لم يخض الحوثي معركته بالسلاح وحده، بل خاضها أيضًا بسرديات عمل -منذ انقلابه عام 2014- على ترسيخها محليًا ودوليًا عبر أدوات النظام الإيراني. وخلال سنوات الصراع الأولى، نجحت بعض هذه السرديات في التأثير على الرأي العام وصناعة قدر من الالتباس حول حقيقة ما يجري في اليمن. لكن مع تطور الأحداث وتراكم الوقائع، يبرز سؤال مهم: هل هذه الخرافات ما زالت قابلة للبيع لعقول اليمنيين وللمجتمع الدولي؟ أم أن الخرافات الحوثية تهاوت واحدة تلو الأخرى؟ وما هي تلك الخرافات؟
خرافة الحصار: روّج الحوثي لسردية الحصار على مطار صنعاء وميناء الحديدة، إلا أن الوقائع نسفت هذه الرواية، فقد كشفت المبادرة الأردنية لإعادة تسيير الرحلات إلى مطار صنعاء أن المشكلة لم تكن في وجود حظر على المطار بقدر ما كانت في رفض الحوثي للحلول المطروحة. كما تكشف الأرقام الموثقة دخول أكثر من 400 سفينة إلى ميناء الحديدة منذ بداية عام 2026، محمّلة بمختلف احتياجات اليمنيين، بما ينفي عمليًا ادعاءات الحصار على الميناء.
تكرار هذه السردية لم يعد يقنع كثيرين، بل ازداد ضعفها بعد تحايل الحوثيين على المبادرة الأردنية، وهو ما عزّز الانطباع بأن الأولوية لم تكن تسهيل حركة اليمنيين، وإنما الإبقاء على جسر جوي مع إيران، وهو هدف لا يخدم مصالح الشعب اليمني.
خرافة العدوان: استند الحوثي، ولفترة طويلة، إلى قلة الوعي بالوضع في اليمن وانخفاض مستوى الاهتمام الدولي به. هذا الجهل، الذي قاد إلى تسويق الأكاذيب الحوثية، لم يعد موجودًا اليوم، فأمام تهديد الحوثي للملاحة الدولية، فهم العالم الوضع بصورة أفضل، وأصبح الجميع على قناعة ومعرفة بالطبيعة الإرهابية لمليشيا الحوثي.
بالإضافة إلى ذلك، تهاوت سردية العدوان التي روّج لها الحوثي لسنوات، عندما اختار في الأسابيع الماضية مواجهة التهدئة بالتصعيد، والرد على الجهود الإقليمية والأممية الرامية إلى السلام بمزيد من الإجراءات العسكرية، وصولًا إلى استهداف الملاحة في البحر الأحمر وتهديد التجارة الدولية، إذ كشفت هذه الممارسات أن الحوثي لا يتصرف كطرف يسعى إلى إنهاء الحرب أو يواجه عدوانًا، بل كجماعة تتعمّد توسيع دائرة الصراع وتهديد الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما أفقد هذه السردية المصداقية أمام المجتمع الدولي.
خرافة الاستقلالية عن إيران: رُوّج كثيرًا أن الحوثي مختلف عن حزب الله والفصائل في العراق، ويتمتع باستقلالية أكبر، وأن فكرًا براغماتيًا وعقلانيًا يدير تحركاته. وبدأ سؤال كبير يدور في أروقة المحافل الدولية: لماذا لم يشارك الحوثي في الحرب مع إيران عندما بدأت الهجمات الأمريكية؟ وحاول المتعاطفون مع الحوثي ترويج فكرة العقلانية لدى الحوثي والرغبة في تجنيب اليمن الصراع كإجابة عن ذاك السؤال.
يبدو واضحًا اليوم، وخاصة مع المتغيّرات في الأسابيع الأخيرة، أن الحوثي العقلاني البراغماتي مجرد خرافة، والإجابة السليمة عن السؤال المتعلق بمشاركته في الحرب هي الرؤية الإيرانية للحوثي ككرت بالغ القوة، ورؤيتها لمضيق باب المندب كسلاح دولي مؤثر، في التوقيت الذي تحدده طهران.
إن النظام الإيراني، المشهور بالنفس الطويل، احتفظ بالحوثي ككرت قوي للمرحلة الأصعب، ومع الضربات الأمريكية الأخيرة، التي بلا شك كانت موجعة لإيران بشكل استثنائي، حان وقت الحوثي ليؤدي الدور الذي تطلبه منه إيران، فوجدناه يصعّد عسكريًا ضد اليمن وضد دول الإقليم. والأكثر دلالة على تنفيذه لأهداف إيران أن أولى خطواته للتصعيد لم تكن في أي اتجاه إلا تجاه الساحل الغربي ومهاجمة الملاحة في مضيق باب المندب، ومن البديهي القول إن هذا مسار يصعب تفسيره باعتبارات يمنية داخلية، بينما ينسجم بوضوح مع المصالح الاستراتيجية الإيرانية.
الحوثي وكيل للنظام الإيراني في موقع استراتيجي حسّاس، وبالتالي يشكل تحدّيًا أمنيًا دوليًا وإقليميًا، وليس محليًا فقط، وتهديدًا مستمرًا وليس مؤقتًا، ويزداد خطورة وتأثيرًا في كل جولة عنف يستطيع أن يفلت فيها من العقاب.
خرافة العداء بين الأشقاء: من أخطر ما حاول الحوثي ترويجه، الادعاء الزائف المتعلق باستهداف السعودية لليمن، فهذه الادعاءات تضرب قيم الأخوّة والعروبة والجيرة في العمق، وتمثل فكرًا ضيقًا وعنصريًا يختزل اليمن بأكمله في شخص الحوثي، وهو بذلك يحاول أن يؤثر سلبًا على علاقات متينة وتاريخية عميقة بين شعبي الدولتين، والأهم أنه يمثل النقيض لطبيعة العلاقة الحيوية والمتينة بين البلدين.
في الوقت الذي تستند فيه اليمن حكومة وشعبًا على الشقيقة السعودية في مختلف الظروف، وفي الوقت الذي تقف فيه المملكة العربية السعودية مع اليمن على كافة المستويات السياسية والإنسانية والاقتصادية، يحاول الحوثي أن يشكّل تهديدًا للأشقاء في السعودية بتهور وعدوانية، معرّضًا مصالح الشعب اليمني للخطر وعلاقاته بجيرانه وأشقائه للضرر.
إن المحاولات العدوانية للحوثي ضد الأشقاء في المملكة العربية السعودية تعبّر عن عقلية الابتزاز والطيش، وتعامل المملكة مع هذا الطيش تعبّر عن المسؤولية وعن الحرص على العلاقات مع شعب اليمن وحكومته، ومواجهة جهود التهدئة السعودية بمزيد من التصعيد يؤكد أن الحوثي لا يرى في اليمن إلا نفسه ولا يرى إلا مصلحته، وقد كانت بيانات الأشقاء في المملكة وفي تحالف دعم الشرعية واضحة في الرد العسكري المتناسب، والذي لم يستهدف المصالح الحيوية للشعب اليمني.
الخرافات الحوثية كثيرة؛ إلا أنها تتهاوى أمام منطق الدولة اليمنية في الدفاع عن سيادتها ومصالح شعبها، وأمام المواقف والجهود التي بذلها ويبذلها الأشقاء في المملكة العربية السعودية.
سيواصل الحوثي البحث عمّن يصدّق سردياته وخرافاته، لكن المؤمن الواعي لا يُخدع أو يُضلل من جحر مرتين. فإذا خَدعنا مرةً فذلك عار عليه، أما إذا خُدعنا مرة ثانية فعار علينا.