الرسالة التي يجب أن تصل واضحة إلى الجميع، هي أن السعودية ليست ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة طهران، وأن أمنها ليس ورقة تفاوض في ملفات الآخرين.


من يريد السلام في المنطقة عليه أن يحترم أمن دولها وسيادتها، ومن يريد شراكة حقيقية مع السعودية عليه أن يتعامل مع أمن المملكة باعتباره مصلحة ثابتة، لا موقفاً يتغير بتغير الحسابات والتحالفات. وقد تعززت أهمية هذه المواقف في التطورات الراهنة، وتصعيد الاعتداءات الحوثية على السعودية مجدداً، وعندما تتحدث تقارير عن تردد أمريكي في الانخراط المباشر ضد بلطجة الميليشيا الحوثية، يطرح ذلك سؤالاً عن مدى موثوقية الموقف الأمريكي عندما يتقاطع الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط مع حسابات ومصالح واشنطن.


هنا يجب أن تكون المواقف العربية والدولية واضحة. فرفض الهيمنة الإيرانية لا يعني الارتهان للمشروع الإسرائيلي، والتحالف مع الولايات المتحدة لا يعني التسليم بكل خيارات واشنطن.


حيث لم تعد الحرب التي تخوضها مليشيا الحوثي مجرد فصل داخلي من فصول الأزمة اليمنية، بل تحولت عبر السنوات إلى نموذج واضح للحرب بالوكالة: صواريخ وطائرات مسيّرة ومليشيا مسلحة تتجاوز حدود الدولة اليمنية لتستهدف المملكة، في وقت ظلت فيه ردود الفعل الدولية في مراحل كثيرة دون مستوى الخطر.


فمن الصعب النظر إلى القدرات العسكرية الحوثية باعتبارها نتاجاً محلياً خالصاً. فقد خلص فريق خبراء تابع للأمم المتحدة إلى أن الحوثيين لا يمتلكون، من دون دعم خارجي، القدرة على تطوير وإنتاج منظومات معقدة تشمل أنواعاً متعددة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للسفن.


وهذا يجعل الحرب في اليمن أكبر من صراع داخلي على السلطة، فهي جزء من صراع إقليمي أوسع أصبحت فيه الجماعات المسلحة إحدى أدوات الضغط والنفوذ.


وكانت السعودية في مقدمة من دفع ثمن هذا النموذج.


ولم تعد الحرب التي تخوضها مليشيا الحوثي مجرد فصل داخلي من فصول الأزمة اليمنية، بل تحولت عبر السنوات إلى نموذج واضح للحرب بالوكالة: صواريخ وطائرات مسيّرة، في وقت ظل فيه رد الفعل الدولي في مراحل كثيرة دون مستوى الخطر.


والسؤال الذي أصبح مشروعاً بعد سنوات من التصعيد هو: لماذا لم تواجه هذه الاعتداءات منذ بدايتها بالمستوى نفسه من الحزم الدولي الذي نشاهده عندما تتعرّض مصالح القوى الكبرى أو طرق التجارة العالمية للخطر؟


وتكشف هذه المواقف تناقضاً في السياسة الغربية يستحق النقد، فمثلاً واشنطن تريد المحافظة على علاقتها الاستراتيجية مع الرياض، وفي الوقت نفسه تدير ملفات إيران واليمن وفق حساباتها ومصالحها الخاصة، التي لا تتطابق بالضرورة مع أولويات أمن المملكة.


وكيف يمكن مطالبة دولة تتعرض للصواريخ والمسيّرات بضبط ردها، بينما لا تمارس في المقابل ضغوطاً كافية لنزع القدرة الهجومية للطرف الذي يطلق تلك الصواريخ؟


وكيف يمكن أن تكون حماية المدنيين مبرراً لتخفيف أدوات الضغط على جماعة مسلحة، بينما المدنيون على الجانب الآخر من الحدود يتعرضون هم أيضاً لخطر الصواريخ والطائرات المسيّرة؟


ومن حق الرأي العام السعودي أن يتساءل لماذا لم تكن الصواريخ التي تستهدف المملكة كافية لإحداث تحرك دولي أكثر حزماً، بينما يتحول التهديد إلى قضية عالمية بمجرد اقترابه من السفن والممرات التجارية الدولية.


وكأن أمن المدن السعودية ملف إقليمي، أما أمن التجارة الدولية فهو خط أحمر عالمي.


ما يمكن قوله سياسياً هو أن إنهاك القوى العربية واستنزاف دول المنطقة في صراعات طويلة يخدم موضوعياً أي قوة إقليمية تسعى إلى الاحتفاظ بتفوقها الاستراتيجي.


فكلما شُغلت المنطقة العربية بصراعات داخلية وحروب بالوكالة، تراجعت قدرتها على بناء موقف إقليمي مستقل ومتماسك.


وهنا تكمن الصورة الأكبر.


إيران تبحث عن أوراق نفوذ على حدود خصومها، ومن خلال الجماعات المسلحة.


إسرائيل تنظر إلى المنطقة من زاوية أمنها وتفوقها الاستراتيجي ومواجهة إيران وحلفائها.


والولايات المتحدة تدير تحالفاتها وفق مصالحها العالمية والإقليمية.


أما السعودية، فمصلحتها الأساسية مختلفة، وهي ألا تتحول حدودها إلى منصة دائمة للضغط عليها، وألا يكون أمنها ورقة تفاوض في صراعات الأقطاب.


ولهذا فإن الاستقلال في القرار السياسي والأمني السعودي ليس ترفاً، بل ضرورة فرضتها تجارب السنوات الماضية.


لقد كشفت أزمة الحوثيين أيضاً خللاً أوسع في النظام الدولي.


فعندما كانت الصواريخ والمسيّرات تستهدف السعودية، كان جزء كبير من الخطاب الدولي منصباً على ضرورة ضبط النفس والحل السياسي والأزمة الإنسانية في اليمن.


وكل هذه قضايا مشروعة ومهمة.


وهناك سؤال منطقي:


لماذا لا تكون حياة المدنيين السعوديين وأمن المدن السعودية سبباً كافياً للحزم الدولي نفسه؟


إسرائيل وإيران: صراع لا ينبغي للعرب أن يدفعوا ثمنه، والنتيجة أن دول المنطقة تتحمّل جزءاً كبيراً من تكلفة صراع لا ينبغي أن تتحوّل إلى وقود له.