تؤدي القوات المسلحة اليمنية واجبها في تحرير ما تبقى من المحافظات اليمنية من قبضة مليشيا الحوثي، ضمن عملية «فجر اليمن» التي أعلن عنها فخامة الرئيس رشاد العليمي يوم الرابع من أكتوبر 2026م، وترافقها معركة دبلوماسية وسياسية متعددة الأبعاد، إذ تجمع بين أبعاد محلية ووطنية وأخرى إقليمية ودولية، بالتالي نواجه سؤالًا مهمًا: كيف ينظر العالم اليوم إلى ما يحدث في اليمن؟ وكيف يفهم طبيعة التهديد ويتعامل معه؟

المتابع للمواقف الدولية خلال الأسابيع الماضية يلحظ تحولًا كبيرًا في مستوى الاهتمام، ووضوح المواقف تجاه تصعيد المليشيا الحوثية الإرهابية. فقد خرجت اجتماعات مجلس الأمن بتصريحات قوية وحازمة، فيما أعلن المستشار الألماني فردرش ميرت أن سيطرة المليشيات على ممرات الملاحة الدولية أمر غير مقبول. وحذرت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس من خطورة سيطرة الحوثيين المتزايدة على الساحل وباب المندب.

على نفس السياق، جاء موقف مجموعة السبع التي اعتبرت التطورات في اليمن تهديدًا غير مقبول للأمن والاستقرار الإقليميين، ولأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة والأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب، وأعلنت تضامنها مع الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية، مطالبةً الحوثيين بوقف عملياتهم العسكرية وتهديداتهم للملاحة المدنية.

في الوقت نفسه، نشطت الدبلوماسية اليمنية بشكل مكثف، لإيصال موقف الحكومة وشرح أبعاد التطورات الأخيرة. إذ أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين الدكتورة أفراح الزوبة سلسلة من الاتصالات واللقاءات مع نظرائها ومع مسؤولين دوليين، وشكّلت المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة الأمم المتحدة مؤخرًا فرصة مهمة لتكثيف التواصل مع قادة ومسؤولي الدول والمنظمات الدولية.. فضلًا عن تحذير الحكومة اليمنية بلسان عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالله العليمي أمام الأمم المتحدة من أن تعزيز الحوثيين سيطرتهم على هذه المنطقة الإستراتيجية لا يهدد اليمن وحده، وإنما يحمل تداعيات مباشرة على الاقتصاد والتجارة العالميين.

يعكس التفاعل الدولي المتزايد إدراكًا بتجاوز خطر الحوثيين حدود الصراع المحلي، منذ فترة طويلة. مضيق باب المندب ليس ورقة يمنية داخلية، بل ممر دولي حيوي، وأي محاولة لاستخدامه للضغط السياسي أو العسكري تضع مصالح عدد كبير من دول العالم أمام تهديد مباشر. على سبيل المثال وصفت المسؤولة الأوروبية كايا كالاس النفوذ الذي اكتسبه الحوثيون على المضيق بأنه يشكل تهديدًا خطيرًا للأمن البحري ويؤثر بالفعل في المصالح الأوروبية.

وفي تقديري، أسهم عاملان في هذا التحول، وهما:

الأول: طبيعة التصعيد الحوثي نفسه واتساع آثاره إلى خارج اليمن، بما في ذلك التهديدات للملاحة والهجمات على السعودية.

الثاني: التحرك النشط للدبلوماسية اليمنية لإيصال رواية الحكومة ومواقفها إلى العواصم والمنظمات والمنابر الإعلامية الدولية.

الموقف الدولي، على أهميته، ليس غاية في ذاته. فالإدانات والبيانات والمواقف السياسية توفر أرضية مهمة، لكن الاختبار الحقيقي هو مدى ترجمتها إلى خطوات ملموسة تساعد اليمن على استعادة الاستقرار، وتحمي المدنيين، وتعزز مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية أراضيها ومياهها وممراتها البحرية.

ومن هنا، فإن دعم مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدرتها على بسط سلطتها على الأراضي والمياه اليمنية يمثل عنصرًا أساسيًا في أي مقاربة تسعى إلى إنهاء الصراع وتحقيق سلام مستدام، وفي الوقت نفسه حماية الملاحة الدولية من أن تتحول إلى أداة للضغط والابتزاز.