لنتخيل قرارًا تعليميًا صادمًا: يُسمح للطالب أن يتعلم من منزله، مع بقائه مسجلًا في مدرسته، يحمل رقمًا دراسيًا وحسابًا في المنصة، ويلتزم بالمناهج والواجبات والمشروعات والاختبارات، لكنه لا يُلزم بالحضور اليومي، ولا يأتي إلى المدرسة إلا للتقويم والاختبارات والأنشطة التي تتطلب وجوده.


ماذا سيحدث؟


هل سيهرب الطلاب من المدارس؟ وإذا هربوا، فلماذا؟ وهل السؤال المخيف حقًا هو: كيف نعيدهم إليها؟ أم: لماذا لم تعد المدرسة مكانًا يريدون الذهاب إليه؟


سنوات طويلة ونحن نضع الخطط لعلاج الغياب، ونطلق المبادرات، ونرسل الرسائل إلى الأسر، ونحتفي بأسبوع الانضباط، ثم يعود الغياب في الخميس، وقبل الإجازة وبعدها، وكأننا نعالج النتيجة ونخشى الاقتراب من السبب.


لقد أصبح حضور الطالب في بعض الأيام إنجازًا إداريًا مستقلًا، بصرف النظر عمّا إذا كان قد تعلم شيئًا أم لا!


لكن ماذا لو نقلنا مركز الاهتمام من «حضور الطالب» إلى «تعلم الطالب»؟


ماذا لو أصبحت المدرسة مطالبة بإثبات أثرها، وأصبح الطالب مطالبًا بإثبات تعلمه، بصرف النظر عن الكرسي الذي جلس عليه؟


التعليم المنزلي المقصود هنا ليس انسحابًا من التعليم، ولا تركًا للطالب تحت رحمة اجتهاد أسرته، ولا نسخة دائمة من التعليم عن بُعد في أوقات الطوارئ. إنه مسار تعليمي نظامي له شروطه: طالب منتمٍ إلى مدرسة، ومنهج معتمد، وخطة أسبوعية، وواجبات ومشروعات موثقة، ولقاءات افتراضية، واختبارات حضورية، وتقويم دوري، وساعات إلزامية للأنشطة الرياضية والاجتماعية والمختبرات.


فإذا أخفق الطالب عاد إلى الانتظام الحضوري، وإذا نجح استمر في المسار.


والسؤال الأكثر حساسية: ماذا لو تفوق الطالب الذي يتعلم في منزله على زميله الذي يقضي يومه كاملًا في المدرسة؟


ماذا لو أنهى مهامه في ثلاث ساعات، وقرأ أكثر، ونما استقلاله، وتحسنت صحته النفسية، بينما قضى الآخر سبع ساعات بين طابور وانتظار وحصص متفاوتة الجودة ووقت ضائع في ضبط الصف؟


عندها لن تكون المشكلة في الطالب الذي بقي في منزله، ولكن في مدرسة لم تستطع أن تبرهن أن وجوده اليومي فيها يصنع فرقًا.


نحن نعيش عصر اقتصاد الوقت، وكفاءة الإنفاق، وجودة الحياة، وتخصيص الخدمات، ومع ذلك لا يزال التعليم يُقدَّم للجميع بالطريقة نفسها، وفي الساعات نفسها، وداخل الجدران نفسها.


الطالب المتفوق، والرياضي المحترف، وصاحب الموهبة، ومن يعاني ظرفًا صحيًا أو نفسيًا، ومن يستطيع التعلم ذاتيًا؛ جميعهم مطالبون بالجلوس في الصف ذاته حتى يثبتوا أنهم «منضبطون».


ولا يعني ذلك أن التعليم المنزلي مناسب للجميع. فالمدرسة ليست كتابًا ومعلمًا واختبارًا فقط؛ إنها مجتمع صغير يتعلم فيه الطفل الصداقة والاختلاف والعمل مع الآخرين.


كما أن بعض البيوت لا تملك الوقت أو القدرة أو البيئة المناسبة، وقد يتحول المسار إلى عزلة أو إهمال أو اعتماد كامل على الدروس الخاصة.


ولهذا لا ينبغي أن يكون بديلًا عامًا، بل خيار مقنن يبدأ تجريبيًا، ويُمنح وفق معايير واضحة، ويُراجع كل فصل دراسي.


لكن لماذا لا يفتح نظامنا التعليمي الباب لهذا الخيار؟ لماذا نظل أسرى ثنائية واحدة: إما أن يحضر الطالب يوميًا، وإما أن يُسجل غائبًا، حتى لو كان قادرًا على التعلم والإنجاز خارج المدرسة؟


ولماذا ننفق هذا الجهد الهائل على ملاحقة الغياب بدل أن نبني مسارًا يحوّل بعضه من مخالفة إلى اختيار تعليمي مسؤول؟


وما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا أن نظام التعليم الجديد، وهو يعيد تنظيم العملية التعليمية ويستجيب لتحولات العصر، لم ينظّم التعليم المنزلي بوصفه مسارًا تعليميًا مستقلًا!


لم يمنح الطالب المؤهل خيار البقاء منتميًا إلى مدرسته، مسجلًا في أنظمتها، ملتزمًا بمنهجها ومنصتها وواجباتها واختباراتها، من دون أن يكون مطالبًا بالحضور اليومي.


لقد تطورت أدوات التعليم، وتغيرت قدرات الطلاب، وأصبحت المنصات قادرة على متابعة أدق تفاصيل التعلم، لكن التشريع ظل يربط الانتظام بالمقعد المدرسي أكثر مما يربطه بالإنجاز.


كان يمكن للنظام الجديد أن يفتح نافذة صغيرة للتجربة: مسار اختياري مشروط، يبدأ في المرحلة الثانوية، ويُمنح للطالب القادر على التعلم الذاتي، بموافقة أسرته ومدرسته، مع حزمة أسبوعية من الواجبات والتكاليف والمشروعات، واختبارات حضورية صارمة، وتقويم دوري يحدد استمراره أو عودته إلى الدراسة الحضورية.


لكن هذا الخيار لم يجد مكانه في النظام، مع أنه لا يُخرج الطالب من التعليم، ولا يفصله عن مدرسته، ولا يعفيه من المسؤولية؛ بل يغيّر فقط مكان التعلم وطريقة إثباته.


إن غياب التعليم المنزلي عن النظام الجديد ليس تفصيلًا تشريعيًا صغيرًا، لإنه فرصة تستحق المراجعة. فكيف نتحدث عن مرونة التعليم وتعدد مساراته، ثم نُبقي الحضور اليومي هو الصورة الوحيدة المعترف بها للطالب المنضبط؟


وكيف نستثمر في المنصات الرقمية والمحتوى الإلكتروني والحسابات التعليمية، ثم لا نثق بها لتقديم مسار تعليمي كامل يخضع للقياس والمساءلة؟


قد لا يكون التعليم المنزلي هو الحل الكامل لمشكلة الغياب والانضباط، لكنه سيجبرنا على مواجهة السؤال الذي نهرب منه طويلًا: هل نريد الطالب في المدرسة لأنه يتعلم، أم نريده فيها فقط كي لا يُكتب أمام اسمه: غائب؟


ربما يجب ألا نسأل: هل سينجح التعليم المنزلي؟ بل أن نسأل السؤال الأكثر إزعاجًا: ماذا لو نجح فعلًا، وتفوق طلابه؟


عندها لن يكون علينا أن نعيد النظر في مكان تعلم الطالب فقط، بل في المدرسة كلها، وفي القيمة التي تمنحها لسبع ساعات من عمره كل يوم.