من أسوأ الأخطاء في السياسة، أن تقرأ هدوء دولة واثقة باعتباره تردداً، والأسوأ أن تبني على هذا الخطأ قراراً، فالدول لا تُقاس بحجم الضجيج الذي تصنعه عند كل استفزاز، ولا بعدد المرات التي تلوّح فيها بقوتها، بل بقدرتها على أن تعرف متى تتجاهل، ومتى تتحرك، ومتى تجعل الطرف الآخر يكتشف ـ متأخراً ـ أنه أخطأ في حساب المسافة بين الحلم والقرار.

وهذه تحديداً إحدى أكثر الزوايا التي يُساء من خلالها فهم السعودية، هناك من يعتقد أن ضبط النفس ضعف، وأن منح السياسة فرصتها تردد، وأن تأجيل المواجهة عجز عن خوضها، وهي قراءة قد تصلح لدول تعيش على ردود الأفعال، لكنها لا تصلح لدولة تعرف ماذا تريد، وتملك من عناصر القوة ما يجعلها غير مضطرة إلى إثبات قوتها كل صباح.

«السعودية لا تتأخر في الرد.. السعودية ترفض أن يحدد خصمها موعد ردها».

والفارق بين العبارتين هو الفارق بين دولة تدير قرارها، وطرف يحاول جرّها إلى قراره، فالسيادة ليست مجرد امتلاك القدرة، بل امتلاك الإرادة التي تقرر متى تستخدم هذه القدرة، ولعل العربية نفسها تمنحنا معنى أعمق، فـ«السيادة» تتصل بـ«السؤدد»، والسيد في الموروث العربي لم يكن صاحب البأس وحده، بل صاحب الحلم أيضاً، القادر على الغضب ثم القادر على تأجيل غضبه، لأن القوة التي لا تستطيع التحكم بنفسها تتحول، مهما عظمت، إلى رد فعل.

وفي منطقة تتكاثر فيها الأزمات، وتتقاطع فوق خرائطها المصالح، وتتسابق أطراف كثيرة على إشعال الحريق ثم اختيار مكانه وتوقيته، تصبح القدرة على عدم الانجرار نوعاً متقدماً من القوة، لأن الاستفزاز، في كثير من الأحيان، ليس هو الهدف، بل رد الفعل عليه.

قد يريد خصمك منك أن تغضب الآن، وأن تتحرك الآن، وأن تختار الساحة التي أعدّها لك، وأن تدفع الكلفة التي حسبها مسبقاً، فإذا فعلت ذلك فقد تكون امتلكت القوة، لكنه امتلك توقيتها، والدول ذات الهيبة لا تمنح خصومها هذا الامتياز، فالهيبة سكون يُهاب، لا ضجيج يُسمع، وحضور لا يحتاج إلى أن يعيد إثبات نفسه عند كل استفزاز.

السعودية اليوم لا تحمي حدوداً جغرافية فقط، خلف هذه الحدود مشروع وطني ضخم، واقتصاد يتوسع، ومجتمع يتحول، واستثمارات تمتد لعقود، ومدن تُبنى، وأجيال تعيد تعريف علاقتها بالمستقبل، ولهذا تغيّر معنى الأمن نفسه، فلم يعد مجرد منع خطر من عبور الحدود، بل أصبح حماية للمستقبل من أن تختطفه أزمات الماضي.

وهنا تظهر طبقات السيادة بوضوح، سيادة على الأرض تحفظ الوجود، وسيادة على القرار تحفظ الإرادة، وسيادة على اللحظة تحفظ حرية استخدام القرار، والأخيرة هي التي تمنع الخصم من أن يحوّل قوتك إلى أداة تعمل وفق توقيته.

ومن هنا يمكن فهم كثير من السياسة السعودية، ليست المسألة بحثاً عن الهدوء بأي ثمن، وليست رغبة في المواجهة بأي ثمن، إنما هي إبقاء القرار السعودي داخل الرياض، لا في عاصمة أخرى، ولا في غرفة عمليات خصم، ولا تحت ضغط عنوان عاجل، ولا رهينة لاستفزاز عابر.

أن تملك سلاحك يعني أن لديك القدرة، وأن تملك قرار استخدامه يعني أن لديك الإرادة، أما السيادة الكاملة فهي أن تملك اللحظة أيضاً، فلا يحدد لك خصم متى تغضب، ولا متى تهدأ، ولا متى تتحرك، لأن الدولة التي تسمح لخصمها بتحديد توقيت قرارها تكون قد منحته جزءاً من القرار نفسه.

ولهذا، فإن العبث بأمن السعودية لا يمكن قراءته باعتباره شأناً محلياً محدوداً، فالمملكة ليست رقماً يمكن عزله عن معادلات المنطقة، أمنها يتقاطع مع أمن الطاقة، وحركة التجارة، والبحر الأحمر، والممرات البحرية، وشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، وكلما كبر وزن الدولة اتسعت الدائرة التي تتأثر باستقرارها، وأصبحت مسؤوليتها في إدارة القوة أكبر من رغبتها في استعراضها.

ربما لهذا تبدو السعودية، في بعض اللحظات، أكثر هدوءاً مما يتوقعه المتحمسون، وأكثر حلماً مما يتمناه المستفزون، فهي لا تدير لحظة غضب، بل تدير دولة، ولا تحمي يوماً واحداً، بل مشروع عقود قادمة.

وهنا يقع الخطأ الذي تكرر كثيراً في قراءة المملكة، الخلط بين الحلم والعجز، فالحلم قرار يصدر عن قدرة، أما العجز فلا يحتاج إلى حلم، لأن صاحبه لا يملك خياراً آخر.

السعودية تعرف حجمها، وتعرف مصالحها، وتعرف أن القوة التي تحتاج في كل مرة إلى الصراخ كي يصدقها الآخرون لم تبلغ تمام هيبتها بعد، لذلك لا تحتاج المملكة إلى أن تدخل كل معركة يعرضها عليها الآخرون، ولا أن تجيب عن كل استفزاز بالطريقة التي يتمناها صاحبه، ولا أن تضبط ساعة قرارها على توقيت خصومها.

فالسيادة، في معناها الأعمق، إنما هي أن يبقى القرار لك، وتوقيته لك، وحساب المصلحة لك، وأن يفهم الآخر أن حلمك لا يمنحه حق اختيار اللحظة التي ينتهي فيها.

ولعل أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه خصم السعودية، أن يظن أن طول المسافة بين الحلم والقرار يعني أن القرار لن يأتي.

نقطة آخر السطر:

«السعودية لا تنتظر اللحظة المناسبة لخصومها.. السعودية هي من تقرر متى تصبح اللحظة مناسبة».