ظهر الغناء الحلمنتيشي ليجعل من المفارقة والتهكم مادة فنية، ووسيلة للوصول إلى الجمهور، ولم يكن خروجًا على الفن بقدر ما كان استجابة لذائقة اجتماعية تبحث عن المتعة والابتسامة، في زمن تتعاظم فيه الضغوط.

في الوطن العربي، ارتبط هذا اللون بأسماء تركت أثرًا واضحًا، يأتي في مقدمتها الفنان المصري أحمد عدوية، الذي أحدث نقلة في الأغنية الشعبية، مقدّمًا لغة الشارع بإيقاعات جذابة، قبل أن يواصل آخرون هذا المسار، ومن أبرزهم شعبان عبدالرحيم، الذي مزج بين التعليق الاجتماعي واللغة المباشرة، حتى أصبحت أغانيه وثائق شعبية ترصد نبض الشارع أكثر من كونها أعمالًا موسيقية تقليدية.

أما في الخليج، فقد عرف هذا الاتجاه حضورًا لافتًا، خاصة في المنطقة الغربية، حيث برز الفنان طاهر كتلوج، الذي استطاع أن يحول الموقف اليومي إلى مادة غنائية ساخرة، تستند إلى المفردة المحلية وخفة الروح، فصنع لنفسه جمهورًا واسعًا ما زال يتداول أعماله حتى اليوم. كما برز الفنان خالد الملا، الذي قدم نموذجًا قريبًا في توظيف الشعر الشعبي البسيط والفكاهة داخل الأغنية الخليجية، مؤكدًا أن هذا اللون ليس حكرًا على بيئة واحدة، بل هو امتداد لثقافة شعبية عربية واسعة.

ورغم أن هذا النمط ظل عرضة لانتقادات من الذين رأوا فيه ابتعادًا عن جماليات الشعر واللحن، فإنه استطاع أن يفرض حضوره لعقود، لأن نجاح أي لون فني لا يُقاس فقط بمعايير النخبة، بل أيضًا بقدرته على الوصول إلى الناس والتعبير عنهم. فالفنون الشعبية، بطبيعتها، تنشأ من المجتمع وتستمد مشروعيتها من تفاعل الجمهور معها، لا من رضا النقاد وحدهم.

ومن اللافت، أن ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه لونًا هامشيًا، عاد اليوم بصيغ جديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الأغنية الساخرة، والمقطع القصير، والكلمة الخفيفة، أكثر قابلية للانتشار، حتى غدت كثير من هذه الأعمال تتصدر قوائم التداول، وتحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات. وهكذا أعادت المنصات الرقمية إنتاج الفكرة نفسها، وإن اختلفت الأدوات والوسائط.

في النهاية، يبقى الغناء الحلمنتيشي جزءًا من التنوع الفني العربي، لا بديلًا عن الطرب الأصيل ولا خصمًا له. إنه لون يعكس جانبًا من الشخصية الشعبية العربية؛ شخصية تعرف كيف تضحك على همومها، وتحوّل تفاصيلها اليومية إلى مادة فنية خفيفة، تؤكد أن للفكاهة مكانًا في الثقافة، تمامًا كما للطرب مكانته، وأن الفن، في النهاية، يتسع لكل ما يلامس الإنسان ويعبر عن حياته.