- التقيت أخيراً بصديق قديم من بدايات حياتي العملية؛ كانت تجمعنا علاقة وطيدة قبل أن تفرقنا ظروف الحياة ومشاغلها، وانتقل هو إلى مدينة الرياض لظروف عمله.
- سألني بشوق: «طمئنّي عنك يا صديقي، ماذا أنجزت بعد كل هذا العمر؟» قلت له: «أنجزت ولله الحمد مهمتي في الحياة على أكمل وجه بإذنه تعالى، وأنا مقتنع تماماً بما رزقني الله، ولا أطلب اليوم إلا العفو والعافية والستر، بعد أن منحني الله هذا العمر.
- ثم سألته: «وكيف أنت يا صديقي؟» تنهد وقال: «كثير من سنواتي كانت للأسف متعبة ومنغصة ومؤلمة، خاصة بعد انفصالي عن زوجتي وتشتت أسرتي». وأردف بحسرة أن نبش الملفات القديمة والمغلقة كان السبب الرئيس وراء ذلك الانفصال، مضيفاً: «أعيش الآن وحدي.. تزوجت مرتين ولم يُكتب لأي منهما النجاح، والحقيقة أن زوجتي الأولى كانت لا تُعوّض، وكنت أقع في فخ المقارنة بينهما». انتهى به المطاف بحياة عملية ناجحة، مقابل حياة أسرية مضطربة بسبب فتح تلك الصفحات المطوية، حتى أبناؤه أصبحت صلتهم به ضعيفة جداً.
- سألني مستدركاً: «وماذا عن حياتك الأسرية؟ أتمنى أن تكون الأمور على ما يرام». قلت: «نعم والحمد لله، زوجتي التي شاركتني رحلة العمر أصبحت لي صديقة ورفيقة، ونعيش معاً أجمل تفاصيل هذه المرحلة من العمر، وما زلت أحتفظ بعلاقاتي الممتدة مع بعض أصدقاء الزمن الجميل».
- حديثه جعلني أفكر ملياً في طبيعة العلاقات؛ ففي الزواج مثلاً، هناك من يعيش سنوات هادئة، حتى يقرر فجأة أن يفتح ملفات قديمة، أو يفتش في رسائل منسية، أو يستدعي كلمات قيلت قبل عشرين عاماً. كان البيت يسير بسلام، وربما لم يكن مثالياً لكنه كان مستقراً، وما إن تُفتح تلك الملفات المغلقة حتى يتحول المنزل إلى ورشة إصلاح لا تنتهي، وربما ينتهي به المطاف إلى ساحة خردة! وفي العائلة أيضاً، تستمر الأسر لأن أفرادها يجيدون فن التغاضي أكثر من شغف التحقيق والتدقيق.
- تأملت كذلك في حياة بعض الأصدقاء المقربين؛ أحدهم يعيش بمفرده ويفضل الوحدة، لكنه سعيد جداً استطاع أن يحقق أهدافه بعد أن أمّن حياة كريمة لزوجته وأبنائه. بينما صديق آخر نجتمع به سوياً، تفرغ تماماً بعد تقاعده لزوجته وابنته وأحفاده، يشاركهم تفاصيل الحياة بكل جمالياتها؛ يذهب يومياً إلى المجمع القريب من منزله، يجلس في المقاهي رفقة زوجته التي أصبحت بالنسبة له كل شيء بعد أن بلغا من السن ما بلغا، ويمارس رياضة المشي، ويشتري احتياجاتهم اليومية براحة بال ومتابعاً حديث المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
- خلاصة القول: كيف نستطيع أن نُسيّر حياتنا العائلية ونقودها نحو بر الأمان؟ الموضوع متشعب بلا شك، لكن السر يكمن في «التغافل»، وعدم التدقيق، وإغلاق الملفات القديمة التي لا تقدم ولا تؤخر بل تُستحضر معها الذكريات المؤلمة فقط.. (لا تفتح الدفتر يا بندر).


