يبلغ حجم الفجوة العالمية في تمويل التجارة 2.5 ترليون دولار، وذلك وفق أحدث تقديرات بنك التنمية الآسيوي لعام 2025، أي بما يعادل قرابة 8% من حجم التجارة العالمية. 80% من البنوك التي شملها المسح تتوقع ارتفاع الطلب على التمويل في المستقبل القريب. يترافق هذا الارتفاع في وقت تعيد فيه الشركات بناء سلاسل إمدادها وتنويع مورديها وأسواقها، مع عالم أضحت فيه التجارة العالمية أكثر تعقيدًا وأقل يقينًا. خلف هذا الرقم تحدٍ تمويلي جوهري. إتمام عملية البيع لا يعني بالضرورة تدفق السيولة في الوقت نفسه، إذ قد يفصل بين تسليم المورد لسلعته وتحصيل مستحقاته أسابيع أو حتى أشهر. هذه الفترة تمثل احتياجًا حقيقيًا إلى رأس المال العامل. هنا تظهر معادلة في عالم التجارة تحتاج إلى أداة لفكها. قد تتعثر شركة ليس لأنها تفتقر إلى المبيعات، بل لأنها تنمو أسرع من قدرتها على تمويل نموها.
هنا مربط الفرس في أهمية تمويل سلاسل الإمداد. إذا كانت منشأة صغيرة تمتلك فاتورة معتمدة على شركة كبيرة ذات ملاءة مالية قوية، يمكن للممول أن يدفع للمورد مبكرًا، ثم يحصل على مستحقاته من المشتري عند حلول موعد السداد، بذلك تتحوّل الجدارة الائتمانية للمشتري الكبير إلى فرصة تمويل للمورد الأصغر.
تقدّم الهند تجربة مهمة في هذا النهج عبر «منظومة خصم المستحقات التجارية» التي أنشئت تحت إشراف بنك الاحتياطي الهندي لتمويل مستحقات المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلكترونيًا. عندما تُعتمد الفاتورة، يستطيع عدد من الممولين التنافس على تمويلها، ويختار المورد العرض الأنسب. بذلك تنقلب العلاقة التمويلية التقليدية من مورد يطرق أبواب البنوك للحصول على السيولة إلى تمويل مستحقاته محل تنافس بين الممولين.
هذه الأدوات تكتسب أهمية أكبر مع التحوّل الذي تشهده سلاسل الإمداد العالمية خاصة بعد جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية واضطرابات الشحن والحروب التجارية. السبب كون الأولويات انتقلت تدريجيًا من كفاءة سلاسل الإمداد إلى كفاءتها ومرونتها معًا. المرونة التي نتحدث عنها ليست موانئ ومستودعات ومخزونًا فقط؛ هناك عنصر أقل ظهورًا لا يقل أهمية يتمثل في مرونة السيولة. المؤكد أن سلسلة الإمداد لا تكون أقوى من أضعف حلقاتها، قد تكون هذه الحلقة موردًا صغيرًا لديه عقود وطلبات، لكنه لا يستطيع تمويل الفترة بين الإنتاج والتحصيل.
من هذه الزاوية يمكن قراءة إطلاق صندوق الاستثمارات العامة لشركة «توريد للحلول التمويلية»، كمنصة رقمية لربط المشترين والموردين والجهات التمويلية، والتي تتيح من بين منتجاتها السداد المبكر للمستحقات الصادرة بموجب فواتير معتمدة. تأتي الخطوة في مرحلة مهمة للاقتصاد السعودي كون التوسع في المشاريع الكبرى، وتوطين الصناعات وسلاسل الإمداد، ونمو القطاعات الجديدة وزيادة مشاركة القطاع الخاص، كلها تعني توسع شبكة المقاولين، والموردين، والمنشآت الصغيرة، والمتوسطة. كما هو معروف، كلما زاد حجم الاستثمار، تزيد معه فكرة تمويل رأس المال العامل للشركات التي تنفذ هذه الاستثمارات.
هذه التوجه يأتي إيماناً من الصندوق بحقيقة أن المشاريع الكبرى لا تبني وحدها قطاعًا خاصًا قويًا؛ القوة الحقيقية تظهر عندما تنتقل الفرص والسيولة التي تولدها تلك الشركات الكبرى إلى الشركات المحيطة بها. تقليص المسافة بين لحظة إنتاج القيمة ولحظة الحصول على ثمنها يعني شركات أكثر قدرة على النمو، وسلاسل إمداد أكثر مرونة، ورأس مال داخل الاقتصاد أكثر كفاءة، وبذلك تتحوّل الفاتورة من مستحق ينتظر السداد إلى أصل قابل للتمويل مما يقود لحركة أكبر داخل الاقتصاد.


