قد يكون نموذج الخدمة الذاتية في محطات الوقود مناسباً في بعض الدول، لكنه ليس بالضرورة النموذج الأنسب لنا؛ لذلك لا أميل إلى تطبيقه في الوقت الحاضر في محطات الوقود داخل المدن السعودية !

فنموذج التشغيل الحالي يبدو أكثر انسجاماً مع طبيعة المجتمع ومستوى الخدمة التي اعتادها المستهلك، كما أنه أكثر تلبية لاحتياجات فئات مختلفة تحتاج أو تفضّل وجود من يقوم بخدمة تعبئة الوقود، وفي مقدمتها كبار السن وذوو الإعاقة والسيدات وغيرهم، ممن يجدون في وجود عامل المحطة المدرب قدراً أكبر من الراحة والسهولة !

وهذه ليست فئات محدودة يمكن تجاوز احتياجاتها عند تصميم نموذج الخدمة؛ إذ تشير إحصاءات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2025 إلى وجود نحو 1.7 مليون شخص بعمر 60 عاماً فأكثر في المملكة، فيما تشير إحصاءات هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، استناداً إلى تعداد السعودية 2022، إلى نحو 1.35 مليون شخص من ذوي الإعاقة والصعوبات !

ولا تتوقف المسألة عند الراحة؛ فالتعامل مع الوقود يظل تعاملاً مع مواد سريعة الاشتعال تستوجب الحذر والالتزام بإجراءات السلامة. ووجود عمال مدربين ومتمرسين في عملية التعبئة يوفر عنصراً بشرياً مؤهلاً للتعامل مع المضخات ومراقبة عملية التعبئة والتدخل عند حدوث انسكاب أو خطأ أو حالة طارئة، وهي مسؤوليات تعطيها معايير السلامة في محطات الوقود أهمية واضحة !

كما أن كفاءة التشغيل داخل المحطة عامل آخر ينبغي أخذه في الاعتبار، فالعامل المتمرس يقوم بهذه المهمة بصورة متكررة يومياً، بينما تتفاوت قدرات المستخدمين وسرعتهم في التعامل مع مضخات الوقود، والحد من الممارسات المخالفة مثل التدخين وعدم إطفاء المحرك، وفي المحطات ذات الكثافة العالية وساعات الذروة، يصبح من المهم النظر إلى أثر ذلك على زمن التعبئة وانسيابية حركة المركبات داخل المحطة وفي محيطها !

وهناك أيضاً جانب اقتصادي وتشغيلي؛ فالتحول إلى الخدمة الذاتية لا ينبغي أن يقاس وحسب بما قد يوفره من تكاليف العمالة، وإنما بكامل تكلفته الاقتصادية والتشغيلية، بما في ذلك ما قد يتطلبه من تهيئة للأنظمة والمضخات والدفع والمراقبة والسلامة وإدارة العمليات، ومدى انعكاس ذلك في النهاية على المستثمر والمستهلك وكفاءة الخدمة !

وفي المقابل، فإن الاتجاه التنظيمي في قطاع محطات الوقود في المملكة خلال السنوات الأخيرة، انصب على رفع جودة التشغيل وتأهيل المنشآت المشغلة؛ إذ تشير بيانات وزارة الطاقة إلى ارتفاع نسبة المحطات التي تشغلها منشآت مؤهلة من 25% في عام 2021 إلى 69% بنهاية الربع الأول من عام 2025. وهذا يدعم اتجاهاً أكثر اتساقاً مع تطور القطاع: الاستثمار في رفع كفاءة التشغيل والعاملين وتحسين جودة الخدمة، بدل تحويل مهمة التعبئة إلى المستهلك !

ولا يعني الإبقاء على العامل رفض التطور أو التقنية؛ إذ يمكن تطوير تجربة محطات الوقود ورقمنة الدفع وتحسين المضخات وأنظمة المراقبة والسلامة وتسريع الخدمة، مع بقاء العامل المدرب جزءاً أساسياً من منظومة التشغيل. فالتقنية هنا يفترض أن ترفع جودة الخدمة المقدمة للمستهلك، لا أن تنقل إليه مهمة كان يحصل عليها ضمن الخدمة نفسها !

والسؤال الذي يستحق أن يسبق أي تحول من هذا النوع هو: ما القيمة الإضافية التي سيحصل عليها المستهلك مقابل أن يقوم بنفسه بمهمة يؤديها اليوم عامل مدرب ؟!

فإذا كان النموذج الحالي يوفر للمستهلك الراحة، ويخدم الفئات الأكثر احتياجاً للمساعدة، ويحافظ على وجود عنصر مدرب عند التعامل مع الوقود، فلماذا ننقل عبء هذه المهمة إلى المستهلك ما لم تكن هناك منفعة واضحة ومثبتة تتجاوز ما يقدمه النموذج القائم ؟!

باختصار.. ليس كل تحول إلى الخدمة الذاتية تطوراً بالضرورة، وليس تقليص العنصر البشري معياراً للكفاءة في كل الخدمات. ففي بعض الأنشطة تكون جودة الخدمة في وجود من يقدمها !

وفي محطات الوقود السعودية، أرى أن راحة المستهلك وسلامته وجودة تجربته تبرر استمرار وجود العمالة المدربة والمتمرسة لتقديم خدمة تعبئة الوقود، مع توجيه التطوير التقني نحو جعل هذه الخدمة أسرع وأكثر كفاءة وأماناً، لا نحو إلغائها !