يُسجّل التاريخ في جميع المواقف والتحديات التي تواجه منطقتنا العربية عمق العلاقات الأخوية بين السعودية ومصر، ودورهما المحوري في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتجسيد الرؤية المشتركة للمصير الواحد بين البلدين الشقيقين، وما يمثلانه من الحجر الأساس للثقل العربي، والميزان الذي يضبط مسار الأحداث في الشرق الأوسط، وتوجيهه نحو بر الأمان مهما بلغت ذروتها، أو تعددت أطرافها، أو اتسعت رقعتها.
ما يميّز العلاقة بين السعودية ومصر هو وعي القيادتين في البلدين بحجم التهديدات التي تواجه المنطقة، وقدرتهما على التصدي لمشاريع الاختراق والهيمنة والتدخل في الشأن العربي، والتعامل معها بحكمة وهدوء وتعقّل، بعيداً عن محاولات الفوضى والانقسام، كما يميّز هذه العلاقة أنها مدعومة بوعي شعبي لمواجهة خطر الحملات المغرضة والمشبوهة، من خلال قدرة السعوديين والمصريين معاً على تجاوز إدراك هذا الخطر إلى استيعاب حجمه، ومصدره، وتأثيره، وهو ما جعل الشعبين الشقيقين في مهمة إسناد ودعم لقيادتيهما، والصمود أمام تلك التهديدات.
ولهذا جاءت زيارة ولي العهد إلى القاهرة لتعكس جانباً مهماً في هذه العلاقة الراسخة بين البلدين حكومة وشعباً، وأهميتها في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد تمر به منطقة الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية، وظروف غير مسبوقة تشهدها جبهات القتال بشكل متزامن ومتسارع في أكثر من مكان في الإقليم، وأخطرها الحرب الأمريكية الإيرانية، والحرب في اليمن والسودان، والأزمة الليبية، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية، فضلاً عن تهديد حركة الملاحة وحرية التجارة الدولية في مضيق هرمز، والبحر الأحمر ومضيق باب المندب وصولاً إلى قناة السويس، وتأثيرها السلبي على سلاسل الإمداد العالمية.
هذه الملفات ثقيلة جداً، وتتطلّب تنسيقاً كاملاً في المواقف والتوجهات والرؤى المستقبلية، مصحوبة بتحركات متوازنة في اتخاذ القرار، وموزونة في تنفيذه ومواءمته مع دول المنطقة، والدفع بجهود السلام، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، ووقف التصعيد العسكري الذي يهدّد استقرار المنطقة ككل.
ومن هذا المنطلق، لم تكتفِ المباحثات بين ولي العهد والرئيس المصري بتبادل رسائل مشتركة تجاه موضوعات ثنائية، وإنما أيضاً لمناقشة واقع منطقة بأكملها، وأهمية التنسيق بين الجانبين قبل التحرّك، والمواءمة قبل اتخاذ القرار، مما يجعل فرص تطبيقه وتحقيق أهدافه ممكنة ومؤثرة أمام هذه التحديات المتوالية، ويفسّر تلك الخطوات توجّه الرياض والقاهرة إلى التهدئة، وإعادة ترتيب الأولويات، ورسم التوجهات نحو المزيد من الاستقرار؛ باعتبار أن أمن المنطقة لا يتجزأ ولا يُستثنى منه أحد.
زيارة ولي العهد إلى مصر ستعيد تنظيم مسار التحرّك العربي تجاه الأحداث الحالية، والتعامل معها برؤية ومسؤولية جماعية، بعيداً عن المصالح الذاتية التي تسعى لها بعض الدول، أو الأدوار الوظيفية التي تؤديها لمكاسب محدودة ومؤقتة، وهو ما يجعل التحرّك السعودي والمصري حاسماً في هذا التوقيت، ولا يقبل التأخير، أو التردد، أو المقايضة مع ملفات أخرى في المنطقة؛ باعتبار أن المرحلة حسّاسة ومكشوفة الأوراق لمحاولة فرض إرادة جديدة على دول المنطقة وشعوبها.
في كل تفاصيل التحرّك العربي تجاه الأحداث والقضايا التي تمر بها المنطقة، تبقى السعودية ومصر قوتين قادرتين -بشرياً وعسكرياً- على تحمّل تبعاتها، وامتصاص آثارها، والتحوّل نحو المستقبل والمنطقة أكثر أمناً واستقراراً.


