صدرت نتائج PISA 2025، وتحسّن موقع المملكة في بعض جوانب الأداء، وهذا أمر يستحق التقدير والإنصاف، خصوصًا أن التعليم لا يتغير بقرار سريع، ولا تظهر نتائج إصلاحاته في عام أو عامين. لكن فرحتنا بأي تقدم لا ينبغي أن تمنع السؤال الأصعب: هل هذا هو الموقع الذي يليق بالتعليم السعودي وبطموح المملكة؟


اقتربنا من عشرة أعوام منذ دخول المملكة اختبارات PISA، وخضنا تجارب متتالية مع الاختبارات الدولية بمختلف مسمياتها؛ بيزا، وتيمز، وبيرلز، وغيرها. عرفناها، ودرّبنا عليها، وشكلنا فرقًا ولجانًا، ووضعنا خططًا للتحسين، وأقمنا البرامج، وقرأنا النتائج، ثم عدنا بعد كل دورة إلى السؤال نفسه: كيف نتقدم؟


والسؤال اليوم ينبغي أن يكون أكثر صراحة: متى نغادر مراتب الوسط؟


ليس في السؤال تقليل من عمل أحد، ولا إنكار لما تحقق. التعليم السعودي تغير كثيرًا، والمدرسة تغيرت، والمناهج تطورت، والتقنية أصبحت جزءًا من يوم الطالب، وفرص التدريب والتعلم اتسعت، كما أن نتائجنا الأخيرة تحمل إشارات تحسن لا يجوز تجاهلها. لكن دولة بحجم المملكة، وبما تملكه من إمكانات، وبما وضعته من طموحات كبرى لبناء الإنسان، لا ينبغي أن تقيس نجاحها بمجرد التحسن عن نفسها، وإنما بمقدار اقترابها من المكان الذي تستحقه بين أفضل الأنظمة التعليمية في العالم.


وهنا تظهر مفارقة تستحق أن نتوقف عندها.


أبناؤنا وبناتنا يعودون من المسابقات والأولمبيادات العالمية بالميداليات، ويقفون على منصات التتويج أمام دول ذات أنظمة تعليمية متقدمة، ويثبتون في كل مرة أن العقل السعودي قادر على المنافسة والتفوق. نفرح بهم ونفخر، ومن حقنا ذلك، لكن السؤال: لماذا لا ينتقل هذا التفوق من حالات متميزة إلى حالة تعليمية عامة؟


نجاح الموهوبين يقول إن لدينا القدرة، أما نتائج الاختبارات الدولية فتسألنا عن مدى قدرتنا على تعميمها.!


هناك فرق بين أن نصنع بطلًا عالميًا بعد اكتشافه ورعايته وتدريبه، وبين أن نصنع مدرسة جيدة ترفع مستوى الجميع. التعليم الحقيقي لا يقاس فقط بأعلى طالب وصل إلى القمة، وإنما بأضعف طالب: ماذا أعطيناه؟ وإلى أي مستوى استطعنا أن نرفعه؟


ومن هنا يأتي سؤال آخر ربما حان وقت طرحه: هل تستحق PISA وPIRLS وTIMSS كل هذا الجهد والتعب والاستنفار؟


بالتأكيد تستحق أن نشارك فيها؛ لأن النظام التعليمي الذي يريد المنافسة عالميًا يحتاج إلى مرآة يرى فيها نفسه، وهذه الاختبارات واحدة من أهم المرايا. لكنها لا تستحق أن تتحول إلى غاية مستقلة نستعد لها كما نستعد لمسابقة، ثم ينتهي الاهتمام بانتهاء الاختبار.


المشكلة ليست في بيزا، وإنما في أن يصبح هدفنا تحسين نتيجة بيزا بدل تحسين التعليم نفسه.


فلو كان الطالب يقرأ كل يوم قراءة حقيقية، ويفهم ما يقرأ، ويكتب بلغته بصورة سليمة، ويفكر رياضيًا، ويجرب في العلوم، ويسأل ويناقش ويستنتج، فلن نحتاج إلى أن نخبره كيف يتعامل مع سؤال دولي. سيكون مستعدًا له لأنه تعلم جيدًا، لا لأنه تدرب عليه.


وهذا يعيدنا إلى الفصل الدراسي.


ربما بالغنا خلال السنوات الماضية في البحث عن الحلول خارج الصف: برنامج جديد، منصة جديدة، مبادرة جديدة، مؤشر جديد، نموذج جديد، تدريب جديد، ثم برنامج لمعالجة نتائج البرنامج السابق!


وفي زحمة كل ذلك قد يكون الحل أقرب مما نتصور: معلم جيد، وطالب يتعلم فعلًا، ومنهج يُفهم لا يُنجز، ومدرسة مسؤولة عن نواتجها، وتقويم صادق لا يجامل أحدًا.


نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بشجاعة: ماذا يعرف طالبنا فعلًا عندما يغادر المدرسة؟ هل يستطيع أن يقرأ نصًا جديدًا ويفهمه؟ هل يستطيع أن يكتب فكرة بلغته؟ هل يستطيع أن يستخدم الرياضيات في حياته؟ هل يستطيع أن يفسر ظاهرة علمية ويفكر فيها؟


هذه هي بيزا الحقيقية. أما الترتيب العالمي فهو النتيجة، وليس البداية.


لذلك فإن نتائج 2025 لا تستحق جلد التعليم، كما لا تستحق أن نكتفي بالاحتفاء بها. تستحق شيئًا أكثر فائدة: المراجعة. أن نعترف بأننا تقدمنا، ثم نعترف بالقدر نفسه أن تقدمنا لا يزال أقل من طموحنا.


لقد دخلنا مرحلة جديدة في المملكة لا تقبل أنصاف الطموحات. وطن ينافس في الاقتصاد والتقنية والذكاء الاصطناعي والسياحة والصناعة والرياضة، من الطبيعي أن يريد تعليمه في الصفوف الأولى أيضًا.


ولهذا، ونحن نقترب من إكمال عقد من التجربة مع PISA، لا ينبغي أن يكون سؤالنا في الدورة القادمة: كيف نحسن ترتيبنا؟


السؤال الأهم:


ماذا ينقص تعليمنا حتى تصبح المراتب المتقدمة نتيجة طبيعية له؟


لدينا الإمكانات، ولدينا المعلم، ولدينا الطالب السعودي الذي أثبت في المحافل العالمية أنه يستطيع، ولدينا دولة وضعت بناء الإنسان في قلب مشروعها.


فربما لا نحتاج إلى مزيد من الاستعداد لبيزا... نحتاج إلى مدرسة تجعلنا لا نخشى نتائج بيزا.