لن تجد الاتفاقيات التي تبرمها الدُّول مع بعضها، في أيّ مجال كان، من اختبار حقيقي، وتأكيد عملي عليها؛ غير سرعة التفعيل بحرص، وإنزال البنود إلى أرض الواقع بكل جدية، فإنّ هذا الصنيع يخرجها من قبضة الشكليات السياسية، وسطحية التعبير الدبلوماسي الذي غالباً ما تفرضه الظروف، وتتحكم فيه اللحظات العوابر، دون تأسيس عملي لفعل يباشر حضوره الجاد، بعد انطفاء فلاشات التصوير، وانفضاض سامر الاحتفاء.. فمتى ما قربت المسافة الزمنية بين لحظة التوقيع وميقات المباشرة في التنفيذ، عندئذٍ تتجلى كل معاني الجدية، وتأخذ الاتفاقيات وضعاً مختلفاً، يلفت إليها الانتباه، ويضعها في دائرة الضوء، ويرفعها إلى مقام النموذج الذي تتحرّاه الدول مع بعضها، وتترسمه في خطى علاقتها البينية والدبلوماسية..
مقياس هذه الصورة المرسومة تجده مطابقاً تمام التطابق لمجريات اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها المملكة العربية السعودية مع جمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية، في يوم 7 أغسطس 2026م، حيث جاء تفعيل الاتفاقية بعد انقضاء شهرين فقط على توقيعها، مجسّداً في الاجتماع الطارئ للجنة الإستراتيجية السياسية والدفاعية للدول الأطراف، بمدينة الرياض، بما يعني حرفياً الانتقال بالاتفاقية إلى مرحلة التفعيل المؤسسي والعملي، الأمر الذي يعكس حرص قادة الدول الثلاث على المضي قدماً في تنفيذ بنود الاتفاقية، المعززة لمبدأ التعاون والتكامل الدفاعي، بما يضمن حماية أمن الدول الأطراف وسيادتها ومصالحها.
ولا شك أن تزامن هذا التفعيل المبارك مع ما تشهده المملكة من عدوان غاشم، وتعديات من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية، بدعم غير خفي من إيران، يضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها والتزاماتها المبدئية، ويحتّم عليها الانتقال بالاتفاقية من إطار التضامن السياسي الرافض لهذا العدوان، إلى المشاركة الفعلية في الدفاع الجماعي، وفق ما تنص عليه بنود الاتفاقية، خاصة وأن هذا العدوان قد تعدى الأعيان المدنية إلى المقدسات الإسلامية، باستهداف مكة المكرمة، والمدينة المنوّرة، فلزم أن تأخذ الاتفاقية وضعية المباشرة كونها «اتفاقية دفاعية بطبيعتها، لا تستهدف أي دولة أو طرف، وتقوم على مبادئ الاحترام المتبادل لسيادة الدول، والتعاون والتشاور والتنسيق، والعمل المشترك لمواجهة التحديات والتهديدات الأمنية المتنامية»، ولهذا فإنّ الإطار القانوني الدولي يدعمها من كل جانب، ويقف مسانداً لها بالتأييد المطلق، والدعم المعنوي، قياساً على ما يرونه من اعتداء غير مبرر، واستمرار لاستهداف منشآت المملكة الاقتصادية، وبخاصة المتعلقة بإنتاج الطاقة، مما ظهر أثره جلياً على تدفق إمدادات الطاقة لكافة دول العالم، واختلال ميزانها، وظهور بوادر أزمة تلوح في الأفق، تتطلّب تدخلاً عاجلاً قبل أن تستفحل أكثر من ذلك، مع استمرار إيران وأذرعها في المنطقة في تهديد المعابر الدولية، واستهداف ناقلات النفط، وقطع طرق الإمداد الدولية.
إن تفعيل اتفاقية مكة للدفاع المشترك بشكل عملي وفوري، يرفع من سقف التقدير الإقليمي، والعالمي أيضاً، لماهية الأزمة التي تمر بها المنطقة والإقليم، ومشاركة أطراف الاتفاقية في هذه المدافعة واجب تمليه خطورة تداعياتها وتأثيرها إقليمياً وعالمياً، بما يتطلّب مساهمة الجميع في صدها تحقيقاً للمصلحة العامة، واستشعاراً للمسؤوليات المترتبة على الجميع، وهو أمر يجب أن يفهم في إطاره، ويفهم معه أن المملكة قادرة؛ بل ومستمرة في الدفاع عن أراضيها بما تملكه من قدرات دفاعية عالية التقنية، وكوادر عسكرية مؤهلة وحريصة على الذود عن حمى الوطن، وساهرة على أمنه وسلامة ترابه، وقد حققت انتصارات متوالية، واستطاعت أن تصد أغلب ما اُستهدفت به من طائرات مسيّرات وصواريخ باليستية بكفاءة عالية، وما سعيها نحو توسيع دائرة المدافعة إلا من باب اشتراك الجميع في مسؤولية المحافظة على السلم والأمن الإقليميين من تعدي إيران وذراعها الحوثي، وتهديدها لأمن وسلامة الملاحة الدولية.
إن تفعيل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، ودخولها حيّز التطبيق العملي، يكشف عن جدية كافة الأطراف الموقعة عليها، والتزامها بما تضمّنته من بنود، وإنها على شرط بنودها بوصفها اتفاقية دفاع مشترك، لا تتعدى ذلك، فليصمت أصحاب الغرض والقلوب المرجفة عن تزوير الحقائق، وتلفيق التهم، ورسم سيناريوهات ما لها أصل ولا وجود على أرض الواقع، وستظل هذه الاتفاقية المباركة نموذجاً ونبراساً لما يجب أن تكون عليه اتفاقيات الدفاع بين الدول من حيث وضوح أهدافها، وسرعة تنفيذها وكفاءة امتلاك القدرة والإرادة لدى الدول الثلاث، واستشعارها أيضاً لحتمية ترك الباب مفتوحاً أمام من يرغب في دخول هذا الحلف المبارك الساعي نحو تحقيق الأمن والسلم إقليمياً ودولياً،
في هذا الصدد نذكر بما صدح به سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان عند توقيع الاتفاقية وتأكيد سموه على أنها «لا تمثّل أي توجّه لبناء محور عسكري أو تكتلّ طائفي-مذهبي، وليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، كما أنّها لا تأتي على حساب علاقات المملكة الإستراتيجية والقوية خليجياً وعربياً ودولياً، وليست تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تصعيداً في التوتر بين أي دولتين، ولا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات».. وفي هذا الغنى والكفاية.. والله الموفق.


