في كتاب «الأب الغني والأب الفقير»، يعرض روبرت كيوساكي اختلافاً في التفكير المالي من خلال صورتين للأب. تتباين نظرة كل منهما إلى العمل والدخل والأصول وبناء الثروة. هذه الفكرة تفتح باباً لسؤال آخر: ماذا لو كان الفارق الحاسم بين أبٍ منتج وأبٍ مستهلك؟ بين من يتعلم (كيف يصنع الموارد والدخل)، ومن يتعلم (كيف يتصرف بها)؟ وهل يكفي أن نجيد الإنتاج لكي نضمن النجاح والاستمرار والازدهار كآباء وأمهات وأزواج وزوجات وأبناء وبنات؟

قد يكون أحدنا مُنتِجاً ناجحاً ويعمل بجد ويزداد دخله باستمرار ويؤسس مشروعات ويوفر لأسرته حياة مريحة. لكن في الوقت نفسه، قد يكون مستهلكاً فوضوياً غير رشيد. يشتري فوق حاجته، ويتوسع فوق قدرته، ويربط مكانته الاجتماعية بما ينفقه. وهنا يتم الجمع بين خاصيّتين متعارضتين داخل الشخص نفسه: 1) قدرة على تكوين وصناعة الموارد، و2) سلوك استهلاكي يستنزفها بالهدر. فما يبنيه من خلال العمل في سنوات قد يبدده الإنفاق بهدر في وقت قصير.

لذلك فإن التقابل بين (الأب المنتج) و(الأب المستهلك) لا يقسم الناس إلى فئتين منفصلتين. لأن كل إنسان يُنتج ويستهلك بدرجات مختلفة. والمقصود هو الكشف عن العلاقة بين دافعيتين وحاجتين ينبغي أن تنضجا معاً. مهارة الكسب لا تمنح صاحبها تلقائياً حكمة الإنفاق، ونجاح الاستثمار لا يضمن حسن التصرف في عوائده.

القاعدة التي نحتاج إلى تثبيتها أن الثقافة الإنتاجية لا تحقق كامل أهدافها، ولا تضمن استدامة ثمارها، ما لم تقترن بثقافة استهلاكية حكيمة ورشيدة. لأن رأس المال والعمل والمعرفة والتقنية والإدارة عناصر أساسية للإنتاج، لكن أثرها يتوقف أيضاً على كيفية توظيف ما تنتجه، وما يُعاد توجيهه منها إلى الصيانة والتطوير والاستثمار.

الأب المنتج يسأل دائماً: (كيف أزيد دخل الأسرة؟)، والأب الواعي باستهلاكها يضيف دائماً: (كيف نجعل هذا الدخل يحقق منفعة مستدامة؟)، السؤال الأول يزيد الإمكانات والمداخيل، والثاني يحميها من التبدد والهدر.

قد يورّث الأب أبناءه أموالاً وأصولاً ومشروعات، لكنه إذا لم يورّثهم فهماً لقيمة الموارد وحدودها، فقد يترك لهم ثروة بلا قواعد لحمايتها. فيصبح الميراث قابلاً للاستهلاك أكثر من كونه قاعدة لإنتاج جديد ومستمر.

هذا لا يعني أن يعيش الإنسان محروماً، أو أن يُعدّ كل إنفاق بصفته هدراً. فالإنفاق على التعليم والصحة والغذاء الجيد والسكن المناسب والراحة يحمي قدرة الإنسان على العمل ويحسّن حياته. والحكمة أن نعرف لماذا ننفق، وما المنفعة التي نحصل عليها، وهل نستطيع الاستمرار في تحمل التكلفة. كما أن خفض الإنفاق ليس دائماً رشيداً. فقد يؤدي إلى إهمال الصحة وتعطيل التعليم وتأجيل الصيانة والتي قد تزداد كلفتها لاحقاً أو عدم جدواها.

المشكلة تبدأ حين يصبح الاستهلاك وسيلة لإثبات المكانة، وتذهب زيادة الدخل تلقائياً إلى زيادة الالتزامات، عندئذ يعمل الإنسان أكثر لكي يمول نمطاً يزداد ويتسع باستمرار، دون أن تتسع معه حريته أو طمأنينته. فتتحسّن قدرته الإنتاجية، لكن ثمارها تظل محكومة بسلوك استهلاكي لم ينضج بالقدر نفسه.

وهنا ينبغي إعادة النظر في تشخيص تعثر الأفراد والمؤسسات وإفلاس بعضهم. فكثيراً ما نبحث عن الحل في زيادة الإنتاج وحدها، مثل ساعات عمل إضافية أو رفع نسب المبيعات أو تمويل جديد، في حين أن بعض المشكلات نابعة من طريقة استهلاك الموارد المتاحة أصلاً. فإذا بقي الهدر قائماً، فقد تمنحه زيادة الدخل مساحة أكبر بدل أن تعالج جذوره.

لا يكفي أن تقيس المؤسسة مقدار ما تنتجه وعليها أن تقيس الموارد التي تستهلكها تحقيقاً لذلك الإنتاج، ومدى ملاءمة إنفاقها لأهدافها. والرشد هنا يحتاج إلى إدارة تعرف أين تزيد الإنفاق لتحسن الأداء، وأين تخفضه لتوقف الهدر. فقد يكون الاستثمار في تدريب العاملين أكثر جدوى من توسيع المظاهر الإدارية، وقد تكون صيانة المعدات أهم من شراء بدائل قبل أوانها.

وتبدو هذه العلاقة أكثر حساسية في ريادة الأعمال. فالإيرادات الأولى قد تغري صاحب المشروع بتوسيع مكتبه وزيادة مصروفاته ورفع مسحوباته الشخصية قبل أن يستقر نموذج عمله. ينجح في البيع، لكنه يستهلك السيولة التي يحتاج إليها التشغيل والنمو. لذلك فإن الثقافة الريادية تحتاج، إلى جانب الابتكار والتسويق والإدارة، إلى فهم واضح للفارق بين الإيراد والربح والسيولة، وبين قدرة المشروع الحالية وطموح صاحبه.

وللمستهلك نفسه دور في تشكيل الثقافة الإنتاجية. حين يفضل الجودة والعمر التشغيلي وقابلية الصيانة، فإنه يشجع المنتج على تقديم قيمة أفضل. وحين ينحصر التنافس في المظهر والتجديد المستمر، فقد يتجه جزء من الإنتاج إلى تغذية الرغبة السريعة. وهكذا لا يأتي الرشد الاستهلاكي بعد الإنتاج فحسب، بل يسهم أيضاً في تحديد ما يُنتج وكيف يُنتج ولأي غاية.

المنطق هذا ينطبق على الأفراد والمؤسسات والدول. فوفرة الموارد وزيادة الإنتاج تمنحان الدولة فرصاً كبيرة، لكن استدامتها ترتبط بكفاءة توجيه الإنفاق، والعناية بالموجود، وبناء القدرات البشرية، ومراعاة الالتزامات المستقبلية.

كما أن ترسيخ هذه الثقافة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والتعليم والمؤسسات والأسواق والسياسات العامة. فلا يكفي أن نطالب الفرد بالاعتدال بينما تُقدَّم له المكانة الاجتماعية بوصفها سباقاً في الشراء وحمى في الاستهلاك.

الأب المنتج والأب المستهلك صورتان لسؤال واحد: (كيف نبني حياة أفضل بالموارد التي نصنعها)؟ والإجابة تتطلب الجمع بين القدرة على الإنتاج والحكمة والرشد في الانتفاع به.

زيادة الإنتاج توسع ما نملكه، ورشد الاستهلاك يحدد ما نستطيع الحفاظ عليه وتنميته. وحين تنضج الثقافتان معاً، تتحول ثمرة العمل إلى قدرة متجددة على الحياة والإنتاج، تنتقل من الأب إلى أبنائه، ومن جيل إلى جيل.