معاناة عاشها الوطن مع مساحات الأراضي الشاسعة المتروكة لسنوات طويلة ساكنة تحت الشمس، لا عمرانَ فوقها، ولا نشاطَ اقتصادياً حولها، ولا قيمةَ مضافةً تتحقق للمجتمع من وجودها. تقضم أوصال المدن، وترفع أسعار السكن، وتشوّه المنظر العام، وتحد من جودة الحياة.

ترتفع قيمتها مع نمو المدن وتوسع الطلب، فتتحوّل الأرض من أصل يفترض أن يدخل دورة التنمية إلى أداة للانتظار والمضاربة، ويصبح ارتفاع السعر بمرور الزمن هو العائد الأساسي من الاحتفاظ بها.

هذه المعادلة تقف خلف التطور المتواصل لمنظومة رسوم الأراضي البيضاء، وتمنح القرار الجديد لمجلس الوزراء أهمية تتجاوز مجرد إجراء إداري يتعلق بتوثيق نقل الملكية وعدم توثيق أي تصرف عقاري ناقل لملكية أرض خاضعة لأحكام نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة إلا بعد التحقق من سداد الرسوم المستحقة عليها، ليصبح نقل الملكية مرتبطاً بتسوية الالتزام المالي، فلا يتخلص المالك من عبء الرسوم بمجرد نقل الأرض إلى شخص آخر. الملكية العقارية حق أصيل تحميه الأنظمة، لكن هذا الحق يتحرك داخل منظومة اقتصادية واجتماعية أوسع.

الأرض الواقعة داخل النطاق العمراني جزء من مدينة تتوسع، وشبكات طرق تمتد، وخدمات عامة تُقام، وسكان يبحثون عن مساكن، ومستثمرين يبحثون عن فرص، واقتصاد يحتاج إلى أصول تدخل دورة الإنتاج.

لهذا جاءت رسوم الأراضي البيضاء لتحفيز المالك على اتخاذ قرار اقتصادي: إما أن يطور الأرض، وإما أن يتحمّل تكلفة إبقائها غير مستغلة، وإما أن يبيعها بعد تسوية الالتزامات المترتبة عليها. صيغة تضيق مساحة المناورة أمام من يحتفظ بالأرض سنوات، ثم ينقل ملكيتها لتبدأ دورة جديدة من الالتفاف على الالتزامات، فلا يعود تغيير الاسم في الوثيقة وسيلة لإسقاط المستحقات.

فلا يمكن أن يكون تغيير المالك بديلاً عن الوفاء بالالتزام، هذه نقطة مهمة في بناء سوق عقارية أكثر انضباطاً، فالرسوم لا تستهدف تحصيل الأموال، بل تستهدف تغيير السلوك الاقتصادي، لتتحوّل الرسوم إلى حافز اقتصادي لإعادة توجيه رأس المال العقاري نحو النشاط المنتج.

الاقتصاد لا يستفيد من أصل ترتفع قيمته على الورق، بينما يظل مجمّداً خارج دورة الإنتاج، القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحوّل الأرض إلى حياة، فزيادة الأراضي المطروحة للتطوير تساعد في تخفيف الاختناقات التي ترفع تكلفة الحصول على الأرض.

الدولة تريد سوقاً تتحرك فيها الأصول، لا سوقاً تتراكم فيها الملكيات دون إنتاج.

السوق السعودية تتحرك داخل اقتصاد يتوسع ويتنوع، وتطوير المدن والمشروعات الكبرى والبنية التحتية يخلق طلباً جديداً على الأراضي والمنتجات العقارية، هذا يعني أن إدارة الأرض أصبحت قضية اقتصادية واستراتيجية في الوقت نفسه.

كل قطعة أرض تبقى مجمّدة تعني فرصة تنموية مؤجلة، ومن هنا يمكن فهم التشدّد المتزايد في ربط الالتزامات العقارية بعمليات التصرف والتوثيق.

الأرض التي تبقى مجمّدة طويلاً تحقق مكسباً لمالكها، لكنها تحرم الاقتصاد من جزء من إمكاناتها؛ لذلك فإن إغلاق منافذ التحايل على رسوم الأراضي البيضاء لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تشديد على الملاك.

إنه جزء من فلسفة اقتصادية أوسع تقوم على تحرير الأصول من الجمود، وتحويل الملكية إلى مشاركة في التنمية، وإعادة التوازن بين حق الفرد في امتلاك الأصل وحق المجتمع في سوق عقارية أكثر كفاءة.

القرار لا يقول لمالك الأرض: تخلَّ عن ملكيتك، وإنما يقول له بوضوح أكبر: طوّرها، أو سدّد ما يستحق عليها، أو بعها بعد تسوية التزاماتها، وبهذه المعادلة تتقلص مساحة التحايل، وتزداد تكلفة الاكتناز، ويصبح التطوير خياراً أكثر جاذبية، والمحصلة النهائية التي تستهدفها السياسة أبعد من الرسوم نفسها: أرض تتحرك، وسوق تتوازن، وعمران يتوسع، ومعروض يزداد، واقتصاد يستفيد من كل أصل قادر على أن يدخل دورة الإنتاج.

هذا هو الفارق بين سوق تنمو أسعار عقاراتها فقط، وسوق تنمو فيها قيمة العقار والمدينة والاقتصاد والمجتمع معاً.

قرار حكيم ينهي المعاناة ويبث الحياة في المدن، ومن أراد الاحتفاظ بأرضه يدفع رسومها، ولا بد من إلزامه بتسويرها حتى لا تؤذي الآخرين.