يقول اليهود: بين موسى وموسى لا موسى هناك.

موسى الأول هو موسى عليه السلام، وموسى الآخر قصدوا به موسى بن ميمون.

وهو طبيب صلاح الدين الأيوبي، ارتحل من قرطبة إلى فاس، وأسلم في ظل الظروف الدينية التي شهدتها مناطق خاضعة لحكم الموحدين آنذاك، ويقال إنه أضمر البقاء على ديانته اليهودية كتقية. في البدء برز في الطب، لذلك دخل إلى البلاط المملوكي طبيباً لصلاح الدين الأيوبي، وانشغل بالفلسفة، وكان معجباً بالفارابي، وابن رشد وإن لم يتقابل معهما. كتب الكثير، وأهم كتبه (دلالة الحائرين)، وهو كتاب ضاع فيه ابن ميمون، فبدلاً من إرشاد الحيارى للطريق، التبس عليه الأمر، وكان حائراً بالفعل، ظهرت تلك الحيرة في آخر هذا الكتاب. قد يكون انشغاله بالطب فوّت عليه التعمّق الفلسفي، إلّا أن تعمّقه الديني كان الأجود في اهتماماته، حتى إن ذلك الاهتمام أوصله إلى لقب الحاخام، وهو منصب يهودي فخم يُمثّل الزعامة الدينية والروحية لدى اليهود.

واهتم كثيراً بالجالية اليهودية، وبلغ اهتمامه باليهود في المنطقة حتى إنه حث أهل اليمن على استخدام التقية لإخفاء ديانتهم إن تم إرغامهم على الدخول إلى الإسلام.

أتحدّث عن ابن ميمون في جزء من سيرته، وكان من الأوجب الحديث عن فلسفته، ورؤيته عن القضايا الفلسفية الكبرى، تشبهاً بالفارابي أو ابن رشد، إلّا أن المقولة اليهودية التي بدأتُ بها هذا المقال جعلتني أعاود (الشك)، فالشك ميزة مهمة للباحث أو صاحب القراءة المكثفة، وكما تناقل الكُتّاب قديماً وحديثاً عن تسرّب الإسرائيليات إلى الحديث والسيرة، (وأهم من برز في هذا هما: كعب الأحبار، ووهب بن منبه).

والشك هو دعوة لقراءة الشخصية وما أحدثته من أقوال وكتابه، قراءة عصر الشخصية، وقراءة كتبه. وأرى أن ابن ميمون في تقيته لم يغطِّ اهتمامه باليهودية، والمنتمين لتلك الديانة، وأعتقد أنه من أوائل من سعى إلى التقارب الديني الإسلامي واليهودي، ذلك التقارب ليس كفلسفة عميقة يؤمن بها، وإنما لكونه في محيط إسلامي، وعاصر قمم الفلاسفة العرب.

ويدفعني الشك إلى المطالبة بالاهتمام بكل الأقاويل النائمة في الكتب، التي نراها الآن تتجسّد في الواقع، فإن كان الآخرون يؤسّسون أفكاراً تنفّذ بعد مئة سنة، فعلينا أن نقرأ الماضي ونكتشف ما الذي دخل إلى مرحلة التنفيذ.