الأيام سريعة ومع تشكل ساعتها وبرامجها تشي بجمال تلك السرعة، مثلا قد مضت ثماني سنوات من عمر معرض الصقور والصيد، هذا المعرض الذي يؤسس قيمة الأشياء سواء كانت بشرية أو حيوانية أو عوائد الصيد، فالأرقام في الفعاليات الكبرى تكشف أحيانًا عن حجم العمل والإنجاز، ولأضرب مثلا حين ينتقل معرض متخصص من نحو 120 ألف زائر في عامه الأول إلى أكثر من 764 ألف زائر خلال ثماني سنوات فقط، فإن السؤال ليس كم بلغ عدد الزوار، وإنما ما الذي تغيّر حتى اتسعت الدائرة بهذا الشكل؟


فقد بدأ معرض الصقور والصيد السعودي الدولي عام 2018 بحضور بلغ نحو 120 ألف زائر، وفي العام التالي ارتفع العدد إلى 350 ألفًا، ثم تجاوز نصف مليون زائر في السنوات التالية، وصولًا إلى أكثر من 649 ألفًا في 2024، وأكثر من 700 ألف في 2025، قبل أن يسجل في 2026 أكثر من 764 ألف زائر خلال عشرة أيام، وهو الرقم الأعلى في مسيرته حتى الآن، وهذه الأرقام لا تعكس نمو حدث سنوي فقط، وإنما تشير إلى تحول أكبر في طبيعة المعرض والجمهور الذي أصبح يخاطبه.


فالمعارض المتخصصة تبدأ عادةً من مجتمع مهتم، وفي حالة الصقور والصيد كان الصقارون والمهتمون بالصيد ومستلزماته هم الدائرة الأقرب، غير أن البقاء داخل هذه الدائرة كان سيضع سقفًا طبيعيًا للنمو، ولذلك تبدو تجربة المعرض خلال الأعوام الماضية جديرة بالقراءة من زاوية مختلفة، كيف يمكن لحدث شديد الخصوصية في هويته أن يتوسع حتى يصبح وجهة تستقبل مئات الآلاف، من دون أن يتخلى عن السبب الذي نشأ من أجله؟


جزء من الإجابة يمكن رؤيته في الطريقة التي اتسعت بها التجربة حول الصقر، فالمعرض لم يعد مكانًا يأتي إليه الزائر لمشاهدة الصقور أو شراء مستلزماتها فقط، وإنما أصبح مساحة تتقاطع فيها اهتمامات متعددة ترتبط بالصيد والرحلات والمغامرة والموروث والفنون والحرف والأعمال والمعرفة، ومع كل دائرة جديدة كان هناك جمهور جديد يجد سببًا للدخول، بينما بقي الصقر حاضرًا في مركز المشهد.


وأرقام هذا العام تكشف حجم هذا الاتساع بصورة أوضح، فالمعرض أقيم على مساحة بلغت 200 ألف متر مربع، واستقطب أكثر من 1446 عارضًا وعلامة تجارية من 47 دولة، إلى جانب مشاركة 44 جهة حكومية، هي أرقام تضع نمو الجمهور إلى جانب نمو المساحة والمشاركة الدولية، وتوضح كيف اتسعت الدائرة من معرض متخصص إلى حدث يجمع تحت سقف واحد الصقارة والصيد والرحلات والمغامرات والموروث والثقافة والأعمال.


وهذا النوع من النمو أكثر صعوبة مما يبدو، لأن زيادة عدد الفعاليات لا تضمن بالضرورة زيادة قيمة الحدث، وقد تقود أحيانًا إلى فقدان هويته إذا تحولت الإضافات إلى عناصر منفصلة لا يجمع بينها سياق واضح، أما النمو الذي يحافظ على استمراره فهو الذي يوسع التجربة من داخل الفكرة الأصلية، بحيث يشعر الزائر بأن التنوع الذي يراه ينتمي إلى عالم واحد مهما اختلفت تفاصيله.


من هنا يمكن فهم الانتقال من 120 ألف زائر إلى أكثر من 764 ألف على أنه نتيجة لاتساع العلاقة بين المعرض والمجتمع، فهناك من يأتي كونه صقارًا أو مهتمًا بالصيد، وهناك من تجذبه الرحلات والمركبات أو الحرف والفنون، وهناك العائلات والشباب الذين يبحثون عن تجربة مختلفة، وهناك من يدخل بدافع الفضول ثم يخرج بمعرفة أكبر عن الصقارة ومكانتها، ومع تراكم هذه الدوائر يصبح الحدث جزءًا من الروزنامة الاجتماعية والترفيهية والثقافية للعاصمة، لا موعدًا محصورًا في جمهوره المتخصص.


في شعار المعرض لهذا العام «وجهة للجميع» نجد المعنى الحقيقي لما حدث، فهي إذا قُرئت في سياق رحلة المعرض تبدو وصفًا للتحول الذي حدث في جمهوره، فقد بدأ من مساحة متخصصة ثم أخذ يفتح أبوابًا جديدة عامًا بعد عام، حتى أصبح بإمكان أشخاص مختلفين في أعمارهم واهتماماتهم أن يجدوا داخله ما يقودهم إلى التجربة، والمهم أن تظل هذه الأبواب مرتبطة بالهوية التي صنعت المعرض منذ البداية.


ثماني سنوات مدة قصيرة في عمر الفعاليات الكبرى، لكنها كانت كافية لتغيير حجم معرض الصقور والصيد وطبيعة حضوره، وما حدث لا يمكن اختزاله في حملة ناجحة أو مساحة أكبر أو برنامج أكثر تنوعًا، فهو حصيلة تراكم صنعه تطور مستمر في مفهوم الحدث نفسه، وفي قدرته على توسيع جمهوره عامًا بعد آخر.


وإن أردت اختتام هذه المقالة سوف أؤكد أننا نعيش حياة رفاهية وأمن وفرح بالرغم من الظروف التي تمر بنا، ومع ذلك لم يتوقف شيء جالب للفرح.