حين أقرأ عن «الإبادة الثقافية» في بعض الأطروحات الفكرية، أشعر أحيانًا أن المصطلح أكبر من أن يُستخدم مع كل تغيّر يطرأ على المجتمعات. فالإبادة الثقافية تعني، في معناها الأشد، محو الذاكرة أو قطع الصلة باللغة والتقاليد وإحلال منظومة أخرى محلها، لا مجرد أن تتغيّر عادات الناس أو تتبدل طريقة عيشهم.

ومن هنا تبدو التجربة السعودية أكثر تعقيدًا من أن توضع في خانة واحدة. هناك تغيّر سريع، لا شك في ذلك. المدن تتسع، وأنماط العمل تتبدل، والأجيال الجديدة تعيش وسط عالم مفتوح لم يكن متاحًا لأجيال سابقة. لكن التغيّر في حد ذاته لا يعني أن المجتمع يفقد ذاكرته. أحيانًا يكون التغيّر هو الطريقة التي تجد بها الذاكرة مكانًا جديدًا في حياة الناس.

ولعل هذا هو أحد الجوانب اللافتة في التحوّل السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالموروث لم يعد حاضرًا فقط في المناسبات الرسمية أو في الصور التي تستعاد من الماضي، بل بدأ يدخل إلى فضاءات جديدة. الشعر النبطي، والأغاني الشعبية، والحكايات، وحتى اللهجات، تجد طريقها إلى المسرح والسينما والمنصات الرقمية والمهرجانات. قد يختلف شكلها عن السابق، لكنها لا تختفي بالضرورة.

المسألة هنا ليست في أن نحافظ على الماضي كما كان، فهذا أمر لا يحدث في أي مجتمع. الماضي نفسه كان يتغيّر من جيل إلى جيل. ما يهم هو ألا تنقطع الصلة به. فالقصيدة التي كان يسمعها الناس في بيت الطين يمكن أن تصل اليوم إلى شاب عبر هاتفه، والحكاية التي كانت ترويها الجدة لأحفادها يمكن أن تتحوّل إلى عمل مسرحي أو فيلم أو مادة رقمية. الشكل يتغيّر، أما الحاجة إلى الذاكرة فتبقى.

والأجيال الجديدة هي الاختبار الحقيقي لهذه المسألة. الشاب السعودي الذي يستخدم أدوات التكنولوجيا الحديثة، ويتابع العالم من شاشة صغيرة، ليس بالضرورة أقل ارتباطًا بمكانه من جده. وربما يكون ارتباطه مختلفًا فقط. قد يعرف أغنية شعبية من خلال تسجيل قديم، أو يكتشف مفردة من لهجته بعدما كانت تبدو له عادية في حديث أسرته. هنا تصبح الحداثة وسيلة لاكتشاف الموروث، بدل أن تكون طريقًا إلى نسيانه.

لكن ذلك لا يعني أن كل شيء يسير بصورة مثالية. التحوّل السريع يحمل معه مخاطر حقيقية. بعض العادات قد تتراجع، وبعض اللهجات قد تفقد حضورها، وأماكن كثيرة يمكن أن تختفي إذا لم تُوثق ذاكرتها. ولهذا فإن حماية الثقافة لا تكون برفض التغيّر، وإنما بفهم ما الذي يستحق أن يبقى، وتوثيقه، وتعليم الأجيال الجديدة قيمته، ثم ترك المجال له كي يتطور بطريقته.

ربما لهذا لا أرى في المشهد السعودي الراهن علامات «إبادة ثقافية» بالمعنى الدقيق. أرى مجتمعًا يعيد ترتيب علاقته بماضيه وهو يندفع إلى المستقبل. وهذه العملية ليست سهلة ولا تخلو من التناقضات، لكنها في النهاية عملية حية.