في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، تحوّلت المنصات الاجتماعية من وسائل للتواصل إلى ساحات مفتوحة لسباق الشهرة المفتون بالأرقام وحجم التفاعل؛ لدرجة السعي الهستيري من مشاهير أو باحثين عن النجومية لحصد الإعجابات والمشاركات وزيادة المتابعين مهما كان الثمن.

ومع تسارع وتيرة الأحداث والأزمات، برزت ظاهرة سلوكية خطيرة تتمثل في انفصال غالبية هؤلاء المشاهير والمغمورين عن الواقع، حيث بات محتواهم خالياً من القيم الإنسانية والأخلاقية وبعيداً عن المساءلة القانونية، مما شكّل هذا المحتوى تهديداً للحقيقة، وتأزيماً للرأي العام، وتشكيكاً وإرجافاً لبث الخوف وزعزعة الثقة لدى الجمهور.

محتوى بعض هؤلاء المشاهير الذي يتناول هذه الأيام أحداث اليمن والمنطقة عموماً، لا يزال يركّز على السعودية، وهذا التركيز يمارس إسقاطاً وإسفافاً لدرجة مخجلة ومبتذلة، ومؤسفة أيضاً حينما تصدر من شخصيات كانت السعودية وشعبها بالنسبة لهم مصدراً للشهرة والانتشار.

ندرك أن أحد أهم أسباب هذا الانفصال مدفوع بتجنيد بعض هؤلاء المشاهير لأجندات طرف على حساب آخر، وندرك أيضاً أن البعض الآخر منهم يحاول أن يتسلق للوصول إلى مصالحه الشخصية، وربما لإشباع حاجاته النفسية، ووصل الأمر أن يكون هذا الانفصال مدعوماً بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لممارسة نشر الشائعات والتضليل والتزييف العميق، وكذلك تعزيز هؤلاء المشاهير لبعضهم البعض من خلال الردود المتبادلة لتقديم الدعم وفرض الأمر الواقع كما يعتقدون.

إن هذا السقوط الأخلاقي لا يحدث من فراغ، بل تحركه مصفوفة من المصالح الضيقة؛ فالتحوّل من صناعة المحتوى القيمي إلى آلية «الارتزاق الرقمي» يكشف عن ثلاثة مستويات من ذلك الارتزاق؛ أولها ما يعبّر عنه بحالة من (التجنيد السياسي) والتمويل الموجه، حيث يتحوّل حساب المشهور إلى بوق إعلامي يدار بريموت كنترول من جهات تسعى لتصفية حسابات سياسية.

وثانياً (عقدة الجحود والنكران)، وتحديداً حينما تحاول حسابات بعض المشاهير النيل من السعودية، متناسين أن مكاسبهم الاقتصادية والإعلامية كانت السعودية هي الرافعة الأساسية لنجوميتهم، وثالثاً (غرف الصدى والترابط الزائف)، حيث يعمد بعض هؤلاء المشاهير إلى تكوين تحالفات رقمية هشّة أو ما تسمى بتكتلات الردود المتبادلة؛ لخلق وعي مجتمعي زائف يوهم المتلقي بأن هناك إجماعاً على أطروحاتهم المسيئة.

ولم يعد الأمر مقتصراً على الكلمة المكتوبة، أو الرأي الشاذ، بل دخلت مشاركات بعض هؤلاء المشاهير في الفضاء الرقمي علانية ضمن مشروع الحرب الإعلامية الممنهجة، والمتاجرة الرخيصة بالأزمات، وهذا التحوّل كافٍ لإثبات الموقف المضاد الذي يتبناه هؤلاء من فوضى العفوية إلى العمل المنظم، وهو موقف يعكس بوضوح نواياهم المبيتة في استهداف استقرار المنطقة، والنيل من مكتسبات ومواقف دولها القيادية كالمملكة العربية السعودية، كما يكشف عن أهمية تعرية تلك الوجوه التي استبدلت الوفاء بالارتزاق.

إن استمرار هذا الانفصال السلوكي والمحتوى الهابط من بعض المشاهير يفرز نتائج كارثية في تزييف الوعي التاريخي والسياسي، وتشويه الحقائق، وهو ما يتطلب وعياً استثنائياً قائماً على نقد محتوى تلك الحسابات المضادة وكشفها وتعريتها والتصدي لها، والاعتماد على المصادر الرسمية في الوصول إلى الحقائق، وتفعيل القوانين العابرة للحدود الخاصة بالجرائم المعلوماتية والابتزاز والتشهير.

إن الشهرة التي تُبنى على أنقاض الحقيقة، وتتغذى على الإساءة لمن مدّوا يد العون، هي شهرة مؤقتة ووهم زائل، وسيبقى الفضاء الرقمي شاهداً على من رهن قلمه ومنصته لأجندات ضيقة، وذلك حين تنجلي الأزمات ويحين موعد الحساب مع كل من تطاول وتواطأ في حق السعودية وشعبها.