في منطقتنا، وفي هذا الوقت البالغ الدقة تتبدل موازين القوة بتسارع ملحوظ، وتعيد الدول حساباتها وفق مصالحها قبل أي اعتبار آخر وباعتمادها على الذات قبل أي خيار آخر، فالتحالفات مهما بلغت متانتها تبقى محكومة بحسابات كثيرة يطول تفصيلها، فيما تبقى قدرة الدولة على حماية قرارها ومقدّراتها هي الثابت الأهم الذي لا ينبغي أن يخضع لمتغيّرات الخارج، ولعل التجربة الطويلة للشرق الأوسط أثبتت أن الدول الأكثر قدرة على عبور المنعطفات ليست الأكثر تحالفاً بالضرورة، وإنما الأكثر امتلاكاً لأدواتها، والأوسع في خياراتها، والأقدر على بناء علاقاتها من موقع الندية والمصلحة، ومن هنا يمكن قراءة التحوّلات التي تقودها السعودية اليوم في علاقاتها وتحالفاتها؛ فهي لا تنسحب من شراكة لتدخل أخرى، ولا تستبدل محوراً بمحور، وإنما توسع دوائرها السياسية والاقتصادية والأمنية في عالم لم تعد فيه العلاقات الدولية تسير في خطوط مستقيمة.

الاستقلال الاستراتيجي لا يقوم على الابتعاد عن الحلفاء أو تقليص مساحة الشراكة معهم، وإنما على امتلاك القدرة التي تجعل التحالف خياراً يعزّز قوة الدولة ولا يعوّض عنها. وهي معادلة تزداد أهميتها في منطقة عايشت تقلبات السياسة الدولية، ورأت كيف تتبدل حسابات القوى الكبرى تبعاً لتغيّر الإدارات، وتحوّلات المصالح، والأزمات الاقتصادية، أو حتى عبر أحداث تقع بعيداً عن حدودها، فتتغيّر معها الأولويات وتتقدّم ملفات وتتراجع أخرى، ومن هنا تصبح القدرة الذاتية الضمان الأكثر ثباتاً، فيما تبقى التحالفات رصيداً استراتيجياً تحكمه المصالح المتبادلة وتوازنها، لهذا تبدو معادلة الأمن السعودي اليوم أكثر وضوحاً واتساعاً؛ بناء مستمر للقدرات الوطنية، وتنويع للشراكات، وعلاقات متوازنة مع القوى الكبرى والصاعدة، مع الاحتفاظ بالقرار الوطني في مركز هذه الدوائر كلها، فالولايات المتحدة -بالطبع- شريك استراتيجي مهم، والصين قوة اقتصادية عالمية ذات مصالح متنامية، كما أن العلاقات مع دول إقليمية ودولية أخرى تفتح مجالات أوسع للتعاون، وفي النهاية، لا تقوم السياسة الرشيدة على عدد الأصدقاء بقدر ما تقوم على وضوح المصلحة وحسن إدارة العلاقة معهم والإدارة القوية لمجريات الأحداث حولها.

السعودية اليوم تبني هذه القدرة -السياسية والعسكرية- بالتوازي مع دبلوماسية تسعى إلى تخفيف التوترات؛ لأن امتلاك القوة لا يتناقض مع السعي إلى السلام. على العكس، كلما ازدادت الدولة قدرة على حماية مصالحها، ازدادت قدرتها على التفاوض بهدوء، واتسعت أمامها مساحة القرار بعيداً عن الضغوط والاصطفافات الحادة.

لقد تغيّر العالم، وتغيّر معه معنى التحالف ولم يعد السؤال المنطقي إلى أي معسكر تنتمي الدولة؟ وإنما: ما مقدار ما تملكه من قوة حين تتغيّر المعسكرات؟ وما حجم الخيارات التي تحتفظ بها عندما تتعارض مصالح الحلفاء؟

وهنا تتجلى قيمة النموذج للمملكة العربية السعودية في هذه المرحلة؛ قوة تُبنى من الداخل، وشراكات تتسع في الخارج، وقرار يعرف أين تقف المصلحة الوطنية، ففي السياسة كما في التاريخ، يبقى الحلفاء ضرورة كما في اتفاق مكة الثاني بين المملكة وباكستان وتركيا، وتبقى المصالح جسوراً مهمة، لكن الدولة التي تريد أن تملك مستقبلها تبدأ دائماً من قدرتها على الوقوف على قدميها مع الإمساك بكل أدوات القوة أو كما يقول سارتر: ‏«على المرء أن يُظهر قوته حتى لا يكون مضطراً لاستعمالها»!