لست ضد التطوير، ولا ضد المؤشرات، ولا الثقافة المؤسسية، ولا قياس الأداء، ولا الاستفادة من بيوت الخبرة والشركات الاستشارية. ومن غير المنطقي أن نطالب الإدارة الحديثة بأن تعمل بأدوات الأمس. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل بقيت هذه الأدوات في موقعها الطبيعي بوصفها وسائل لتحسين العمل، أم أنها تمددت حتى أصبحت هي العمل نفسه؟

بعد أكثر من ثلاثين عاماً في العمل الإداري، عشت خلالها مراحل مختلفة، وأدرت فرقاً ومشروعات، وعاصرت تحولات وحققت مع زملائي توجهات وأهدافاً كبيرة؛ أجدني اليوم أمام مشهد إداري مختلف، ليس بالضرورة لأنه أكثر تطوراً، وإنما لأنه أكثر امتلاءً بالمصطلحات والنماذج والأدلة والمؤشرات والورش والاستبانات والمبادرات.

أصبح لكل شيء إطار، ولكل إطار دليل، ولكل دليل نموذج، ولكل نموذج مؤشر، ولكل مؤشر لوحة متابعة، ثم نحتاج إلى اجتماع لمناقشة اللوحة، وورشة لتحليل نتائج الاجتماع، واستبانة لقياس رضا المشاركين في الورشة!

وفي نهاية هذه الدائرة الطويلة قد يسأل موظف بسيط في الميدان: وماذا تغير في عملي؟

وهنا تكمن المشكلة. فلقد نجحت الإدارة السعودية لعقود في صناعة منجزات كبيرة، وقاد رجال ونساء مؤسسات وفرقاً ومراحل انتقالية صعبة، ونفذوا توجيهات عليا، واتخذوا قرارات مؤثرة، دون هذا الحجم الهائل من الحشو الإداري. كانت الأدوات أقل، لكن المسؤولية أوضح. كانت النماذج أبسط، لكن القرار أسرع. وكانت المؤشرات أقل حضوراً على الشاشات، لكن المدير يعرف موظفيه، ويعرف من يعمل ومن يتكاسل، ومن يبدع ومن يحتاج إلى المساندة.

اليوم نخشى أن نكون قد انتقلنا من إدارة الإنسان إلى إدارة المؤشر!

تقييم الموظف نفسه أصبح في بعض البيئات أقرب إلى عملية آلية؛ أرقام وأوزان ومستهدفات ونسب إنجاز، وكأن الإنسان مجموعة خلايا في جدول إلكتروني.

بينما الأداء الحقيقي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. هناك موظف يصنع الفارق في فريقه ولا تستطيع خانة قياسه، وآخر يحل الأزمات بصمت، وثالث يملك المبادرة والشجاعة وتحمل المسؤولية، ورابع تتطابق ملفاته مع جميع المؤشرات بينما أثره الحقيقي محدود. فلا يمكن اختزال الإنسان في رقم..!

والأخطر أن بعض المؤسسات أصبحت تنشغل ببناء «صورة العمل» أكثر من انشغالها بالعمل. عروض مبهرة، وألوان متناسقة، ومسميات ضخمة، ومبادرات تحمل أسماء جذابة، وتقارير مصممة بعناية، ومصطلحات إنجليزية وعربية تتكاثر بسرعة؛ بينما الموظف والمستفيد والميدان لا يشعرون دائماً بتحسن يوازي كل هذا الجهد.

حتى «الثقافة المؤسسية»، التي يفترض أن تكون روحاً تسري في المؤسسة، أصبحنا أحياناً نتعامل معها كمشروع له شعار وعرض وورش واستبانة ومؤشرات. الثقافة لا تُصنع بهذه السهولة. الثقافة يصنعها المدير العادل، والقرار الواضح، والبيئة التي تحترم المجتهد، والمحاسبة التي لا تجامل المقصر، والقدوة التي يراها الموظف أمامه كل صباح.

الثقافة المؤسسية ليست ما نكتبه على الجدران، وإنما ما نمارسه عندما تغلق أبواب الاجتماعات.

ولا يعني هذا أن نعود إلى إدارة ارتجالية، أو أن نرفض العلم الإداري الحديث. هذا طرح لا يقوله عاقل. نحن نحتاج إلى الحوكمة والقياس والتقنية والمؤشرات، لكننا نحتاج قبلها وبعدها إلى شيء أهم: العقل الإداري.

الأداة لا ينبغي أن تتحول إلى غاية، والمؤشر لا ينبغي أن يصبح أهم من الحقيقة التي صُمم لقياسها، والاستبانة ليست بديلاً عن النزول إلى الميدان، وبيت الخبرة لا يعرف المؤسسة أكثر من أبنائها لمجرد أنه يحمل عرضاً أجمل ومصطلحات أحدث.

لقد أخذَنا العالم الافتراضي بعيداً أحياناً عن الواقع، وأخذتنا الأرقام بعيداً عن الحكاية التي خلفها، وأخذتنا النماذج بعيداً عن الإنسان. تحول شيء من روح الإدارة إلى جماد: منصة تقول لنا إن الموظف ممتاز، ومؤشر يخبرنا أن المشروع أخضر، وعرض يؤكد أن المبادرة ناجحة، بينما الواقع قد يقول شيئاً آخر تماماً.

الإدارة في جوهرها ليست كل هذا التعقيد. هي هدف واضح، وصلاحية بقدر المسؤولية، وقائد يعرف كيف يختار، وموظف متمكن، وفريق يثق ببعضه، وقرار في وقته، ومحاسبة عادلة، وميدان يُسمع صوته، ونتيجة يستطيع الناس رؤيتها والشعور بها.

وفي تراثنا الإداري والإنساني اختصار مدهش لكل ما نبحث عنه: القوي الأمين. الكفاءة والنزاهة. القدرة والإخلاص. أن تعرف ماذا تفعل، وأن تؤديه بأمانة.

كم دليلاً نحتاج بعد ذلك حتى نصنع موظفاً بهذه الصفات؟

لقد ملّ المجتمع الوظيفي ــ في تقديري ــ من كثير من «الفذلكات» الإدارية. وملّ الموظفون من ورش تتكرر أفكارها، واستبانات لا يعرفون ماذا حدث بعدها، ومؤشرات يقضون وقتاً في إثبات تحقيقها أكثر مما يقضونه في تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها، ومبادرات يولد بعضها لأن هناك خانة تطلب «مبادرة»، لا لأن هناك مشكلة حقيقية تحتاج إلى حل. وحان الوقت لمراجعة جريئة لهذا التضخم.

ليس المطلوب إلغاء أدوات الإدارة الحديثة، وإنما تحرير الإدارة من عبادة أدواتها. أن نسأل عن كل ورشة: ماذا ستغير؟ وعن كل استبانة: ما القرار الذي سيبنى عليها؟ وعن كل مؤشر: هل يقيس فعلاً ما يهم؟ وعن كل مبادرة: ما المشكلة التي تحلها؟ وعن كل خبير خارجي: ماذا سيضيف مما لا يعرفه أهل المؤسسة؟

فإن لم نجد إجابة مقنعة، فلنملك شجاعة الإلغاء.

وقت الموظف مال عام أيضاً. والاجتماع غير الضروري تكلفة، والورشة التي لا تنتج قراراً تكلفة، والاستبانة التي توضع نتائجها في الأدراج تكلفة، والمؤشر الذي لا يحسن الخدمة تكلفة، والتقرير الجميل الذي لا يغير الواقع تكلفة.

نريد إدارة أقل انشغالاً بنفسها وأكثر انشغالاً بنتائجها.

نريد أن نستعيد الإنسان المبدع، والمخلص، والقوي، والأمين. أن نثق بخبرته، ونمنحه مساحة للاجتهاد، ونحاسبه على الأثر، لا على براعته في تعبئة النماذج. نريد أن يعود المدير إلى الميدان، وأن يعود الموظف إلى جوهر وظيفته، وأن تعود التقنية والمؤشرات والأدلة إلى مكانها الصحيح: خادمة للعمل، لا سيدة عليه.

ثلاثون عاماً من العمل الإداري، علمتني أن المؤسسات لا تنجح بكثرة ما تعرف من المصطلحات، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى فعل، والفعل إلى أثر.

فلنخفف قليلاً من ضجيج الإدارة.. ولنعد الانسان والحياة الحقيقية إلى الإدارة..!