الحيرة التي يعيشها طلاب وطالبات الثانوية عند اختيار التخصص الجامعي ليست دائماً نتيجة غياب الرؤية، بل قد تكون نتيجة كثرة الخيارات أو آراء الآخرين، فما يكون مطلوباً اليوم قد تتغير ملامحه عقب التخرج، فلا يوجد تخصص يمكن وصفه بأنه الأفضل للجميع، فهناك تخصص يناسب قدرات الطالب وميوله، وآخر تتسع فرصه مع التحولات الاقتصادية والمشاريع الجديدة، وثالث يحتفظ بأهميته، لأن جوهره قائم على الخبرة البشرية والمسؤولية التي يصعب أن تحل الآلة محلها بالكامل.

لذلك، فإن الاختيار الواعي ينبغي أن ينظر إلى مجموعة عوامل، أهمها: الطلب الحقيقي في سوق العمل، وتأثير الذكاء الاصطناعي في المهنة، وفرص التوظيف بعد التخرج، ومرونة الانتقال بين القطاعات، وإمكانات التطور المهني، والدخل مع تراكم الخبرة.

وهناك تخصصات تتسع فرصها مع التحول الرقمي، مثل: علوم الحاسب، والأمن السيبراني، وعلوم البيانات، والذكاء الاصطناعي، لكنها تحتاج إلى مهارات عملية ومشاريع وتدريب مستمر، فالشهادة وحدها لم تعد كافية.

كما تحافظ الهندسة المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية والمشاريع الكبرى على حضورها، فيما تبقى التخصصات الصحية من أكثر المجالات استقراراً، لارتباطها المباشر بالإنسان والرعاية والمسؤولية المهنية، وفي المقابل أصبحت السياحة والضيافة وإدارة الفعاليات مجالات مهنية حقيقية، تتطلب اللغة والتنظيم والقدرة على التعامل والتشغيل.

أما التخصصات الإدارية والمالية فلم تفقد أهميتها، لكن سوق العمل أصبح أكثر تطلباً، وأصبح الجمع بين المعرفة الأكاديمية وتحليل البيانات والأدوات الرقمية وإدارة المشاريع أكثر قيمة من الشهادة المجردة.

والذكاء الاصطناعي لن يلغي التخصصات بقدر ما سيغير طبيعة المهام داخلها، لذلك ستكون الأفضلية لمن يعرف كيف يستخدم التقنية لتعزيز قدراته، لا لمن يقف بعيداً عنها.

‏أخيراً

وأمام كل هذه الخيارات، تبقى النصيحة الأهم: لا تختر تخصصاً لأن راتبه مرتفع اليوم، أو لأن الآخرين يفضلونه، اختر مجالاً يناسب قدراتك، وتستطيع أن تبدع فيه، ثم ابنِ فوقه مهاراتك باستمرار.