لا يمكن التقليل من الأهمية الكبيرة لما حدث في اليمن مؤخراً باستحواذ الميليشيا الحوثية على مدينة المخا ذات الموقع الإستراتيجي، ومنها إلى التموضع في أهم الجزر المتاخمة لباب المندب. بكل المعايير هو تحول دراماتيكي خطير في مسار المواجهة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين، وقد اكتنفته كثير من التأويلات والتساؤلات والتكهنات عن كيفية حدوثه بتلك الصورة المفاجئة، ويجب على السلطات اليمنية المختصة تفسيره، وبحث أسبابه حتى لا يتكرر في مواقع أخرى.

وعلى أي حال، فقد تواترت الأخبار عن وصول عدد كبير من الخبراء العسكريين الإيرانيين خلال الفترة القصيرة السابقة لإدارة عملية استهداف المخا والساحل الغربي، تم ذلك رغم الحصار والحظر والمراقبة التي يُفترض أنها فاعلة تجاه التحركات الإيرانية، وخصوصاً تواصلها مع الحوثيين، وإذا كانت هذه المعلومة صحيحة فنحن إزاء تساهل خطير ربما يمكن وصفه بالتواطؤ لتعقيد المشهد اليمني والإقليمي وما يترتب على ذلك من نتائج سلبية على نطاق أوسع.

على كل حال، الواقع المستجد يقول، إن إيران عبر ذراعها الحوثي أصبحت تسيطر عملياً على ممر حيوي عالمي يمثله باب المندب، بالإضافة إلى مضيق هرمز، مع فارق مهم هو خلو باب المندب من المواجهة المباشرة بين إيران وأمريكا، ما يعني عدم تشكيل ضغط عليها، وهذا هو الخطر الحقيقي الكبير إذا استطاع الحوثيون البقاء والتحكم في تلك المواقع الإستراتيجية الحساسة.

وبنظرة إلى الوراء نجد أن الشأن اليمني ما كان له أن يصل إلى هذه المرحلة المعقدة الخطيرة لولا الخذلان الذي مُني به الشعب اليمني التوّاق إلى التخلص من ميليشيا انقلبت على الشرعية. خذلان تسبب فيه المجتمع الدولي ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها. عدة قرارات تم إصدارها ومنها ما هو تحت البند السابع ولم تنفذ. الإصرار على تسوية عبر مسار سياسي لم تلتزم به جماعة الحوثي. المساواة في التعامل بين حكومة شرعية معترف بها دولياً وميليشيا مارقة. فرض هدنات لاستئناف المسار السياسي تخرقها الميليشيا كل مرة. الضغط على التحالف العسكري لدعم الشرعية للتوقف في مرات عديدة كان بإمكانه خلالها تحقيق مكتسبات عسكرية قادرة على تحجيم قوة ورقعة توسع الحوثيين. المبعوثون الأمميون يتعاقبون واحداً بعد الآخر دون تعامل جاد مع تجاوزات الحوثيين، الأمر الذي شجعهم على الاستمرار فيها. وحتى بعد ما حدث مؤخراً في المخا كانت إحاطة المبعوث الأممي إلى اليمن لا ترقى إلى خطورة الحدث.

على أي حال، نحن الآن إزاء مستجد خطير لا يجب أن يستمر طويلاً، ولا بد من التعامل معه بمنتهى الحزم والجدية لما له من عواقب تتجاوز النطاق الإقليمي، أمنياً واقتصادياً، إضافة إلى كونه يشكل سابقة تهدد الأمن والسلم الدولي عندما يُسمح لميليشيا بالتحكم في معبر ملاحة دولية يهم العالم كله. إنها ليست مشكلة يمنية فحسب، بل دولية وخطيرة إذا ما استمرت، وهذا يتوجب أكثر من مستوى للتعامل معها:

من ناحية حكومة الشرعية اليمنية، ومع معرفتنا بالمصاعب التي تواجهها، إلا أنها لا بد أن تصحح الأخطاء الجسيمة التي تؤدي إلى مثل ما حصل مؤخراً، وعليها إعادة ترتيب أوضاعها لأنها في معركة وجودية مع جماعة الحوثي. ومن ناحية أخرى، على المجتمع الدولي استشعار الخطر الكبير من هكذا وضع لو استمر، وهذا يتطلب في ما يتطلب تمكين تحالف دعم الشرعية وكذلك التحالف البحري الدفاعي للقيام بدورهما دون عراقيل. وعلى مجلس الأمن تفعيل قراراته المتعلقة باليمن بشكل فوري، وربما استصدار قرار جديد يتعلق بالوضع المستجد، وكذلك تغيير التعاطي مع الأزمة اليمنية التي بدأت تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية.