع يتصفح أغنية في لمحة !

تغيّرت الأغنية، لكن التحول الأكبر حدث في علاقتنا بها. انتقلت من عمل نذهب إليه وننتظره إلى محتوى يعرف طريقه إلينا قبل أن نبحث عنه. وبين المسافتين تبدلت صناعة كاملة، وتغير معها مقدار ما نبذله من وقت وانتباه للفن.

أتذكر جيدًا محلات الكاسيت في جدة. لم يكن صدور ألبوم لفنان كبير خبرًا عابرًا بالنسبة لي، بل كان موعدًا يعرفه المهتمون، ويسألون عنه قبل أيام. نذهب إلى المحل، نحجز نسختنا، وقد نقف في طابور طويل للحصول عليها. لم يكن في ذلك ما يزعجنا. على العكس، كان الانتظار جزءًا من علاقتنا بالألبوم، وربما أول استثمار عاطفي فيه.

نعود بالشريط ونستمع إليه كاملًا. نقرأ أسماء الشعراء والملحنين والموزعين، ونعرف الأغنية الأولى والثانية، ونختلف حول أجملها، ثم نمنح الألبوم فرصة أخرى بعد أيام. بعض الأغنيات التي لم تلفتنا في الاستماع الأول أصبحت لاحقًا الأقرب إلينا. كان الفن يجد الوقت الكافي لكي ينمو في ذائقتنا.

وفي الجهة الأخرى، كان الفنان يدفع ثمن هذا الانتظار عملًا. ألبوم واحد قد يستغرق شهورًا من اختيار النصوص والألحان والتسجيل والتوزيع والمراجعة. وكان صدوره مشروعًا متكاملًا، غلاف، وإعلانات، ومقابلات، وحضور في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، ثم حكم الجمهور الذي لا تظهر نتائجه في عداد رقمي بعد ساعات.

اليوم اختُصرت الرحلة كلها تقريبًا.

يمكن لأغنية أن تُنجز وتُطرح وتصل إلى ملايين المستمعين في وقت قياسي. ويمكن تعديلها وإعادة توزيعها وتسويقها وقياس انتشارها بسرعة لم تكن متصورة قبل سنوات. المنصات منحت الفنان استقلالًا أكبر، وفتحت الباب لأصوات كان من الصعب أن تجد طريقها للشهرة. وهذه مكاسب حقيقية لا يصح التعامل معها بمنطق أن الماضي أفضل لمجرد أنه ماضٍ.

المشكلة في مكان آخر، سهولة الوصول غيّرت مقدار الانتباه الذي نمنحه لما يصل.

كنا نشتري ألبومًا فنمنحه وقتًا، لأن الوصول إليه كلّفنا وقتًا ومالًا وانتظارًا. اليوم لدينا ملايين الأغنيات، ولهذا أصبحت الأغنية تدخل في منافسة قاسية لا مع أغنية أخرى فقط، وإنما مع كل شيء على الشاشة. وقد أصبح مطلوبًا منها أن تلفت المستمع سريعًا، وأن تمنحه عبارتها الأشد تأثيرًا مبكرًا، وأن تنتج مقطعًا قابلًا للتداول، لأن ثواني قليلة قد تقرر استمرار المستمع أو انتقاله.

حتى مفهوم النجاح تغيّر. مبيعات الأشرطة كانت رقمًا له دلالة واضحة، أما اليوم فهناك المشاهدات والاستماعات والترند والمشاركة وإعادة الاستخدام. يستطيع فنان جديد، أن يصل خلال أيام إلى أرقام كان تحقيقها يحتاج سنوات، لكن الوصول السريع لا يعني بالضرورة تكوين قيمة فنية بالسرعة نفسها.

وهنا تكمن مفارقة هذا العصر، لم تكن الموسيقى في تاريخها أقرب إلينا مما هي اليوم، وربما لم يكن الاحتفاظ بانتباهنا أصعب مما هو اليوم.

لا أحن إلى الكاسيت باعتباره قطعة بلاستيكية، ولا أعتقد أن جودة الفن كانت مضمونة لمجرد أننا اشتريناه من متجر.

ما أفتقده هو علاقتنا بما نسمع، مقدار الصبر الذي كنا نمنحه للأغنية قبل الحكم عليها، والوقت الذي يسمح لها بأن تصبح ذكرى لا مجرد رقم في قائمة الاستماع.

التقنية لم تقلل قيمة الفن، لكنها ألغت مشقة الوصول إليه. وهنا أصبح العبء أكبر على الفنان نفسه، في السابق كان عليه أن يصل إلينا، أما اليوم فعليه أن يعرف كيف يبقى معنا بعد أن أصبح الوصول إلى الجميع أسهل من أي وقت مضى.

00:00 | 18-08-2026

إيقاع يضبط الحياة والموسيقى

نعيش على الإيقاع، وإن كنا لا ننتبه إليه دائمًا. دقات القلب إيقاع، والتنفس إيقاع، والنوم والاستيقاظ إيقاع، وتعاقب الليل والنهار والفصول وحركة المد والجزر، صور مختلفة لنظام يقوم في جوهره على التكرار والانتظام والتوقيت.

لهذا لا يرتبط مفهوم الإيقاع بالموسيقى وحدها.

في علم الأحياء، تعمل الساعة البيولوجية على تنظيم كثير من وظائف الجسم، وفي حياتنا اليومية نصنع إيقاعاتنا الخاصة من مواعيد العمل والطعام والنوم والراحة.

وعندما يضطرب هذا النظام، يظهر أثره على النشاط والتركيز والمزاج وجودة الحياة.

الموسيقى تقدم الصورة الأكثر وضوحًا لهذا المفهوم؛ فالإيقاع فيها هو تنظيم، وتحديد حركة النغم وسرعته وتتابعه تنظيم. وقد يبدو للمستمع أن الإيقاعي يؤدي دورًا مصاحبًا للمغني واللحن، بينما هو في الحقيقة أحد العناصر التي تحفظ تماسك العمل، وتمنح بقية العازفين أرضية زمنية مشتركة.

ويقدم الإيقاعي سليمان البيطار، مثلًا، نموذجًا لهذه المهنة التي تعمل غالبًا بعيدًا عن الضوء، رغم حضوره المؤثر على المسرح. فقد عمل مع أسماء كبيرة في الأغنية العربية، من بينها محمد عبده، وعبدالمجيد عبدالله، وماجد المهندس، وأميمة طالب، وعبادي الجوهر.

عمل الإيقاعي لا يقوم على الضرب المتتابع على الآلة كما قد يتصور البعض، وإنما على معرفة دقيقة بالزمن الموسيقي، والسرعة، والميزان، ومواقع الدخول والتوقف، وقدرته على التفاعل مع المطرب والعازفين وتغيرات الأداء الحي.

واللافت، أن وظيفة الإيقاعي تشبه، بصورة ما، وظيفة الإيقاع في حياتنا. فالانتظام لا يعني التكرار الممل، بل توزيع الحركة والسكون بطريقة تحفظ التوازن.

من دقة القلب إلى دقة الإيقاعي، تبدو الفكرة واحدة: لكل حياة ميزان، ولكل موسيقى زمن، والخلل يبدأ عندما نفقد الإيقاع.

23:58 | 10-08-2026

منصات حياة تصنع الحراك في المدن

الفن مساحة واسعة لا يمكن حصرها في شكل واحد أو قالب محدد. فهو يظهر في المسرح، والموسيقى، واللوحة، والزي، والطعام، والكتاب، وفي كل تفصيل قادر على أن يمنح الإنسان معنى أجمل للحياة. ومن بين هذه المساحات، تأتي المهرجانات باعتبارها صورة حية للفن حين يخرج من حدوده الخاصة إلى الناس، ويتحول إلى احتفال جماعي يلتقي فيه الذوق بالذاكرة، والمتعة بالمعرفة، والهوية بالتجربة.

والمهرجان في مفهومه العام ليس فعالية عابرة، بل مناسبة منظمة تحمل هدفًا واضحًا؛ قد تكون احتفاءً بحدث سعيد، أو استحضارًا لذكرى وطنية أو تاريخية، أو مناسبة لتبادل الثقافات والفنون، أو نافذة للتعريف بمنتج محلي وموروث اجتماعي. لذلك تتعدد المهرجانات بتعدد أغراضها، ولا يمكن اختزالها في الحفلات الفنية وحدها، مهما كان حضورها لافتًا ومؤثرًا.

فهناك مهرجانات ترتبط بالوقت وطبيعة النشاط؛ فالأمسيات الفنية غالبًا ما تجد حضورها في الليل، حيث ينسجم المسرح مع الإضاءة والجمهور والأجواء الاحتفالية. وفي المقابل، تأتي مهرجانات المنتجات الزراعية والأنشطة الشعبية في النهار، لأنها أكثر التصاقًا بالسوق، والمزارع، والحرف، والتجربة المباشرة للزائر، مثل مهرجانات التمور، والفلفل، والقهوة، وغيرها من المواسم التي تحول المنتج من مجرد سلعة إلى حكاية وموروث وفرصة اقتصادية.

كما أن للمهرجانات وجوهًا أخرى لا تقل أهمية؛ فهناك مهرجانات للأزياء تكشف جانبًا من الذوق والهوية، ومهرجانات للطبخ تروي ذاكرة المجتمعات من خلال المائدة، ومعارض للكتاب تمثل احتفالًا بالفكر والمعرفة، وتفتح المجال أمام الكاتب والناشر والقارئ في لقاء ثقافي ممتد.

لهذا تبدو المهرجانات أكثر من مجرد تجمعات جماهيرية. إنها منصات حياة، تصنع الحراك في المدن، وتدعم السياحة، وتنعش الاقتصاد المحلي، وتمنح المجتمع فرصة للاحتفاء بما يملكه من فنون ومواسم ومنتجات وقصص. فالمهرجان الناجح لا ينتهي بانطفاء أضوائه، بل يبقى أثره في الذاكرة، وفي السوق، وفي صورة المكان.

00:00 | 4-08-2026

الغناء «الحلمنتيشي».. بين الفكاهة والطرب

ظهر الغناء الحلمنتيشي ليجعل من المفارقة والتهكم مادة فنية، ووسيلة للوصول إلى الجمهور، ولم يكن خروجًا على الفن بقدر ما كان استجابة لذائقة اجتماعية تبحث عن المتعة والابتسامة، في زمن تتعاظم فيه الضغوط.

في الوطن العربي، ارتبط هذا اللون بأسماء تركت أثرًا واضحًا، يأتي في مقدمتها الفنان المصري أحمد عدوية، الذي أحدث نقلة في الأغنية الشعبية، مقدّمًا لغة الشارع بإيقاعات جذابة، قبل أن يواصل آخرون هذا المسار، ومن أبرزهم شعبان عبدالرحيم، الذي مزج بين التعليق الاجتماعي واللغة المباشرة، حتى أصبحت أغانيه وثائق شعبية ترصد نبض الشارع أكثر من كونها أعمالًا موسيقية تقليدية.

أما في الخليج، فقد عرف هذا الاتجاه حضورًا لافتًا، خاصة في المنطقة الغربية، حيث برز الفنان طاهر كتلوج، الذي استطاع أن يحول الموقف اليومي إلى مادة غنائية ساخرة، تستند إلى المفردة المحلية وخفة الروح، فصنع لنفسه جمهورًا واسعًا ما زال يتداول أعماله حتى اليوم. كما برز الفنان خالد الملا، الذي قدم نموذجًا قريبًا في توظيف الشعر الشعبي البسيط والفكاهة داخل الأغنية الخليجية، مؤكدًا أن هذا اللون ليس حكرًا على بيئة واحدة، بل هو امتداد لثقافة شعبية عربية واسعة.

ورغم أن هذا النمط ظل عرضة لانتقادات من الذين رأوا فيه ابتعادًا عن جماليات الشعر واللحن، فإنه استطاع أن يفرض حضوره لعقود، لأن نجاح أي لون فني لا يُقاس فقط بمعايير النخبة، بل أيضًا بقدرته على الوصول إلى الناس والتعبير عنهم. فالفنون الشعبية، بطبيعتها، تنشأ من المجتمع وتستمد مشروعيتها من تفاعل الجمهور معها، لا من رضا النقاد وحدهم.

ومن اللافت، أن ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه لونًا هامشيًا، عاد اليوم بصيغ جديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الأغنية الساخرة، والمقطع القصير، والكلمة الخفيفة، أكثر قابلية للانتشار، حتى غدت كثير من هذه الأعمال تتصدر قوائم التداول، وتحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات. وهكذا أعادت المنصات الرقمية إنتاج الفكرة نفسها، وإن اختلفت الأدوات والوسائط.

في النهاية، يبقى الغناء الحلمنتيشي جزءًا من التنوع الفني العربي، لا بديلًا عن الطرب الأصيل ولا خصمًا له. إنه لون يعكس جانبًا من الشخصية الشعبية العربية؛ شخصية تعرف كيف تضحك على همومها، وتحوّل تفاصيلها اليومية إلى مادة فنية خفيفة، تؤكد أن للفكاهة مكانًا في الثقافة، تمامًا كما للطرب مكانته، وأن الفن، في النهاية، يتسع لكل ما يلامس الإنسان ويعبر عن حياته.

00:01 | 28-07-2026

الخلط بين المفاهيم والمصطلحات.. مؤتمر صحفي أم لقاء إعلاميين؟

خلال أكثر من ربع قرن أمضيتها بين قاعات المؤتمرات، ومنصات المتحدثين، وغرف تنظيم الفعاليات، ولقاءات المسؤولين، وإدارة المؤتمرات الصحفية في قطاعات متنوعة، ومع شخصيات محلية ودولية في مجالات عدة، لاحظت أن أكثر المصطلحات تعرضًا للخلط هما: المؤتمر الصحفي والإحاطة الإعلامية، ويضاف إليهما نوع ثالث أصبح حاضرًا بكثرة، هو اللقاء الإعلامي الجماعي القصير.

هذا الخلط لا يقع عند الجمهور فحسب، بل يتكرر أحيانًا في بيانات رسمية، وفي الدعوات الإعلامية، وحتى في التغطيات الصحفية. ولذلك أعتقد، أن الوقت حان لإعادة ترتيب المفاهيم، ليس بوصفها ترفًا لغويًا، بل باعتبارها جزءًا من الاحتراف المهني.

المؤتمر الصحفي له وظيفة واضحة؛ فهو مناسبة لإعلان قرار إستراتيجي، أو إطلاق مشروع كبير، أو الكشف عن منتج أو مبادرة، أو التعامل مع قضية ذات اهتمام واسع. بطبيعته يصنع خبرًا جديدًا، ويستدعي حضورًا إعلاميًا واسعًا، ويقوده غالبًا صاحب القرار أو أعلى مسؤول في الجهة، مع مساحة مفتوحة للأسئلة والنقاش.

أما الإحاطة الإعلامية، فهي تؤدي وظيفة مختلفة تمامًا. فهي لا تُنشئ الخبر، بل تشرحه. لا تعلن القرار، بل تفسر أبعاده. هدفها تزويد الإعلام بالمعلومات، وتوضيح المستجدات، وتصحيح ما قد يلتبس، أو استكمال ما يحتاجه الرأي العام من تفاصيل. وغالبًا ما يقدمها المتحدث الرسمي أو مسؤول تنفيذي مختص، وقد تكون دورية أو مرتبطة بحدث معين.

ومن واقع التجربة، فإن المؤسسات الأكثر نضجًا في الاتصال المؤسسي هي التي تعرف متى تعقد مؤتمرًا صحفيًا، ومتى تكتفي بإحاطة إعلامية، لأن لكل منهما أثرًا مختلفًا على الرسالة الإعلامية، وعلى توقعات الصحفيين، وعلى حجم التغطية.

ويبقى النوع الثالث، الذي يختلط كثيرًا بالمؤتمر الصحفي، وهو اللقاء الإعلامي الجماعي القصير. هذا النموذج ليس مؤتمرًا صحفيًا بالمعنى المهني، بل لقاء سريع يجمع وسائل الإعلام مع شخصية أو مسؤول قبل حدث معين أو بعده، لإتاحة فرصة للأسئلة المحدودة والتصريحات المختصرة.

وعبر سنوات طويلة خلال عملي مع «روتانا»، كان ما تقوم به قبل حفلاتها الغنائية أو طرح ألبومات الفنانين في وقت سابق حالة نموذجية؛ إذ تسبق الحدث بلقاء إعلامي قصير يجمع وسائل الإعلام.

هذه الخطوة لا تهدف إلى إعلان قرار أو إطلاق مبادرة، وإنما إلى تهيئة التغطية الإعلامية، وإثراء المحتوى الصحفي، وإبراز الحدث بصورة أكثر احترافية. وهي ممارسة تستحق الامتثال؛ لأنها تعكس فهمًا مبكرًا لقيمة الإعلام، ولأهمية بناء علاقة مهنية مع الصحفيين، دون أن تُسمى مؤتمرًا صحفيًا.

وفي المقابل، أصبحنا نرى اليوم دعوات تحمل عنوان «مؤتمر صحفي»، بينما لا تتجاوز في حقيقتها إحاطة إعلامية مدتها عشر دقائق، أو لقاءً سريعًا للتصوير والتصريح، وهو ما يخلق توقعات غير صحيحة لدى وسائل الإعلام، ويؤثر في تقييم الحدث ذاته.

اللغة المهنية ليست مجرد ألفاظ، بل هي انعكاس لفهم طبيعة العمل. وعندما نصف كل لقاء بأنه مؤتمر صحفي، فإننا نفقد قيمة المؤتمر الحقيقي، ونشوّه وظيفة الإحاطة الإعلامية، ونخلط بين أدوات الاتصال المؤسسي.

تطوير الوعي بالمصطلحات الإعلامية لم يعد مسؤولية الجامعات وحدها، بل هو مسؤولية كل مؤسسة، وكل متحدث رسمي، وكل صحفي يحرص على دقة الممارسة قبل دقة الصياغة.

فالاحتراف يبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها. وما دام الإعلام يقوم على نقل الحقيقة، فإن أول الحقيقة أن نستخدم المصطلح الصحيح.

00:00 | 21-07-2026

فن إدارة السوشال ميديا.. حين تصبح الرسالة أهم من النشر

لم يعد نجاح الحضور في منصات التواصل الاجتماعي مرهونًا بكثرة النشر أو سرعة التفاعل، بل بقدرة المحتوى على الوصول إلى الجمهور بالطريقة الصحيحة. ولهذا لم يكن وصف إدارة السوشال ميديا بـ«الفن» وصفًا عابرًا، وإنما توصيفًا يعكس طبيعة هذا العمل الذي يقوم على المزج بين الفكرة وأسلوب تقديمها، حتى تتحول الرسالة الإعلامية إلى أثر حقيقي.

إدارة السوشال ميديا ليست عملية تقنية تعتمد على جدولة المنشورات أو متابعة التعليقات، بل منظومة متكاملة تبدأ بفهم الجمهور المستهدف، مرورًا بإنتاج محتوى يحمل قيمة مضافة، ثم تحليل النتائج وقراءة البيانات لمعرفة ما يحقق التفاعل، وما يعزز الحضور، وما يخدم أهداف المؤسسة أو العلامة التجارية. فكل منشور هو قرار، وكل قرار يجب أن يستند إلى معرفة، لا إلى الاجتهاد وحده.

وفي المقابل، يبرز اعتقاد شائع بأن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بديلًا كاملًا للإعلام التقليدي، وهو تصور يفتقر إلى الدقة. فالإعلام الرقمي لم ينشأ بمعزل عن الصحافة والإذاعة والتلفزيون، بل استند إلى قواعدها المهنية، واستفاد من خبراتها التحريرية، ثم أضاف إليها أدوات جديدة للوصول والتفاعل والانتشار.

لهذا، فإن نجاح العمل الإعلامي اليوم لا يتحقق بإقصاء وسيلة لصالح أخرى، وإنما بتكامل الأدوار بينها. فالإعلام التقليدي يصنع العمق والمصداقية، بينما تمنح السوشال ميديا سرعة الوصول، وقياس التفاعل، وإدارة الحوار مع الجمهور. وعندما تجتمع هذه العناصر في منظومة واحدة، تصبح الرسالة أكثر تأثيرًا واستدامة.

الفارق الحقيقي لا تصنعه المنصة، بل من يديرها. فامتلاك حسابات نشطة لا يعني امتلاك حضور إعلامي مؤثر، كما أن كثرة المتابعين لا تعني بالضرورة نجاح الرسالة. لذلك، يبقى فن إدارة السوشال ميديا قائمًا على فهم الإنسان قبل الخوارزمية، وعلى صناعة المحتوى قبل البحث عن الانتشار، لأن القيمة هي التي تبني الجمهور، أما الضجيج فلا يصنع تأثيرًا طويل الأمد.

00:01 | 14-07-2026

ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استنساخه.. الإحساس الفني

الصوت مادة خام، أما الغناء فهو شخصية كاملة. بين الحرف والحرف، وبين النفس والنفس، يعيش ذلك الإحساس الذي لا تُنتجه الخوارزميات ولا تحفظه قواعد البيانات. هنا يكمن الفارق بين التقليد والإبداع، وبين المحاكاة والحضور.

يمكن اليوم، أن نستمع إلى أغنية لطلال مداح يؤديها الذكاء الاصطناعي بصوت محمد عبده، أو إلى عمل بصوت طلال مداح لأغاني محمد عبده، لكن الأذن الخبيرة ستكتشف سريعًا أن شيئًا أساسيًا مفقود، ذلك الشيء ليس النبرة، بل طريقة بناء الجملة الموسيقية، ومواقع التنفس، وحجم الانفعال، والقدرة على تطويع الكلمة، والزمن الذي يمنحه الفنان لكل حرف قبل أن ينتقل إلى الحرف التالي.

التزييف العميق اقتحم الفن كما اقتحم السياسة والإعلام، وأصبح قادرًا على إنتاج أعمال تبدو حقيقية للوهلة الأولى، لكنه لا يستطيع استنساخ التجربة الإنسانية التي صنعت الفنان. فالمدارس الغنائية لا تُبنى على طبقات الصوت وحدها، بل على سنوات من التراكم، والذائقة، والثقافة، والخبرة، والانفعال الصادق أمام النص واللحن.

لهذا، لن يكون مستقبل الفن معركة بين الإنسان والآلة، بل بين الأصالة والمحاكاة. قد تنجح التقنية في استعارة الأصوات، لكنها تعجز عن استعارة الروح. وقد تُقلّد الذبذبات، لكنها لا تُقلّد الإحساس الذي يجعل المستمع يميز الفنان من أول كلمة، حتى لو تغير اللحن.

الفنان الحقيقي يترك في كل عمل بصمة لا تُقاس بالترددات الصوتية، بل بالهوية الفنية. وتلك الهوية ستظل العلامة الأكثر مقاومة لفوضى الذكاء الاصطناعي، لأنها تنبع من إنسان عاش التجربة قبل أن يغنيها، بينما لا تعرف الآلة سوى إعادة ترتيب ما سبق أن صنعه الإنسان.

00:07 | 6-07-2026