من العبارات المشهورة لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرتشل؛ قوله: «بريطانيا العظمى ليس لها أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بريطانيا العظمى لها مصالح دائمة»، وتوالت الأحداث العالمية والأزمات الدولية لتترجم عملياً تلك المقولة بحذافيرها ليس على مستوى بريطانيا فقط بل والعالم أجمع.

يبدو أن هذه الحرب الأمريكية الإيرانية (والمصنوعة بعناية) هي أصدق شرح لتلك العبارة الخالدة، بل إن هذه الحرب ستكون بلا شك أهم تبدل في خيارات وسياسات الحلفاء والأصدقاء منذ الحرب العالمية الثانية.

ومع تطور تحديات الحرب الأخيرة أمنياً واقتصادياً وعسكرياً، وهل هي حرب حقيقية أم حرب ترتيب بين الخصوم، تحاول دول الخليج تنويع مصادر حلفائها العسكريين والسياسيين، كذلك تفكيك «الأزمة الوجودية» دون أن تنزلق لحرب تتضرر منها، ولا لنتائج تضعها رهينة بيد (إيران، أو إسرائيل)، صحيح أن هناك من يظن أنه ضمن لنفسه مقعداً في نادي إيران القادم، وهناك من يظن أنه ضمن لنفسه مقعداً في نادي إسرائيل، لكن النتائج لا تتحقق بالأمنيات، ولا مع دول لطالما حاولت تفكيك استقلال دول الخليج، وهدم تطورها وإنجازاتها.

ومن هنا نفهم كيف جاء تصريح رئيس الوزراء البريطاني -الحالي- «آندي بورنهام» قبل أيام؛ والذي أعلن فيه عن قيام بريطانيا بتقديم دعمٍ عسكري عاجل للسعودية، عنوانه الأول «إرسال طائرات للتزوّد بالوقود»، ولا أريد أن أحمّل التصريح فوق ما يحتمل؛ لكنه يقول بوضوح -ونيابة عن المؤسسات العميقة في بريطانيا، نحن لسنا جزءاً من لعبة واشنطن وطهران وتل أبيب الجديدة! في الحقيقة لم يكن هذا هو الموقف البريطاني الأول من نوعه، فلطالما حاولت لندن التمايز عن واشنطن، أو لنقل التدخل لإصلاح إخفاق الأمريكيين في تقدير مواقفهم السياسية والعسكرية من حلفائهم، إذ سارع البريطانيون لدعم القدرات العسكرية السعودية عندما خذلت حكومة «جون كينيدي» المملكة، خلال دفاعها عن نفسها في حرب اليمن (1962-1967مـ).

فخلال تلك الحرب تعرّضت المملكة العربية السعودية لتهديدات أمنية وعسكرية متعددة وعلى مدى سنوات، ليتخذ الرئيس الأمريكي جون كينيدي موقفاً مغايراً للرؤية الأمنية السعودية، تجاهل فيها عمداً الأضرار التي وقعت على المملكة، بعد قيام الطيران الناصري حليف الثوريين في اليمن بقصف أعيان مدنية في أبها ونجران بالنبالم.

لم يرفض كينيدي تقديم أي مساندة عسكرية، بل قام بمنع عودة مكائن الطائرات النفاثة السعودية من طراز نورث أمريكان F-86F، التي أرسلت إلى أمريكا للتوضيب الدوري، في محاولة منه للضغط على السعوديين وإضعاف قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم.

تلك الطائرات كانت تشكّل آنذاك عصب سلاح الجو السعودي، وعدم عودتها مثّل تحدياً كبيراً، لكن الرياض وكعادتها تستطيع –كما هي اليوم- أن تتحرك فوراً وتنوع من خياراتها العسكرية والسياسية.

موقف لندن الأخلاقي اليوم؛ تكرر سابقاً عندما قامت حكومة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «هارولد ويلسون» العام 1964م، بالوقوف بصرامة مع المملكة، وتجلى ذلك في خطوات عسكرية عاجلة، منها: إبرام اتفاقية (السحر الأقصى)، التي اشترت السعودية بموجبها طائرات «هوكر هنتر»، وقام بتسليمها فوراً من المخزون البريطاني مع طواقمها الفنية للصيانة والتدريب.

شملت الصفقة بيع صواريخ دفاع جوي من طراز «ثاندربيرد»، وكذلك قيام شركات بريطانية عسكرية بتدريب الطيارين السعوديين وبناء قواعد جوية وتطوير الرادارات وصواريخ وشبكات الدفاع الجوي لصد الهجمات الجوية (الناصرية / والجمهورية) آنذاك على المدن الحدودية السعودية.

الموقف الإستراتيجي والاستثنائي الذي قامت به حكومة لندن، فتح الباب أمام السعوديين لتعزيز قدراتهم والتصدي لهجمات أكثر من 100 ألف مقاتل -جمهوري، وناصري، كانوا يقفون على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية في الفترة ما بين (1962–1967م).

بالطبع العلاقات السعودية البريطانية ليست وليدة الأزمات فقط، بل يمكن وصفها بعلاقة أصيلة، لا تبلى ولا تتقادم، بدأت باللقاء التاريخي بين الملك عبدالعزيز، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل العام 1945م ـ ومستمرة لليوم، لكن الأزمات كانت كفيلة دائماً بإظهار قوتها وصلابتها في الملمات.

لقد قال الدكتور الأمريكي مارتن لوثر كنق: «في النهاية لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل سنتذكر صمت أصدقائنا»، وهو ما ينطبق اليوم على «صمت المواقف» بين دول بنت علاقاتها طوال عقود على مواثيق وتوقعات بينها وبين حلفائها الإستراتيجيين، لكن تلك التوقعات إما غرقت في خليج هرمز، أو تاهت في مضيق باب المندب.