أقف اليوم على رأس أرض المعارض في العاصمة الرياض، حاملاً خبرة سنوات في قطاع المعارض والمؤتمرات، وشاهداً بفخر على تحوّل هذه الصناعة إلى محرك تنموي يمتد أثره من قاعات الفعاليات إلى المدن والمجتمعات، ومع رؤية المملكة 2030، أصبحت المعارض جزءاً من منظومة التنمية الوطنية، تسهم في إعادة تشكيل خريطة النشاط الاقتصادي، وتفتح أمام المدن السعودية مساحات جديدة للنمو والاستثمار، وتمنح كل مدينة فرصة لصناعة ميزتها التنافسية وفق إمكاناتها ومقوماتها، وفي تجربتي العملية، لمست تركّز الطاقة الاستيعابية للمعارض والمؤتمرات في الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية، وهو امتداد طبيعي لما تتمتع به هذه المدن من بنية تحتية متقدمة ومطارات وسعة فندقية ومراكز اقتصادية، وقد شهد قطاع الفعاليات نمواً متسارعاً، مدفوعاً بالطموح الوطني نحو توسيع صناعة المعارض والمؤتمرات وتعزيز حضور المملكة على خارطة الفعاليات العالمية، وأرى في هذا النمو فرصة واسعة لانتقال اقتصاد الفعاليات إلى مدن أخرى، بما يحقق توزيعاً أكثر توازناً للفرص ويعزّز الحراك الاقتصادي في مختلف مناطق المملكة، كما وتملك كل مدينة مقوّمات تمنحها حضوراً خاصاً في خريطة الفعاليات؛ فالمدينة المنورة تستند إلى مكانتها الدينية وحركة الزوّار، والعُلا تقدّم تجربة عالمية تجمع الثقافة والتراث والسياحة، وعسير تستثمر طبيعتها الجبلية في مؤتمرات السياحة والاستدامة، بينما تمتلك نجران إرثاً حضارياً وموقعاً يؤهلها لدور مهم في التجارة الإقليمية. ومن هذا التنوع يمكن بناء شبكة وطنية متكاملة تتكامل فيها المدن، وتتعدد فيها الفرص، وتتسع فيها دائرة الأثر الاقتصادي، وتحتل جازان مكانة خاصة في رؤيتي، لما يمثله مشروع «جيدانا ووترفرونت» وما يتضمنه من مركز مؤتمرات متعدد الأغراض من خطوة مهمة في ربط صناعة المعارض بالتنمية العمرانية، فالمشروع يجمع الواجهة البحرية والضيافة والتجزئة والمساحات العامة في منظومة واحدة، ويخلق دورة اقتصادية تبدأ من الاستثمار في البنية التحتية، ثم استقطاب الفعاليات والزوّار والمستثمرين، وصولاً إلى تنشيط التجارة والخدمات ورفع قيمة الأصول في محيط المشروع، وهنا يصبح مركز المؤتمرات نقطة انطلاق لنمو حضري واقتصادي يمتد أثره إلى المجتمع والمدينة لسنوات طويلة..

ومن موقعي العملي، أدرك أن اقتصاد المعارض ينتج أثراً متدرجاً يبدأ من الإنفاق على التنظيم والتشغيل، ويمتد إلى الفنادق والنقل والمطاعم والتجزئة، ثم يصل إلى جذب الاستثمارات وتوطين الكفاءات وتعزيز صورة المدينة، وكلما انتقلت الفعاليات إلى مدن جديدة، انتقلت معها هذه الدورة الاقتصادية، وأصبحت جزءاً من اقتصاد المدينة وحياة سكانها..

وتكتمل هذه المنظومة حين تترافق البنية التحتية مع التشغيل الذكي والكفاءات الوطنية والتكامل مع القطاعات الاقتصادية المحلية، وتوفر تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصاً واسعة لرفع الكفاءة، وتحسين تجربة الزوار، وإدارة التدفقات، وقياس الأثر الاقتصادي بدقة، ويبقى الاستثمار في أبناء الوطن أساس هذا التحوّل، لأن المعرفة حين تتحوّل إلى مهارة وخبرة محلية تصبح قوة اقتصادية مستدامة، وتصنع قدرة متجددة على استضافة الفعاليات وإدارتها بمستوى عالمي.

ومن أرض المعارض بالرياض، أطمح إلى تطوير نموذج سعودي في التشغيل والابتكار، وتبادل الخبرات مع المدن الأخرى، وبناء منظومة ذكية تجعل كل فعالية فرصة لإضافة قيمة حقيقية إلى اقتصاد المدينة ومجتمعها، وأرى المستقبل في شبكة وطنية تربط الرياض بجازان والعلا وعسير والمدينة المنورة ونجران، لتتكامل القدرات وتتوزع الفرص وتتوسع المملكة في استضافة الفعاليات العالمية.

إن المعارض في رؤيتي جسور تربط المعرفة بالاقتصاد، والاستثمار بالمدن، والفرص بالمجتمعات، وحين تلتقي الإرادة بالرؤية، تستطيع مدننا أن تصنع مستقبلها بأيدي أبنائها، ويصبح هذا الوطن العظيم أكثر حضوراً وتأثيراً في خريطة الاقتصاد العالمي.. حفظ الله وطننا، وأدام عليه عزّه ورفعته.